حقوق الإنسان والديمقراطية في سورية

عمل جماعي لعشرين باحث سوري

إشراف وإعداد: الدكتورة فيوليت داغر

الطبعة الأولى 10/2001

جميع الحقوق محفوظة للناشر

الفهرس

مقدمة  7

فصل 1 ـ الرأي والسيف: آليات تملك الدولة وتثبيت السلطة    41

فصل 2 ـ الأساس الاجتماعي للتحولات السياسية 71

فصل 3 ـ النظام الشمولي  87

فصل 4 ـ مدخل لقراءة التعددية   127

فصل 5 ـ الأحزاب السياسية      149

فصل 6 ـ التحولات المجتمعية ودور المنظمات الأهلية   177

فصل 7 ـ حركة حقوق الإنسان   197

فصل 8 ـ القضاء في التشريع     213

فصل 9 ـ الآثار الاجتماعية والنفسية للمعتقل والحرمان من الحقوق المدنية    231

فصل 10 ـ سياسة الاتصال: الإعلام، الثقافة، التربية والتعليم   271

فصل 11 ـ الاقتصاد بين الواقع والآفاق  287

فصل 12 ـ المشكلات البيئية      315

فصل 13 ـ إسرائيل وانتهاك حقوق الإنسان في الجولان 349

فصل 14 ـ مسألة الأقليات 363

فصل 15 ـ أوضاع الشباب 391

فصل 16 ـ سياسة سوريا الخارجية      415

ـ بين الثوابت والمتغيرات   419

ـ التعقيب الأول: سوريا وجوارها  430

ـ التعقيب الثاني: إعلان برشلونة والشراكة الأوربية المتوسطية  440

فصل 17 ـ سمات حقبة    445

ملاحق: من 1 إلى 11      473

 

DROITS HUMAINS ET DEMOCRATIE EN SYRIE

Sous la direction de: Violette Daguerre

Et La participation de 20 chercheurs syriens

PARIS 2001

 

PROJET REALISE PAR

LA COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS

AVEC LE SOUTIEN DE LA COMMISSION EUROPEENNE

يصدر هذا الكتاب عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان بالتعاون مع المفوضية الأوربية

C. A. DROITS HUMAINS:

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff - France

Phone: (+33-1) 4092 - 1588 - Fax: (+33-1) 4654 - 1913

Email: achr@noos.fr

http://home7.swipnet.se/w-79939; www.come.to/achr

 

EDITIONS EURABE

منشورات أوراب

36b Rue Cotentin

75015 Paris

email: eurabe@hotmail.com

د. فيوليت داغر

وعشرون باحث سوري

 

حقوق الإنسان والديمقراطية

في ســــــــــــــــــورية

 

شارك في هذا الكتاب

(حسب التسلسل الأبجدي)

ـ أصلان عبد الكريم

ـ تميم وماجد

ـ جاد الكريم الجباعي

ـ حسين العودات

ـ سلامة كيلة

ـ سمير العادلي

ـ عامر محمود

ـ عبد الرزاق عيد

ـ عمر ديب عبد الحميد

ـ فايز سارة

ـ فيوليت داغر

ـ كريم أبو حلاوة

ـ محمد عصام دمشقي

ـ محمد العودات

ـ محمد نجاتي طيارة

ـ هيثم المالح

ـ هيثم مناع

ISBN: 2-914595-15-8

EAN: 9782914595155

 

 

مقدمـة

فيوليت داغر

لمحة موجزة:

إن كانت هذه البقعة من العالم تشارك بلاد الرافدين ووادي النيل قدم الحضارة والتمدن، فإن سوريا المعاصرة وبحدودها السياسية اليوم قد شكلت منذ القرن التاسع عشر عنوانا رئيسيا من عناوين النهضة العربية، وخندقا هاما من خنادق مقاومة الاستبداد والاستعمار، وبلد عدد كبير من رواد الفكر الديمقراطي والفنون والآداب. لقد عرف هذا البلد في مراحل من وجوده تراجعات بسبب الاستعباد الخارجي أو الاستبداد الداخلي، لكن شعبه امتلك باستمرار القدرة على النهوض واستدراك دوره الإقليمي والعالمي.

لم تعرف سوريا وجارها لبنان الاستعمار المباشر لأكثر من ربع قرن، تخللتها الثورات والانتفاضات وحركات المقاومة. ومنهما كانت منارات في النهضة العربية وإشراقات في الفكر القومي الإنساني وإنطلاقات مبكرة في الفكر الاشتراكي. استقل البلدان دون كبير فارق زمني وبقي العديد من أحزابهما السياسية موحدا كالحزب الشيوعي حتى 1958. بعد نكبة 1948 عرفت سوريا أكثر من انقلاب عسكري قبل أن تعود الحياة البرلمانية والتعددية الحزبية لها من جديد في 1954.

في 1958 وبعد الاستفتاء الإيجابي على الوحدة السورية ـ المصرية، تم حل الأحزاب السياسية في سوريا واستبدالها بالاتحاد القومي، الذي هو عبارة عن تشكيل سياسي شبه حكومي. لكن انقلاب 28 سبتمبر 1961 أنهى هذه الوحدة على قاعدة إعادة النظام البرلماني. وفي 8/3/1963 قام عدد من الضباط البعثيين والناصريين بانقلاب جديد أعلنت إثره حالة الطوارئ ومنعت الأحزاب والتجمعات الحرة والصحف. ثم بدأت عملية تأميم الفضاء السياسي لحزب واحد هو حزب البعث، وحصر التكوين العسكري بالموالين لهذا الحزب، خاصة بعد تصفية الضباط الناصريين إثر محاولتهم الانقلابية في تموز (يوليو) 1963.

في نهاية 1965، حاولت القيادة القومية التاريخية الإمساك بزمام الأمور من القيادة العسكرية، إلا أن “اللجنة العسكرية” التي كانت وراء انقلاب 1963، قامت بانقلاب 23/2/1966 الذي تحالف فيه أعضاء القيادة القطرية اليساريين مع “اللجنة العسكرية”. لم تلبث فيما بعد الازدواجية بين الجيش والحزب أن حسمت لصالح الجيش في 16/11/1970. لقد قام الجنرال حافظ الأسد بانقلاب أثناء مؤتمر الحزب اقتاد فيه القيادة الحزبية والحكومية للسجن. ثم تسلم مقاليد الأمور بجملته المأثورة والمعبّرة: “الجيش هو الذي قام بالثورة، لين بياو هو الشخص الثاني في الصين، أنا لست لين بياو (وزير الدفاع يومئذ في الصين)، ولكن ليس عندنا ماوتسي تونغ أيها الرفاق”.

بدأت مع حركة حافظ الأسد فكرة الزعيم الفرد تحل محل الحزب القائد، وعبر عدد من المراسيم تم إرساء المؤسسات اللازمة لمركزة السلطات بيد رئيس الجمهورية. كما وضع دستور رئاسي إيديولوجي الطابع تعسفي النهج يحصر بيد الرئيس مفاصل الحكم والسلطات الثلاث. فأصبح الولاء “للقائد”، القائم على ما يمنحه لاتباعه من امتيازات ومكاسب شخصية، قاعدة في الحكم. ذلك في ظل غياب سيادة القانون ومبدأ المحاسبة وتعطيل مؤسسات المجتمع المدني، التي من شأنها أن تلعب دور السلطة المضادة لحماية الشعب من عسف الأجهزة الحاكمة. منذ ذلك التاريخ، لم يعد للحركة النقابية العريقة أي هامش استقلالي عن القيادة القطرية لحزب البعث، وصارت فروع الأمن المختلفة تقرر مصير قياداتها وسياساتها ونشاطاتها الكبيرة والصغيرة.

هذه الاستبدالية التمثيلية كان من شأنها أن اختزلت المجتمع السياسي بحزب البعث، والحزب بقيادته الموالية للجنرال الأسد. من ثم قامت بعسكرة المجتمع وتضخيم أجهزة الأمن بشكل سرطاني وحصرتها على قاعدة العلاقات العضوية والعصبية. أدت هذه المركزة للسلطات ضمن إطار فئة محدودة إلى اجتماع الثروة والسلطة في أيد قليلة وخنق المبادرات الحرة والمستقلة في المجتمع، اقتصادية كانت أم اجتماعية أم ثقافية أم سياسية.

أطلق الرئيس الراحل حافظ الأسد اليد الطولى لأجهزة الأمن بفروعها المختلفة وبجيش المخبرين وكتّاب التقارير المحترفين والهواة، تمسك بخناق المواطنين، لحد لم يتمكن هو نفسه من السيطرة عليها كلما شاء. نعطي مثلا على ذلك ما حصل قبيل ارتكاب المجازر الكبيرة (ملحق رقم 1)، عندما تم في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1980، الاتفاق بين ممثلي الرئيس حافظ الأسد ونائب المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين حينئذ، أمين يكن، لوقف أعمال العنف. بالفعل بدأ الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين، على طريق حل سلمي للصراع. إلا أن شقيق الرئيس وقائد سرايا الدفاع ( رفعت الأسد) قام حينها بإعدام مسؤول الطليعة المقاتلة الذي تم الاتفاق على الإفراج عنه (حسني عابو)، خلافا لتوجيهات الرئيس، خوفا من تقليص دور الوحدات الخاصة والأمن. فيما كان سببا في اقتراف مجازر انتهت بمأساة حماه بعد عامين على ضرب المباحثات (من شهادة شخصية للأستاذ علي صدر الدين البيانوني، المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين في 2001).

تحت شعار الحفاظ على الأمن والاستقرار، اقتيدت أعداد كبيرة من المعارضة إلى محاكم عسكرية ميدانية بموجب مرسوم تشريعي صدر عام 1980 بسط صلاحيات المحاكم العسكرية الميدانية لتشمل محاكمة المدنيين من قبل عسكريين، وليس قضاة، يأتمرون بأوامر قياداتهم. بموجب هذه الأحكام تم إعدام أعداد كبيرة من المواطنين المعارضين للنظام، فيما حكم آخرون بالسجن لمدد طويلة تجاوزت عقداً وأحياناً عقدين من الزمن، إلى جانب اختفاء أعداد لا بأس بها من المساجين لم يكشف النقاب بعد عن مصيرهم. وكانت معلومات من داخل السجن قد أكدت أن حوالي 10 آلاف سجين توفوا تحت التعذيب وإعداما وفي المجازر التي ارتكبت في سجن تدمر، منهم من دفنوا في مقابر جماعية ولم يسلموا لذويهم.

عندما أفرج عن الجزء الكبير من السجناء (وصل تعدادهم إلى حوالي 18 ألف في الثمانينات، بقي اليوم منهم ما يقارب 1200) لم يستطع المفرج عنهم (الذين لم تتوفاهم المنية بعد إطلاق سراحهم مباشرة) استعادة حقوقهم المدنية والالتحاق بوظائفهم في القطاع العام. ذلك إضافة لمعاناتهم النفسية وتشوهاتهم الجسدية بسبب وحشية طرائق التعذيب التي استعملت معهم، وبغياب المؤسسات التي تعنى بمعالجتهم وتأهيلهم الاجتماعي. لقد حرموا حتى من حق الحصول على الراتب التقاعدي. أما من توجه للعمل في القطاع الخاص، فكان لا بد أن يجد صعوبة قصوى في تحصيل عمل. السبب هو أن كل وثائق المفرج عنهم (السجل العدلي والمدني وفي القيود العقارية) تشير إلى ماضيهم كسجناء رأي. بهذا، وخلا بعض الإستثناءات، تضيع فرصة العمل واستعادة المكانة الاجتماعية وتأمين مستقبلهم ومستقبل أسرهم لمن أودعوا السجن، كونهم محرومين حتى من مغادرة بلدهم بحثا عن لقمة العيش. فحيازة جواز سفر يلزمها الحصول على وثائق من الجهات المعنية في الدولة تثبت أنهم غير محكومين.

يندرج ذلك في وضع يعيش فيه أكثر من نصف المجتمع تحت خط الفقر (منهم من يعطي نسبة 66•)، وبطالة مرتفعة (قد تشكل بغياب إحصاءات حقيقية ومعلومات أكيدة نتيجة انعدام الشفافية، ربع قوة العمل، و18• حسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1998، بينما تقارب حسب المكتب المركزي للإحصاء 9.5•). يضاف لذلك معدلات نمو منخفضة (صفر حسب وزير التخطيط وسلبية حسب دراسة لغرفة صناعة دمشق)، وتدهور في الإنتاج وتردي في نوعيته (خاصة عندما تنحط قيمة العمل ويصبح أشبه بالسخرة عندما لا يكافأ حسب قيمته). كذلك تعاني سوريا من ركود اقتصادي في قطاعات الإنتاج المختلفة على الرغم من أن هذا البلد ينتج النفط والفوسفات والقطن والحبوب الخ. فيما يوجد ربع مليون طالب جديد كل سنة يرفد سوق عمل راكد، ضمن زيادة سكانية عالية (تزيد عن 3.4• حسب بعض التقديرات، بينما تتجاوز الخمسة بالمائة حسب أخرى). أما مضاعفة الرواتب فلم تحل المشكلة المعاشية للعاملين، باعتراف وزير التخطيط، ولم تغطي الفرق الكبير بين الأجور والأسعار. كما أن مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطن ما زالت في تدني، خاصة على مستوى الخدمات الصحية والتعليمية.

يقابل هذا الوضع سوء توزيع متزايد للدخل، حيث يقدر بعض الاقتصاديين أن خمسة بالمائة من السكان يحصلون على أكثر من خمسين بالمائة من الدخل الوطني. وهذا الأمر لا يعود بالطبع لدورهم في عملية الإنتاج، وإنما لموقعهم في مراكز القرار أو قربهم من هذه المواقع (من مثل أبناء المتنفذين والمقربين منهم) ولاستشراء الفساد على جميع الأصعدة. فالفساد لم يعد مجرد آفة في جهاز، وإنما الأساس الذي يقوم عليه الجهاز الإداري والأمني في البلاد. لقد انتشر أفقيا وعاموديا وطال جميع مفاصل الإدارة، بحيث أصبح بالتالي إنتاجه وإعادة إنتاجه جزءا أساسيا من استمرار وبقاء الجهاز الإداري الحزبي والأمني.

يعود ذلك في طرف منه لتسيب قطاع الدولة وغياب آليات المراقبة من تحت، واستحالة المراقبة الدائمة من فوق. هذا في حال وجدت نية صادقة لمكافحته بسبب ما يشكله من تهديد لأسس النظام نفسه. يضاف لذلك غياب الشفافية في المشاريع الاستثمارية والصفقات التجارية الخارجية وأموال المساعدات التي يشاع أنها تذهب إلى جيوب أقلية كانت قد اعتاشت من نهب الدولة. (أنظر بهذا الخصوص ما ورد في الملحق رقم 2 حول المذكرة التي تقدم بها عضو مجلس الشعب السيد رياض سيف في شهر آب الماضي لرئيس مجلس الشعب حول صفقة الخليوي التي ضيعت 400 مليار ليرة سورية على الدولة ³أي ما يعادل 8 مليارات دولارµ ووفرت ربحا صافيا غير مشروع لأصحاب العقد يعادل حوالي 200 إلى 300 مليار ليرة سورية).

لقد وُظفت كل حقوق الناس البديهية في بورصة الفساد. فالحصول على هاتف عادي أو إدخال سيارة للبلاد أو فتح عيادة أو الحصول على جواز سفر وغيرها من جملة الحقوق البسيطة أصبحت رهنا بالرشوة والمحسوبية. وحيث أن ظاهرة الفساد تجسيد للاستعمال السيء للسلطة عندما تنعدم الضوابط القانونية والأخلاقية، فقد عاثت هذه الظاهرة الخراب على كل المستويات. تتجلى إحدى أشكالها في ما يجري في أقبية المعتقلات التي تفتح الباب على مصراعيه لانتهاكات حقوق الإنسان الأساسية (أنظر فقرة الفساد في مقتطفات من شهادة سجين في الملحق رقم 3 والتي تصفع بإبرازها لإحدى تعبيرات الفساد الممارس من قبل الأجهزة الأمنية على ضحايا الاعتقال التعسفي). من المؤسف في وضع ينخر فيه هذا المرض المجتمع لهذه الدرجة أن تنال حملة مكافحته بضعة ملايين من الليرات السورية، بينما يتعدى رقم الأموال المسروقة والمهربة للخارج خلال حقبة حافظ الأسد، الستين مليار دولار حسب تقديرات البعض (هناك من يذهب للقول بخمسة وثمانين مليار).

قلصت هذه المرحلة من تاريخ سوريا الحديث حدود المشاركة السياسية الشعبية وخلقت حالة تصحر ثقافية لم يحدد من فداحة خسائرها سوى وجود فضاءات عربية وعالمية للتعبير حالت دون الاغتيال الكامل للطاقات. تنامى كذلك الوعي الفئوي الطائفي على حساب الانتماء الوطني، وتفككت الأحزاب السياسية بين مهمشة في السجون وأخرى تلعب دور بوق للسلطة في جو من تنامي الشعور بالخوف من المستقبل ومن الآخر.

ترافق هذا الإفقار المادي والإذلال المعنوي بسعي حثيث للهجرة ونزيف في العقول والكوادر، طال خاصة الشرائح الشابة من الشعب. الأسباب ليست للأسف سياسية فحسب، وإنما أيضا اقتصادية تعود لمصادرة إمكانيات العمل في القطاع العام نظرا لاعتبارات المحسوبية الحزبية والولاء والواسطة.

حيثيات العمل في بدايات عهد:

منذ ولادتها، طرحت اللجنة العربية لحقوق الإنسان مشروع إصدار تقرير سنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي. لكن بشرط أن يحترم الطبيعة الشاملة وغير المجتزأة للحقوق كافة وأن يشكل نقطة تحول بالنسبة للتقارير الجزئية المعتادة التي تتناول موضوعات محددة أو حقوقا رائجة في البلدان الغربية. وحيث لا بد من أرضية تحتية معلوماتية لنجاح عمل كهذا، طرح اقتراح إجراء مشروع بحثي حقوقي يضع تحت تصرف المدافعين عن حقوق الإنسان المادة الخام حول أوضاع البلدان العربية. اقترحت سوريا كنقطة انطلاق له بسبب التعتيم الكبير على ما يجري داخلها وقلة المعلومات عنها، على أن تتوزع فيما بعد جماعات بحث في بلدان عربية جديدة.

كانت اللجنة العربية تتبنى أطروحة مفادها أن سوريا تعيش منذ النصف الثاني للتسعينات نهاية حقبة حبلى باحتمالات متعددة، بالأخص فيما يمس طبيعة النظام السياسي والتحولات المجتمعية. إثر البعثة الاستطلاعية الأولى التي قمت بها لمدينة دمشق والنقاشات التي تلتها داخل اللجنة، وجدنا أن تبني المفوضية الأوربية لهذا المشروع كشريك اعتباري يمنحنا نوعا من الحماية الأدبية أثناء قيامنا بالعمل على الأرض. كما يضاعف من شروط استمرارية هذه المغامرة التي لا تقل احتمالات الفشل فيها عن فرص النجاح. وكون الدراسة تمتد لفترة اثني عشرة شهرا، وتجنبا لأية عوائق لها علاقة بتأشيرات الدخول أو ما شابه، بدئ البحث عن كتّاب وباحثين عرب وسوريين مقيمين داخل وخارج سوريا، مع الاعتماد على فريق عمل مكون من سوريين يعيشون في المنفى.

ركّز المشروع البحثي على ضرورة تناول الحقوق الأساسية الستة (السياسية، المدنية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية والبيئية) والتعرض لنقاط الاستمرارية والانقطاع وأشكال الولادة الجديدة في المجتمع السوري. حدد موعد أول بعثة عمل لسوريا بداية صيف 2000. لكن حدث أن تزامن هذا الموعد مع الوفاة الفجائية للرئيس السوري حافظ الأسد. مما وضعنا بمواجهة حالة جديدة، كنا أثناءها على الأرض نرقب سير التطورات وتأثيرها على سيرورة العمل اللاحقة. في الوقت نفسه، كانت تعترضنا صعوبات كثيرة للعثور على باحثين من داخل البلد يقبلون الكتابة عن أوضاع سوريا والتعاطي مع منظمة حقوق إنسان من الخارج.

ما حصل من تطورات فيما بعد كان لا بد أن يترك بصماته على التصور الأولي للمشروع وعلى سيره. فمع تصاعد دور المثقفين في حركة الاحتجاج الديمقراطية والمطالبة بالإصلاح السياسي وانتشار المحاضرات والمنتديات كان لا بد من إعطاء الأولوية في البحث والعمل لمن يعيش تحت وطأة الظروف الانتقالية الجديدة ويكون أجدر بالتعريف بالوضع من عيون المراقب الملتزم بالحيادية. الأمر الذي غير توزيع العمل وحول اللجنة البحثية المكونة في الخارج من طرف أساسي في الصياغة إلى طرف استشاري ومكمل.

هذا التوق للتغيير الذي طال انتظاره والوضع الانتقالي بفعل وفاة الرئيس، ترافقا بتطور في حركة المثقفين والمعارضة الديمقراطية التي بدأت بطرح مطالبها وتصوراتها للمرحلة المقبلة. شجعها في ذلك خطاب القسم الدستوري للرئيس بشار الأسد ( ألقاه في السابع عشر من تموز عام 2000 أمام الجلسة الاستثنائية لمجلس الشعب)، الذي تفاءل به كثيرون. حيث اعترف بوجود أزمة لا يمكن مواجهتها بعصا سحرية وإنما بالإصلاح والتغيير ومساهمة الآخرين، وبوجود معارضة سياسية أسماها الرأي الآخر.

لكن الحذر غلب على البعض الآخر من الذين قابلناهم، حيث فضلوا انتظار ما سيأتي به الغد وإعطاء الفرصة للرئيس (حيث لم يتغير شئ آخر عداه) لترجمة خطابه السياسي عمليا على الأرض. الفئة الثالثة كانت أكثر تشاؤما أو واقعية، فلم تعتبر أحلامها معطيات موضوعية، ولم تراهن على المظاهر الظرفية التي قد تكون قصيرة المدى ومرهونة بالحدث الطارئ. انطلق هؤلاء من أن الرئيس الجديد لم يأت بإرادة شعبية وإنما فرض من فوق. وكان مجيئه نتيجة توافق رغبة أبيه ورغبته هو في الحكم (أو على الأقل موافقته على هذه الرغبة)، وموافقة الأطراف التي تملك موازين القوى الفعلية داخل النظام، (بحيث عدل الدستور من أجل أن يتماشى مع سنه وسمي وقتها النظام في سوريا تهكماً بالجمهوري الوراثي). وهو إن كان يمتلك بعض الرؤى الإصلاحية، لم يأت بمشروع إصلاحي وبرنامج للتغيير. إلى جانب أن شخصيته وتجربته القصيرة في الحكم خلال السنوات الأخيرة من حكم والده (التي سادها حالة ركود وانقطاع للتدفقات المالية الخارجية وعدم قدرة أي طرف كان على أخذ مبادرات هامة)، لن تسمحا له بالتأثير كفاية في موازين القوى لصالح التغيير. هذا افتراضا أن نواياه في التغيير الفعلي جدية. إضافة إلى مسألة أساسية وهي أن أقطاب السلطة الذين عرفتهم سوريا خلال العقود الماضية ما زالوا هم أنفسهم في الحكم.

التطورات التي حصلت بعد نصف سنة من بدء العهد الجديد، أوضحت، حسب المحامي حسن عبد العظيم، الذي التقيناه بصفته مسؤول التجمع الوطني الديمقراطي (تجمع الأحزاب المعارضة) “أن هناك توجها جديدا داخل النظام يقوده الرئيس نحو الانفتاح الاقتصادي والسياسي وترك هامش لحرية التعبير، من خلال المنتديات التي توسع انتشارها في المدن السورية، لكن تحت رقابة أجهزة الأمن. يقابل هذا الاتجاه محاولات من داخل النظام وحزب البعث الحاكم لإلغاء هذا الهامش وعرقلة أي تغيير حقيقي حتى ولو كان تدريجيا. يعبر هذا الاتجاه عن نفسه بمقالات وافتتاحيات في الصحف الرسمية والعربية لإشعار القيادة الجديدة بأن هناك مخاطر على النظام بسبب النشاطات السياسية والثقافية للمثقفين والقوى الوطنية خارج الحكم. في حين أن العقبات لا تأتي من المثقفين خارج الحكم وإنما من داخل النظام. حيث تخشى الرموز السياسية السابقة من أي إصلاح حقيقي يؤدي لرقابة شعبية وفتح ملفات الفساد التي تطال بعضها. فالوضع يبدو إذن مفتوحاً على كل الاحتمالات ولا تزال الأمور تراوح في مكانها حيث يتداخل الجديد الذي لا يملك رؤيا واضحة، بالقديم الذي ما زال على موقفه من حيث منع القوى الأخرى من الوجود وتعطيل تعبيراتها”.

ما زال النظام، كما هو واضح، محكوما كما بالسابق بهواجس أمنية. فهو لم يسمح حينئذ لأية تظاهرة شعبية عفوية بالتعبير عن هواجسها، منها مثلا ما عبر عن تضامن الشارع السوري مع انتفاضة الأقصى خلال أشهرها الأولى. لقد طوقت قوات مجابهة الشغب من بدايتها مظاهرة دعا لها في ذلك الوقت تجمع الأحزاب المعارضة لهذا الغرض، كما وقمعت أخرى خرجت في مخيم اللاجئين الفلسطينيين ولم تسمح سوى بمسيرات منظمة ومبرمجة تشرف هي عليها وتوظفها لأعمالها الدعائية. في الوقت نفسه، بدأت أطراف من السلطة بحوار إفرادي مع بعض المثقفين حيث كان يتم جس نبضهم وتذكيرهم بالخطوط الحمر التي عليهم عدم تجاوزها. لكن هذه الأطراف لم تقدم على حوار مع أحزاب التجمع الديمقراطي التي تمثل قوى حقيقية في الساحة. لقد بدت السلطة حينها أكثر انصرافا لترتيب البيت الداخلي وتحضير انتخابات حزب البعث، بحيث تركت بعض الهامش البسيط للمعارضة، التي حسب قول أحد المتنفذين (آصف شوكت) “لم تغلط بعد”.

هناك، خلاصة، داخل النظام من يدفع في هذه المرحلة الانتقالية باتجاه التغيير والإصلاح في ظل وضع اقتصادي مأزوم لا يبدو سهل التحريك. في حين تسعى قوى أخرى لكسب الوقت والمشروعية في الاستمرار، لكن خارج إطار الأجهزة الأمنية واستعمال القوة. مقابل ذلك توجد شريحة ثالثة داخله تقاوم بعنف كل حركة ترمي لتغيير الوضع الراهن وتعمل جاهدة على إعادة إنتاج النظام نفسه.

من ناحية أخرى، أبدت أطراف خارجية، وأوروبية خاصة، رغبتها للمساعدة بحلحلة الوضع. كما سعت المعارضة الديمقراطية لممارسة ضغط بهدف إحداث تراكمات وفعل على أرض الواقع يدفع باتجاه انفراج أو تجاوز للوضع. وكانت تحذر من محاولات الاحتواء والالتفاف عليها وإعطاء المبررات للقوى الحاكمة بقمع تحركاتها. وقد حاولت نقل الحركة من الحراك على مستوى نخب، وسّعت بالتأكيد دوائر النشاط السياسي في البلد، لقطاعات اجتماعية شعبية كالنقابات المهنية مثلاً. هذه النقابات التي بفعل تعاظم دورها قد تصبح قوة قادرة أن تضغط على النظام لتقوية اتجاهات التغيير داخله، حيث لا يمكن الرهان على ما يقدمه هو من تلقاء نفسه.

لم يطل الوقت حتى برز رجحان كفة التوقعات التشاؤمية مع ما حصل من تراجع ملموس في موقف السلطات الحاكمة بعد أشهر قليلة من اعتلاء الرئيس بشار الأسد سدة الحكم والانفراج النسبي الذي ظهر حينها والمتوقع موضوعيا. بدأت في شهر فبراير/شباط بوادر الانكماش والتراجع بالظهور، حين انطلقت الأجهزة الأمنية والحزب الحاكم والأحزاب المساندة له في الجبهة بشن حملة شرسة على “الشعب الغبي الجاهل الذي لا يستحق الحرية” وعلى “المثقفين المتعاملين مع السفارات الأجنبية”. مما كان له انعكاساته (أو تأييد له) في تصريحات الرئيس مخالفة بتوجهاتها عما ورد على لسانه في خطاب القسم.

في هذا الوقت، كنا نجري اتصالات للاستماع لوجهات نظر المعارضة والهيئات الحزبية والنقابية الرسمية وشبه الرسمية ومع الأطراف الرسمية. لكن لم تجر الأمور كما يرتجى. لقد انعكست سلبا على البعض حملة السلطات الخائفة من صحوة المواطن والتي عملت من جديد على تقوية المنعكس الشرطي للخوف عنده الذي اعتاشت عليه عقودا من الزمن. أحدث هذا التراجع شبه عودة لنقطة البداية، حيث لم تكن التغييرات قد تراكمت بعد. وكان له تأثيره حتى على بعض أطراف المعارضة والباحثين، الذين، عبر تبريرات مختلفة، تراجعوا عن موافقتهم المشاركة بالعمل معنا. نتج بالطبع عن هذه الخطوات إلى الأمام والخطوات إلى الخلف ثغرات في العمل سعينا لتدارك بعضها خلال الوقت القصير الذي بقي بحوزتنا، على أن تستكمل في ظروف أخرى لا يكون للوقت فيها سلطته.

ترافق هذا النكوص أيضا مع مجيء شارون كرئيس وزراء في إسرائيل. لكن السلطات السورية اعتادت في مواجهتها لمواطنيها الاستفادة من حالة الحرب مع هذا البلد لقمع من يطالب برفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات وغيره بإلصاق تهمة الإخلال بالأمن به. هذه السياسة الابتزازية والقمعية التي انتهجتها مع مواطنيها، لم تكن غائبة البتة عن السياسة الإقليمية التي اتبعتها بخاصة في لبنان، حيث لم تتغير سياسة الوصاية والهيمنة عليه حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي منه. وكون مسألة الديمقراطية لم تكن يوما على سلم أولويات سلطة تخشى من عدواها في عقر دارها، كان لا بد أن يؤدي هذا الوضع لتراجع خطير على صعيد المعركة من أجل الحريات الأساسية، ليس في لبنان فحسب، وإنما في المنطقة العربية عامة.

لقد نشر وقتها ما حصل على الساحة السورية بهذا الخصوص في الصحافة العربية، كما وطرح مندوب اللجنة العربية لحقوق الإنسان القضية أمام لجنة حقوق الإنسان في نيويورك أثناء مناقشتها التقرير الرسمي السوري. ورغم مطالبة الأخيرة المندوبين السوريين بضرورة موافقة الرسميين على مقابلة منظمات غير حكومية لحقوق الإنسان، لم يطرأ أي تغيير في سلوك سلطات بلدهم. بل كانت هناك صعوبات في إجراء لقاءات، ليس فقط مع أطراف رسمية، وإنما شبه رسمية أيضا (من أمثال أعضاء في أحزاب الجبهة المتحالفة مع السلطة). حينها، توجهت للرئيس بشار الأسد مباشرة (برسالة مسجلة في تاريخ 19/03/2001 موجودة في الملحق 4) أشرح فيها مشروع اللجنة العربية وأطلب مقابلته شخصيا للاستماع لوجهة نظره، أو تحويلي لمن يمكن أن يعطي وجهة نظر تمثل السلطة التنفيذية في سورية. لكن رسالة اللجنة بقيت حتى الساعة دون جواب من أية جهة مسؤولة.

الشيء نفسه تكرر للأسف من جديد عندما لم نتوقف عند حدود هذه المحاولات وأرسلت اللجنة العربية (بتاريخ 10/07/2001، أنظر الملحق رقم 5) إلى السيد ناصر قدور، وزير الدولة للشؤون الخارجية المكلف بحقوق الإنسان، النصوص الأساسية التي كتبها الباحثون السوريون في نطاق هذا العمل. ذلك من أجل الرد على وجهات النظر المقدمة وإعطاء رأي السلطة بوضع الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا. لكن ما زلنا ننتظر حتى اليوم أجوبة ولو إدارية على رسائلنا.

لقد خلقت، بتقديري، وفاة الرئيس حافظ الأسد حالة غياب للقرار على عدة أصعدة. وبالتالي نوعا من التخبط أو ربما الاستهتار أو الحذر المبالغ به أو الخوف أيضا، الذي أصبح بالتأكيد عنصرا جديدا في معسكر الحاكم بعد أن كان مركّزا في فضاء المحكومين. هناك كما يبدو أزمة حقيقية في تصور مستقبل العلاقة مع كل من لم يعتد التجمع العسكري الحاكم على التعامل معه (منظمات غير حكومية، صحفيون، مثقفون مستقلون، إن على صعيد القطر أو الدولي). ذلك بسبب الانتقال إلى المساءلة بعد الاعتياد على المديح والتقريظ، ووجود خطاب نقدي أو محاولات تشريح وتقييم للتجربة السورية من خارج القائمين عليها. لكن ما يمكن اعتباره مسألة إيجابية بالنسبة لعملنا هو أن السلطات السورية، التي كانت بالتأكيد أطراف منها على الأقل تعلم بمشروعنا وعملنا داخل البلد، لم تتخذ إجراءات لمنعنا من دخول سوريا أو التحرك على الأرض.

المتغيرات خلال السنة الفائتة:

كان في مكانه إصراري كمشرفة على المشروع على نقل صورة عن البلد كما يراها ويعيشها أبناء البلد. من الأقلام الجريئة والنوعية لمثقفين وناشطين في الحقل العام راهنوا وبرهنوا بتضحياتهم التي لا تحصى عن أمل بغد واعد لبلدهم. لقد قبلوا بمهمة تفكيك بنية السلطة الأتوريتارية التي طبعت العقود الأخيرة، رغم كل ما إشاعته من تخويف وتخوين لهم. خاصة، عندما ادعت أن الاتجاهات الإصلاحية تبغي القضاء على النظام السياسي وترمي لعودة سوريا إلى الحقبة الاستعمارية ومراحل الضعف والتوتر والصراعات التي عرفتها سابقا. دعم هذا الجو تصريح الرئيس بشار الأسد، الذي حذّر (بتاريخ 17/3/2001) من أن تراث أبيه غير قابل للمساس والنقد.

هناك بالتأكيد عند بعض الأطراف الموالية للنظام هالة قدسية ارتسمت حول الرئيس الراحل، وبدت كأنها بازدياد بعد رحيله (مثل على ذلك ما تطالعنا به الجرائد الرسمية الصادرة في الذكرى السنوية لوفاته حيث تكتب مثلا جريدة البعث الصادرة بتاريخ 12/06/2001 في افتتاحيتها: “إلى متى ستبقى ظاهرة حافظ الأسد تنتظر البحث العلمي الجاد؟ وسيبقى علمنا العربي السوري والبعثي بوجه خاص قاصرا بل مقصرا في بحث هذه الظاهرة التي تعتبر ظاهرة متميزة متفردة؟(...) إنني أتجرأ بأن أثير الموضوع أمام علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي وعلم النفس السياسي والجماعي متحديا لعلي أحرض الباحثين في هذه العلوم من أجل التقاط هذا الموضوع الغني ومعالجته(...) الذكرى اليوم تتطلب توجيها إلى باحثينا ومؤسساتنا العلمية للبدء بعمل موسوعي كبير لإعطاء ظاهرة القائد الخالد حقها، ولوضعها في دائرة الإدراك العلمي بعد أن تصدرت القمة في مجال العفوية والتلقائية الشعبية الصادقة أبدا. هذا ضروري من أجل العلم ومن أجل مستقبل الأجيال.. وأجيال المستقبل”).

يعتقد علم النفس السياسي بأن مثل هذه المواقف المتصلبة، خاصة لمن هم في موقع مسؤولية كهذه، فيها ما هو خطير. ذلك من حيث تغييبها ضرورة وضع الماضي ورمز الماضي موضع الدراسة من أجل التمحيص والنقد للاستفادة من عبره في خدمة الغد القائم على أنقاضه، وليس للتبجيل والاختباء به تنصلا من تحمل ما يترتب من مسؤولية في ما آل إليه وضع البلد. خلافا لما يذهب إليه البعض، أكان في الحكم أم في المعارضة، إن في نبش هذا الماضي وتقييم الحقبة السوداء من تاريخ سوريا المعاصر ما سيعطي الشعب السوري فرصة المصالحة مع ذاته وليس العكس. إن في اتخاذ هذا المنعطف ما يمكن أن يخلصه من الخوف من إنبعاثات الإرث الكامن في الذاكرة المنسية والمتراكم في اللاوعي الفردي والجماعي. وبهذه الخطوة الجريئة ما يوفر له ركائز انطلاقة جديدة في بناء دولة القانون والإصلاح والانفتاح على العالم لمواكبة الركب الحضاري الذي تخلف عنه ردحا من الزمن.

يتساءل المراقب عن مكامن خوف السلطة لهذه الدرجة من حرية التعبير عند المواطنين عندما يستنتج أن الفئة التي بدأت بالحراك السياسي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة جدا من المجتمع، وجزءا صغيرا من شريحته المثقفة؟ هذه الأقلية التي برزت في ظل غياب دور فاعل للقوى الاجتماعية والسياسية التي أصابها نوع من العقم بسبب ما تعرضت له من قمع وتفكيك خلال العقود الثلاثة الأخيرة (لقد دهش أعضاء لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عندما ذكر العام الماضي رئيس الوفد السوري مفتخرا أن هناك في سورية 600 جمعية غير حكومية. لم يكن السيد الرئيس، وهو عميد كلية الحقوق في جامعة دمشق، يعرف أن هذا العدد يعطي سورية واحدة من أقل نسب الجمعيات غير الحكومية في العالم اليوم مقارنة بنسبة السكان). مما جعلها بالتالي تعاني من عجز عن تقديم حلول عملية للأزمة والتصدي الفعلي لمواجهتها. مع ذلك، حاولت السلطة اختراق هذه المعارضة واستغلال بعض المثقفين لخلط الأوراق وتشويه صورتها. لكن ضغوط السلطة اضطرت هؤلاء للكشف عن وجههم الحقيقي، حين شرعوا بمهاجمة المثقفين والديمقراطيين بعد أن حاولوا في البداية ركوب رياح التغيير.

الوضع المأزوم ينسحب على المعارضة خارج القطر، التي هي وليدة هذه البيئة وبتفاعل معها رغم انقطاعها الجغرافي عنها وبعدها عن تأثيراتها المباشرة. فهي تعاني من أمراض العقم والانقسام نفسها، ومن عوارض التدمير الذاتي أو الموجه للحلقات الأكثر قربا وشبها منها والخاضع لآليات المقارنة والمنافسة. منها بالأخص من يوجد في بلدان أوروبا والبلدان “المستقبلة” التي تعاملت مع مهاجريها كعبء تحاول التخلص منهم أو على الأقل تقديم الشروط الدنيا لهم. فيعيش المهاجر عمره، وبنوع خاص اللاجئ السياسي، وهو يبحث عن معنى لحياته. وتمر السنوات وكأن الزمن معلق بين مزدوجتين بانتظار العودة المأمولة يوما، أو على الأقل استعادة حقه في وصل ما انقطع مع الأهل والأصدقاء وذكريات الطفولة. ذلك بالرغم من شعوره بأن المؤقت يميل للتحول إلى مؤبد في ظل التطورات السلبية في بلد المنشأ. فعندما لا يستطيع الإنسان التحكم بشروط حياته، أكان في البلد الأم أو البلد المستقبل، تكبر النزعة الجبرية لديه، يرافقها سلوكات قمعية وتدميرية وتصلب في طريقة التعاطي مع الأمور نتيجة تشوه صورة الذات. مما يفقده القدرة على التسامي والابتكار والإبداع ويجعل همه منصبا على تسيير أمور الحياة اليومية. يقول تيودور أدورنو بهذا الخصوص عن مثقف المنفى بأنه مثقف أبتر، إلا من فاق إنتاجه عناصر التحطيم التي يخلقها وضعه.

اليوم وبعد مضي أكثر من سنة على تولي الرئيس الجديد مقاليد الحكم، تبدو الأمور وكأنها ما زالت تراوح لحد ما في مكانها، مع تحسن طفيف في بعض المسائل والمظاهر، لكن دون تغيير أساسي في الجوهر. فبعد فترة من التململ والأمل بانفراجات، بدأت بوادرها تظهر في الأفق خلال السنوات الأخيرة من حكم حافظ الأسد وتضاعفت مع رحيله، تبدو ديناميات التغيير ما زالت عاجزة عن قلب صفحة الماضي بشكل فعلي وفرض تحول جوهري. مازال، بتقديري، التكوين القمعي موجودا هو نفسه عند المتحكمين بمقاليد السلطة، وإن اختلف لأسباب مصلحية وموضوعية المظهر الذي تغلف به أحيانا بعض تعبيراته. كي يحصل تغيير جذري، أو على الأقل جدي ومجدي، لا بد من تحول يمس عمق الوعي والسلوك عند الذين يقررون سياسات البلد. وهذا لا يبدو ممكنا الآن بل سيتطلب وقتاً طويلاً قبل أن يتحقق، كون بناء المجتمع بشكل صحيح يرتكز على بناء الإنسان بشكل سليم ضمن علاقة جدلية بين المسبب والنتيجة.

قد يكون، في الوقت نفسه، لتغيير شخص الحاكم الذي طبع السلطة بطابعه خلال عقود، ولتطور الظروف الموضوعية على الصعيد المحلي والدولي، ولتأثير العلاقات الخارجية، ما يجعل من المستحيل العودة لما عرفه هذا البلد خلال المرحلة العصيبة التي مر بها. فالنظام السوري الذي شعر في نهاية السبعينات بتململ الشارع وانضمام قطاعات شعبية للمعارضة وأدرك عمق الحركة الاجتماعية حاول لبرهة أن يقوم بمراجعة ذاتية. لكنه سرعان ما انكفأ على نفسه واتكل على قدراته الذاتية وطريقته المعتادة لتجاوز الأزمات. وكان ما نعرف من لجوء لآليات بدائية في الدفاع عن النفس وما استتبعته من دمار للبلد، بدل البحث عن مخرج حضاري وعقلاني مع أطراف الصراع يعيد الحق لأصحابه ويرضي الجميع.

لقد ظهر لنا عند الأكثرية التي قابلناها بعد سنة من انتقال السلطة معاناتها من حالة الجمود هذه والتشاؤم من إمكانية تغيير الأوضاع باتجاه إصلاح فعلي سياسي وإداري واقتصادي. وهي تشكر السلطة على توضيح مواقفها من التغيير التي ساعدت على الكشف بسرعة عن أوهام التغيير. فإذا كان التغيير هو في نزع صور الرئيس الراحل من الأماكن العامة وحصرها في الدوائر الرسمية، فهي قد عادت للظهور مجددا. وكأن حرباً تجري رمزياً عبرها وعبر ما تريد أن تنطق به بين دعاة التغيير والرعيل المتمسك بالدفاع عن مصالحه والخائف من حراك الشعب المطالب بالتغيير.

في هذه المرحلة التي يمكن أن تسمى بانتقالية بسبب رحيل رئيس بكل المواصفات التي أشرنا لها سابقاً، حدث فراغ لم يكن له أن يملأ في ظل غياب برنامج رئاسي محدد وتوجهات واضحة للنظام ودينامية في اتخاذ القرارات وتنفيذ الإجراءات. شغل هذا الفراغ ارتفاع نسبة التوقعات والمراهنات على المستقبل ومحاولة حراك مجتمعي للدفع بالأمور في اتجاه إحداث تغيير. حيث المطلوب إعادة هيكلة العلاقة بين السلطة والدولة، على أساس خطط جدية مدعومة بإرادة صلبة لتطبيقها من قبل قيادة تستطيع أن تفرض مشروعا من هذا النوع وتفرض احترام القواعد القانونية والأخلاقية والضوابط الناظمة لحسن سير عملية التغيير والإصلاح. يرافق ذلك بالطبع إفساح المجال لقوى المجتمع المدني باستعادة دورها في المشاركة في القرار وفي عملية التنمية. فلا يمكن أن يتم التغيير بقدرة قادر عندما تعمل الأطراف الماسكة بموازين القوى على أن يبقى كل شئ على حاله وأن يظل المواطن غائبا من معركة التغيير.

إذا كان بعض أقطاب الحكم مقتنعون بضرورة عملية الإصلاح والانفتاح للخروج من المأزق الذي وصل إليه الوضع، هناك بالمقابل تخبط وعدم وضوح في الرؤيا عند الكثيرين. كما أنه لا يوجد توافق على كيفية إنجاز هذا الإصلاح وعلى ضرورة مزاوجة الإصلاح الاقتصادي مع السياسي. مع ذلك تبقى هذه المحاولات الانفتاحية في المحصلة ضعيفة مقارنة بالتأثير الذي ما زال قويا للاتجاهات التي تقاوم التغيير.

المستجدات التي حصلت على الساحة السورية في السنة الأولى للعهد الجديد ليس من الصعب إحصاؤها، حيث كانت خجولة ومعدودة. إنها تتوزع لشقين: الأولى اقتصادية، وهي ما تعوّل السلطة عليها وتقدمها كإنجازات حصلت بفعل الإرادة في التغيير والإصلاح التي تعزى للرئيس. والثانية سياسية، ليس للسلطة فيها من دور فاعل أو إيجابي. بل على العكس من ذلك، ما فتئت تعتبر استرداد المواطن حقوقه منة تهبها هي له حين ترتئي وبالقدر الذي تشاء. أكثر من ذلك، إنها ما زالت تعتبر كبدعة تقف وراءها جهات أجنبية معادية، المطالبة بالإعداد لمناخ من الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وحياة عصرية تواكب المستجدات الدولية وتعلن الحرب على البيروقراطية والفساد والقوانين الاستثنائية وتعيد الاعتبار للتعددية السياسية والانتخاب الحر والتداول على السلطة.

أولاً ـ الإصلاح الاقتصادي:

نتناول شق الإصلاح الاقتصادي، مشيرين بداية إلى ما قدم من محاضرات ودار من نقاشات حول هذا الموضوع خلال المؤتمر الاقتصادي السوري (الذي عقد في لندن في تموز/يوليو الفائت) والذي ساهم فيه عدد من الوزراء والخبراء السوريين.

يؤكد وزير الخارجية السوري فاروق الشرع (في تصريح لأسبوعية المشاهد السياسي، 15 ـ 21 تموز)، على أن التطوير والانفتاح والتحديث والإصلاح هو برنامج حكومة الرئيس بشار الأسد. وقد كان بدء بتنفيذه في عهد الرئيس حافظ الأسد (...) لكن الوقت ما زال مبكرا للحكم على ما تحقق من إنجازات، فالمصاعب كثيرة والعمل سيتطلب وقتا أطول. وهو يذهب لأبعد من ذلك عندما يعتبر “أن الانفتاح الاقتصادي والسياسي عملية متكاملة بحيث سيتم تعديل القوانين والأنظمة ذات العلاقة.. فالتمسك بالإصلاح والانفتاح نابع عن مصلحة وقناعة بأن لكل مرحلة متطلبات وسيعود بالنفع على السوريين”.

أما وزير التخطيط، عصام الزعيم، فقد بشّر بأن النظام المصرفي في سوريا أصبح مفتوحا لدخول القطاع الخاص، وأن نظام الضرائب قد عدّل ليصبح أكثر ملاءمة مع عصر الانفتاح. كما وألغيت الإعانات المالية الحكومية المتعلقة بالاستهلاك وصارت سوريا أكثر فأكثر تسير باتجاه اقتصاد السوق، خصوصاً بعد قانون رقم 10 الصادر في 1991 ورقم 7 الذي صدر العام الماضي. (وكان قد أعلن في المؤتمر عن صدور قانون يحمل رقم 15 يشجع بتوجه سوريا نحو الاقتصاد الحر في شتى القطاعات).

في بداية بحثه القيم حول “الاقتصاد السوري خلال السنة الفائتة، بين ضرورات التغيير وعوامل الإعاقة” (نشر في مجلة المستقبل بتاريخ 16/7/2001)، يبدأ الاقتصادي سمير سعيفان بتناول خطاب القسم للرئيس الذي عكس برأيه: إدراك طبيعة المرحلة ونقاط ضعف الاقتصاد السوري ومستلزمات تطويره، كما وأكد على ضرورة وجود استراتيجية عامة للتطوير، التي أدى فقدانها “لقرارات تتسم بالتجريبية والارتجال ورد الفعل”. وقد أشار الرئيس إلى أن ذلك سيتم “من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتعبئة رأس المال العام والخاص معاً، وتنشيط القطاع العام في الأسواق الخارجية”. ومن أجل تعزيز الإصلاح الاقتصادي، أكد كذلك على أن الإصلاح الإداري في القطاعين العام والخاص حاجة ملحة، وعلى أن هناك ضرورة “لمحاربة المقصرين والمسيئين والمهملين والمفسدين”. كما لفت إلى “أهمية المؤسسة القضائية، وأهمية رفدها بالكوادر الكفوءة والنظيفة”. ولإكمال خطة التغيير يعتقد الرئيس أنه لا بد من “اقتصاد شفاف، وإعلام شفاف، وذهنية شفافة، بل وشخصية شفافة تتعامل بصدق وشفافية مع ذاتها والواقع (..) فواقعنا الحالي يشكل أرضية ليست ملائمة تماماً لدخول القرن الجديد الذي هو قرن المؤسسات والتقنيات”.

ينطلق سعيفان في رصد المعوقات من كون الاقتصاد السوري قد أخذ عن النموذج السوفيتي السابق الكثير من ملامحه. مما أدى بعد انهيار المعسكر الاشتراكي لتعارضه مع توجهات اقتصاد السوق الرأسمالي السائد عالمياً. فباتت بالأخص المركزية الشديدة والتدخل الإداري الأوامري في إدارة الاقتصاد ما يعيق قدرته الإنتاجية، كما بات تعامله مع اقتصادات العالم بأسس وأنماط مختلفة عن السائدة عالميا مربكا ومرتبكا. هذا إضافة للتحديات الكثيرة التي تواجه الاقتصاد السوري و”تتمثل في ضعف معدلات الاستثمار والنمو وهروب الرساميل وارتفاع معدلات البطالة وثبات متوسط دخل الفرد مع تزايد تفاوت توزيع الثروة وتدهور الفئات الوسطى وهبوط فئات واسعة إلى خط الفقر وما دونه (...) وضعف قاعدته التقنية وقدرته الإنتاجية المحدودة، وصناعاته التقليدية الخفيفة ذات القيمة المضافة الضئيلة (...) وضعف الإدارة على المستويات الدنيا والعليا وفي مختلف القطاعات، وعدم ملائمة الإطار القانوني، وتخلّف الإطار المؤسساتي والتنظيمي وغربتها عن العصر، وعدم الموائمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وإنفاق على التعليم دون الانتفاع الصحيح به (عشرات آلاف الخريجين في اختصاصات فائضة أو بتأهيل غير مناسب)، وضعف استغلال طاقة السياحة، وعموماً إمكانات كبيرة مستغلة على نحو غير مناسب، وسياسات مالية وضريبية غير ملائمة واختلالات مختلفة في توازناته الكلية.

يواجه أيضاً الاقتصاد السوري تحديات مقبلة تتمثل في الجفاف ونقص المياه واحتمال تراجع إنتاج النفط مع تزايد استهلاكه المحلي، وتأثير ذلك على المورد الرئيسي للعملات الصعبة للحكومة (...) وأبرز ما يعانيه في إدارته هو غياب الخطة والسياسات بعيدة المدى والأسس والمعايير وغلبة الاعتبارات الآنية وضغوط المشاكل الطارئة على صياغة السياسات. بل والتأثير الكبير للمصالح الفردية والبيروقراطية والطفيلية على صياغة القرارات الاقتصادية وافتقار المراكز التي تصوغ السياسات للتخصص وللدراسات العلمية المتخصصة وضعف معرفتها بالواقع”..

يحدد الباحث معوقات الانتقال إلى نهج اقتصادي جديد في صعوبة: ـتحديد بدائل جديدة موثوقة، حيث الاستراتيجيات الاقتصادية ليست معادلات مضمونة النتائج، خاصة وأن المعرفة العلمية الرقمية الموثقة بواقع الاقتصاد السوري هي أدنى من المطلوب بكثير بسبب ضعف الإحصاء ونقص الدراسات وضعف الشفافية، ـ تطبيق الخيارات التي تم تبنيها بسبب محدودية الموارد، ـ أن كل جديد يواجه بعطالة القديم ومقاومته بسبب تعود الناس واستكانتهم لما عرفوه وألفوه، ـ حركة الكادرات التقليدية التي تتحكم بمختلف مستويات الإدارات الحكومية. فبينما تقاوم فئات منها بشراسة بسبب خوفها من فقدان مواقعها الحاكمة وتوقف قدرتها على استغلال هذه المواقع لتحقيق ثروات كبيرة على حساب الصالح العام، فإن غالبية الكادرات تقاوم بسبب خوفها من فقدان مواقعها ومكاسبها عبر تبديل أنماط العمل والتنظيم التي عرفوها وخبروها، وعدم قدرتها في التكيف مع أنظمة وأساليب اقتصاد السوق المنوي تطبيقها، في حين يشكل تغيير الأشخاص جزء لازم لكل عملية تغيير. ـ وتتمثل الصعوبة الخامسة، في الصراع مع إسرائيل ومن وراءها وتهديداتها المستمرة. فظروف الصراع تحتاج دائماً لقدرة تدخلية أكبر من قبل الدولة، وتتطلب إدارة أكثر مركزية لمختلف شؤون البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مما يستلزم تفحصا أكبر للخطوات وآثارها الآنية والمستقبلية. وقد انعكس هذا العامل على نحو خاص في تقديم الانفتاح الاقتصادي على الانفتاح السياسي.

كيف جرى التغيير في عامه الأول؟

المستجدات:

يقول الكاتب إن الحكومة الجديدة بدأت بديناميكية عالية، حيث كان قد بدأ برنامج تسريع الإصلاحات منذ آذار 1999. فمنحت صلاحيات أكبر وتحركت بفعالية بشرت بمناخ إداري جديد، واتخذت الكثير من الإجراءات التنفيذية التي منحت مرونة أكبر للإدارات الأدنى. من الإجراءات المتخذة على مستوى الاقتصاد يذكر: زيادة الأجور والرواتب بمعدل 25•، وإقرار استراتيجية التصدير وإعفاء الصادرات السورية من ضريبة الدخل وإبرام اتفاقات تجارية وجمركية مع خمس دول عربية، في حين توجد مشاريع مماثلة مع ثمانية أخرى. كما تم العمل بالتعرفة الجمركية المنسقة وتخفيض الرسوم الجمركية على مستلزمات الصناعة، والسماح باستيراد السيارات السياحية، وإصدار قانون المصارف وقانون السرية المصرفية. كذلك تمت تسوية الديون مع كل من فرنسا وألمانيا، مما أفسح في المجال أمام قروض جديدة من بنك الاستثمار الأوروبي.

ذلك إضافة لقوانين تأجير العقارات وتنظيم الجامعات وإحداث أربع كليات للمعلوماتية ومعهد لتأهيل الأطر القيادية، ووزارة للتنمية الإدارية ووزارة للتقانة. كما وضعت مشروعات عديدة مثل مشروع قانون المصرف المركزي والنقد والتسليف، وقانون السوق المالية، وقانون إصلاح القطاع العام، وقانون تجاري، وقانون برنامج طوارئ لمكافحة البطالة ـ وهي فكرة وخطوة جريئة قياساً بالسياسات السابقة لها ـ، ومشروع قانون للجامعات الخاصة. كذلك فتح النقاش حول الإصلاح الضريبي والنقدي والمالي، وإصلاح تشريعات العقوبات الاقتصادية ومحاكمها وسياسة التجارة الخارجية وإجراءاتها وغيرها.

تم كذلك تفعيل محادثات الشراكة السورية الأوروبية وتنشيطها وحل بعض القضايا العالقة وتحرير بعض المساعدات، في برنامج ميديا مثلاً. وعلى صعيد صنع القرار الاقتصادي، جرى تحول أخرج القرارات الهامة من الغرف الضيقة للدوائر الرسمية لتناقش في لجان متخصصة ذات طيف واسع. فتم تشكيل لجنة ال 18 التي وضعت تقريرا عن الاقتصاد السوري وآفاق تطوره، ولجنة ال 35 التي انبثق عنها لجنتان فرعيتان متخصصتان: وضعت الأولى مشروع قانون لإصلاح القطاع العام، والثانية مبادئ لمشروع قانون لإصلاح القطاع الخاص. وشكلت لجنتان لدراسة مشروع قانون المصرف المركزي والنقد والتسليف ومشروع قانون السوق المالية.

ساهمت بدورها وزارة التخطيط من جديد بإثارة الاهتمام بمسألة الخطة والتخطيط على الأمد القريب والمتوسط والطويل. وبناءاً على طلب رئاسة الوزراء قامت الوزارات جميعها بتقييم واقعها ووضع خطط قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى. وجرت اجتماعات وزارية متخصصة لمناقشة خطط الوزارات، حيث تم الاستفادة منها لوضع خطة خمسية جديدة، ويستمر العمل لوضع خطط أبعد للاستشراف المستقبلي. كما وتتم دراسة واسعة للإدارات واستبدال العديد من القيادات.

كل هذه الخطوات، سواء ما أقر منها، أو ما زال في طور النقاش، يؤسس لتغييرات جوهرية ستتراكم لتحدث تبدلا في طبيعة النظام الاقتصادي والإداري السائد في سوريا، بما يقربه من اقتصاد السوق ويخلق شروطاً أنسب لرفع كفاءته وقدرته التنافسية.

المعوقات:

“غير أن تتبع تنفيذ ما أقر من إجراءات أو تأجيل إجراءات كانت تبدو جاهزة للإقرار، يجعلنا نلاحظ وجود بون شاسع بين الغاية التي هدف لها تشريع الخطوة وبين الكيفية التي نفذت بها هذه الخطوات من قبل الجهاز التنفيذي، مما يظهر تأثيراً كبيراً لقوى الإعاقة والممانعة”.

فالحكومة التي بدأت مرنة ديناميكية انتهت، حسب الباحث، لتكبل نفسها بالروتين والبيروقراطية والتردد، ووعدت أكثر مما فعلت. فلجنة الـ 18 تم إنهاء عملها بدلاً من تطويره لتكون بمثابة هيئة استشارية دائمة، ولجنة الـ 35 المكلّفة بوضع أسس لإصلاح القطاعين العام والخاص تم إلغاؤها، والاتجاه الآن لتشكيل لجنة صغيرة من بعض العاملين. كما أن زيادة الرواتب رغم محدوديتها جرى رفع مقابلها لسلع أخرى عوضت على وزارة المالية معظم الزيادة. أما تطبيق قانون إلغاء سقف الرواتب التقاعدية، جرت محاولات لإفراغه من مضمونه. وتطبيق تعرفة بروكسل المنسقة تم على نحو جزئي فقط. أما وضع التعليمات لتحصيل رسوم استيراد السيارات السياحية، فقد جرى على نحو مرتبك ومتردد. كما واختفت لجنة الإصلاح الضريبي مع تقريرها دون أية نتائج عملية. وحتى الآن لم تصدر التعليمات التنفيذية لقانون المصارف، مما يؤثر سلباً على مصداقية مناخ الاستثمار. ولم تقم وزارة الاقتصاد، لا من قبل ولا من بعد، بأية جهود فعلية لتطوير القطاع المصرفي. أما قانون مصرف سوريا المركزي، فقد انتهت دورة مجلس الشعب دون أن يصدر، ومثله قانون السوق المالية، وأيضاً قانون إصلاح القطاع العام.

لقد مضت شهور عديدة حتى الآن دون أن يرى قانون برنامج الطوارئ لمكافحة البطالة النور. وحتى اليوم لم تقم فرق عمل خبيرة بدراسة جدوى اقتصادية لكل قطاع اقتصادي بخصوص الشراكة السورية الأوروبية لتحدد كيفية تجنب المساوئ وتعظيم المنافع. وما زالت مختلف مكونات مناخ الاستثمار غير جذابة، وتجري نقاشات أكثر مما يتم من أفعال حول تحسينه. فما زال النقاش حول إحداث المناطق الصناعية مستمراً منذ نحو عقد من الزمن. وما زال القطن السوري يصدر خاماً دون تشجيع القطاع الخاص على غزله. وما زالت الخضار والفواكه تتعفن وتتلف ولم توجد إجراءات سهلة لتصديرها. أما البرنامج الملح جداً لتطوير طرق السقاية فما زال ينتظر الخطوات العملية رغم خطورة شح المياه. وما زال سيف الرقابة والتفتيش والمحاكم الاقتصادية يربك الإدارات الحكومية. وما زالت وزارة التنمية الإدارية منشغلة بإعداد تقاريرها ودراساتها دون أثر واقعي. وما زال تدخل الأجهزة المختلفة يتم بطريقة مربكة لأداء الإدارات الحكومية المرتبكة أصلاً. وما زالت تقاليد التعتيم وإخفاء المعلومات وعدم الشفافية تتمتع بمستويات عالية، رغم بعض التحسن...

يعتقد سعيفان أن هناك أربع مؤشرات حاسمة للتغيير وهي: معدلات الاستثمار والنمو، البيروقراطية، الفساد، ورضى الناس والشارع. “يبدو أن هذه المؤشرات مازالت غير موجبة، فما زال الاستثمار يتراجع والنمو ضعيفا، كما أن البيروقراطية الحكومية لم تتزحزح كثيرا بعد. ورغم التفاؤل الذي ساد بين آذار 2000 وربيع 2001 ، فإن الأجواء البيروقراطية عادت لتخيم ثانية. وقد أربكت مسألة التغيير الوزاري أداء الوزارات والوزراء. أما الفساد في تجليه اليومي فلم يتأثر كثيراً، رغم نشاطات الجهاز المركزي وعقوبات القضاء الاقتصادي، التي تتسم بعدم الفعالية وعدم إصابتها للأهداف الحقيقية”.

أما عند الناس فقد سرت، بتقدير الكاتب، “موجة من التفاؤل بالمستقبل، وما زالت موجودة. ولعل مستوى الدخل مقارنة بالأسعار وتكاليف المعيشة هو العامل الأهم في نيل رضى الشارع، وهنا لم يسجل تقدم كبير رغم التفاؤل. فكل أسرة تعتمد على راتب معيلها فقط تعيش تحت خط الفقر. وتشكل هذه الأسر جزءاً كبيراً من الشعب السوري. ولا يوجد خطة معلنة بعد لمعالجة مشكلة الأجور والرواتب. والمواطن مستعجل يريد أن يرى شيئاً بين يديه ومن حوله، وهو محق بعد معاناة دامت سنوات. غير أن السياسات الجديدة لا تعطي نتائجها عاجلاً، وهي تحتاج لسنوات، مما يعطي لقضية المزاوجة بين خطوات تقدم منافع، ولو محدودة، للمواطن وبين الإجراءات التي تؤسس لنمو قوي في المستقبل، أهمية كبيرة”.

ثانياً ـ الإصلاح السياسي:

أهم ما يمكن تسميته بمستجدات حصلت على الساحة السورية في العام الأخير على الصعيد السياسي، كان: الإفراج عن قسم من المعتقلين السياسيين وقيام أنشطة للمثقفين بما فيها نشر بيانات وتشكيل جمعيات منها لحقوق إنسان وفتح منتديات في بيوت سكنية خاصة في دمشق وضواحيها والمدن الكبرى الأخرى تناقش في الهم العام. وقد تم ضمن هذا السياق أيضا إصدار “ميثاق شرف وطني” للإسلاميين السوريين في الخارج (يمكن الاطلاع على هذا الميثاق وبيان الألف في الملاحق رقم 6 و7)، كما دعا التجمع الوطني الديمقراطي للمصالحة الوطنية. إلى جانب السماح بإصدار صحف سياسية غير خاضعة للدولة مثل جريدة النور للحزب الشيوعي ـ جناح يوسف الفيصل، وجريدة الدومري الساخرة. وقد علمنا قبل الدفع بهذا الكتاب للطبع بأن مشروع قانون جديد للمطبوعات يتضمن تعديل وتحديث بعض مواد القانون الساري منذ 1949 ويشمل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة قد أقر بتاريخ 19/8/2001 من قبل مجلس الوزراء وينتظر مناقشة البرلمان له والتصويت عليه قبل أن يصدره رئيس الجمهورية.

لا يمكن اعتبار بعض هذه المستجدات مكاسب نهائية. فقد كان الوضع يبدو طوال هذه السنة المنصرمة كالكر والفر بين أطراف لا تملك مستوى متكافئ في موازين القوى. حيث ما زالت الجمعيات والمنتديات بدون تراخيص حتى اليوم، ومنها ما أغلق بقرار من السلطة بعد وقت قصير من البدء بنشاطه، كمنتدى النائب رياض سيف أو المحامي خليل معتوق (اللذين عزما النية في بيان ظهر مؤخرا على إعادة افتتاحهما بداية أيلول). لقد فرضت السلطات بتاريخ 19/2/2001 خمسة شروط لتنظيم ندوة في بيت خاص وهي: 1 ـ طلب ترخيص رسمي للمحافظ خمسة عشر يوما قبل تاريخ الندوة، 2 ـ الحصول على ترخيص باسم الشخص الذي سيلقي المحاضرة، 3 ـ تقديم قائمة بأسماء الأشخاص الذين سيحضرون الندوة، 4 ـ تقديم موجز عن موضوعها، 5ـتحديد المكان والزمان لانعقادها. مع ذلك، يقول السيد حبيب صالح: “تقدمت إلى محافظ طرطوس، آرام صليبا، قبل أسبوعين بكل الشروط فجاءني الرد من شخصين في الأمن السياسي ليل الأربعاء 14/3/2001، ثم جاء أربعة آخرين بقيادة ضابط في الشرطة إلى المنزل وطلبوا مني تعهدا خطيا بعدم ممارسة أي نشاط أو المشاركة في المنتديات مستقبلاً”.

المنتديات الأخرى التي تم غض النظر عنها والتي استمر نشاطها لم تكن كثيرة، وكان لا بد أن يأتي دورها بعد حين في مسلسل الحصار والتضييق عليها. مثل على ذلك ما حصل مع “منتدى اليسار للحوار” الذي نشر مؤخرا بيانا بتاريخ 10/8/2001 يندد بما يتعرض له من ضغوطات شتى من قبل الأمن السياسي بغية إيقاف نشاطه. وقد دعا “للعمل على وقفها وعلى تنظيم عمل ونشاط المنتديات وفق القانون للمساهمة في تغيير ديمقراطي هادئ وسلمي يشارك فيه الجميع”. أما منتدى جمال الأتاسي الذي ما زال يعمل حتى تاريخ طبع هذا الكتاب، لم يحصل على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بذريعة عدم الاختصاص. لكن الرئيس الأسد أعلن، كما نقلت الصحافة، استثناءه من الإجراءات التنظيمية بحق المنتديات. بالمقابل، أقدمت السلطات، التي كانت قد ضيقت كثيرا منذ أكثر من عشرين عاما على حركة الإخوان المسلمين بعد أن ضربتها بعنف، على الترخيص مؤخرا لمنتدى واحد “تابع لتيار إسلامي تجديدي معارض للإخوان المسلمين يهدف لنشر فكر إسلامي معتدل في محاضرات ثقافية وإجتماعية”، كما جاء على لسان مسؤوله.

ما الذي حصل بالنسبة للمطالب التي تقدمت بها المعارضة كرفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية والإفراج عن المعتقلين السياسيين وعودة المبعدين وإطلاق الحريات الأساسية وإصدار قانون للأحزاب والجمعيات ولتنظيم الصحافة الخ؟

ما زال الوضع على حاله، فالأحكام العرفية ما زالت مستمرة منذ نحو 38 عاماً ولم ترفع، وما فتئت السلطات تحتمي بها في مواجهة الشعب. وما زالت مؤسسات الدولة، القضائية منها خاصة، معطلة ومفرغة من معناها ومن تمثيليتها الفعلية في ظل وضع اليد عليها من قبل السلطة التنفيذية. وما زال المنفيون في منافيهم الطوعية أو القسرية لم يسمح لهم بالعودة إلى بلدهم بعد عقود من الزمن فصلتهم عن ذويهم، الذين ما برحوا يعاملون كرهائن لدى السلطات الأمنية ويتعرضون للضغط والتحقيق وأحياناً الابتزاز كلما شاءت السلطات أن تضغط على أبنائهم لسبب أو لآخر.

أما النخبة المثقفة التي رفعت بيانات الـ 99 أو الألف ومئتين أو شاركت في منتديات أو تحركت بشكل أو بآخر لرفع المظالم، فقد جوبهت بردود مختلفة كإقالتها من وظائفها أو توقيف ترفيعها أو كيل الاتهامات لها كالإصابة بالجنون أو التهرب من دفع ضرائب أو الإساءة لسمعة سوريا والإخلال بالأمن والتعامل مع دول أجنبية وإلى ما هنالك من طرق شتى لتشويه صورتها وإحكام الضغط عليها لكم أفواهها.

هذه الجهات الأجنبية التي تعمل وفق “برنامج مسبق الإعداد لإنهاك النظام السوري ودفعه بالضغوط الداخلية ـ الخارجية المبرمجة للتراجع والدخول في التسوية المطلوبة أميركيا بشروطها الإسرائيلية..” (المحرر العربي، 9/8/2001)، كانت من جملة ما كتب في الحملة التي استهدفت مثلا النائب المستقل في مجلس الشعب محمد مأمون الحمصي، عندما قام بتحرك في المجلس وتقدم بمطالب مثل: رفع حالة الطوارئ والأوامر العرفية، وتشكيل لجنة برلمانية تهتم بحقوق الإنسان، وتقييد أجهزة الأمن ورفع يدها عن السلطة السياسية... (يمكن الاطلاع على بيانه كاملا في الملحق رقم 8). وما كان من رده بإعلان إضراب عن الطعام لمدة أسبوع في مكتبه سوى اعتقاله التعسفي (في 9/8/2001) ورفع حصانته جزئيا ومنعه بداية من الزيارات ومن تلقي العلاج في مشفى لإصابته بأمراض السكري والربو.

من الاتهامات التي وجهت له التشهير بالدستور ومعاداة النظام والتخابر مع جهات أجنبية معادية الخ، إلى جانب التشهيّر بمنظمات حقوق الإنسان التي ساندته، والضغط عليه ليتبرأ منها. وقد قدم محاموه استئنافا على الحق العام، مشيرين من جملة الأشياء إلى غياب الإذن بالتوقيف الاحتياطي وتسطير مذكرة إحضار بشكل يخالف الدستور وينتهك الحصانة البرلمانية لموكلهم. أي أن التوقيف مخالف للقانون والدستور ويعني بطلان كافة الإجراءات اللاحقة المتخذة بحق الموقوف. وأن القضية هي سياسية وليست جنائية، مما يستوجب إطلاق سراحه الفوري. لكن قاضي الإحالة رد طلب الاستئناف هذا دون نقاش أو إعطاء مبررات. مما يعني استبعاد أي دور حقيقي للقضاء في هذه القضية (كما في غيرها)، ويؤكد على أن القرار بات في يد القيادة السياسية والأمنية.

إنه ليس العضو الوحيد في مجلس الشعب الذي يتعرض لضغوط من هذا القبيل ليصمت على ما يرى ويعرف. فالنائب المستقل رياض سيف لم يكن البتة بمنأى عن ذلك هو الآخر، خاصة بعد نشاطه المعروف ضمن حركة المنتديات وحقوق الإنسان.

بما يخص السجون، لم يغلق سوى سجن المزة خلال السنة الفائتة، في حين استمر الباقي يعمل كالعادة وما زال هناك مساجين سياسيين يصل عددهم حسب تقديراتنا في اللجنة لـ 1200 سجين. قسم منهم بدون أحكام (جزء كبير كان قد رفض الخضوع للمحاكمات التي اعتبروها صورية)، وقسم آخر قابع في السجن بمقتضى أحكام صورية. يمارس عليهم تعذيب وحشي، ولا من يوقف هذه الممارسات التي لا تنتمي للعصر بشيء والتي أفرزت تشوهات جسدية ونفسية لا تحصى، خاصة عند هؤلاء الذين يعيشون لسوء طالعهم في شبه عزلة عن العالم في سجن تدمر الصحراوي (أنظر مقتطفات من شهادة لرضا حداد في الملحق رقم 9).

هذا السجن الذي، برأي من عرفوه، يعتمد فيه “قتل ممنهج لإنسانية الإنسان”، والذي يتوقف ازدياد سوء الوضع فيه على تغيير المدير أو مساعد الانضباط أو الجلاد. إنه بحق أسوأ ما يوجد في البلد، إن لم نقل في العالم العربي من سجون، ووصمة عار بحق الإنسان في سوريا. لقد كانت اللجنة العربية لحقوق الإنسان قد أطلقت حملة لإغلاقه، لكن بقيت دون نتيجة في ظل عدم قدرة المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان المحلية أو الدولية على دخوله وزيارة المساجين. “إن مجرد بقاءه تكذيب لكل ما قيل من تحسن للأوضاع في سوريا”، حسب تعبير سجين سابق خرج منه مؤخرا. (كان هذا الكتاب تحت الطبع عندما بلغنا معلومات عن نقل كل مساجين هذا المعتقل إلى سجن صيدنايا بهدف إغلاقه نهائيا. ولأهمية هذه الخطوة التي تؤشر لنهاية حقبة كان القمع فيها هو الناظم الوحيد لعلاقة السلطة بالمجتمع، وللدقة في إيراد المعلومات، رأينا من الضروري تضمين الكتاب هذا الخبر الذي نأمل أن يتبعه مستجدات أخرى مماثلة في أمد قريب).

بخصوص هذا السجن وغيره كانت اللجنة العربية قد أرسلت بتاريخ 13/8/2001 للمفوضة السامية لحقوق الإنسان ولفريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي رسالة (الملحق 10) ناشدتهم فيها “التدخل السريع لإغلاق سجن تدمر فورا والإفراج دون تأخر عن كل معتقلي الرأي في سوريا، بخاصة الحالات الصحية الخطيرة”. قدمت الرسالة وصفا تفصيليا للمعتقلين السياسيين السوريين والعرب الذين تمكنت مصادر اللجنة في سوريا من إحصائهم بين سجن تدمر وسجن صيدنايا وفي مراكز التحقيق المختلفة. كما وتضمنت قائمة، غير كاملة بالطبع، من 37 سجيناً، مصاباً بمرض عضال وفي حالة خطيرة تشارف على الموت، كان قد تم نقلهم خلال شهر تموز/ يوليو الماضي من ضمن 284 سجينا، من تدمر إلى سجن صيدنايا (ضمن شائعات عن حملة إطلاق سراح معتقلين قريبة). لقد انزل هؤلاء على بطانيات حين قابلتهم اللجنة الطبية لإجراء كشف عن وضعهم الصحي، حيث لم يستطيعوا المشي. (علمنا بعد فترة من إبلاغنا بالأسماء أن أجهزة المخابرات السورية كانت قد سلمت لذويه بتاريخ 22/7/2001 جثة معتقل من الـ 37 الذين وردت أسماءهم في الرسالة يدعى “محمد مصطفى سنون”، من قرية كللي بمحافظة إدلب).

من المفيد الاطلاع على رد اللجنة العربية (الوارد في الملحق رقم 11) على التقرير الحكومي السوري، الذي يعطي فكرة عن الطابع الخارج عن القانون لما يتعلق بملف الاعتقال التعسفي، ويلفت لاعتقال عدد من المواطنين بشكل تعسفي خلال العهد الجديد. من بين هؤلاء سبعة شباب حطموا تمثالا لحافظ الأسد في قدسيا في 28/6/2000، أي بعيد وفاته، واعتقلوا عشيتها. رغم وجود اثنين منهم تحت سن البلوغ، تم تعذيبهم ومنع أية زيارة عنهم لمدة سبعة أشهر ثم تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة بتهمة مناهضة أهداف الثورة. هذا ناهيكم عن الإشاعات والتهم الواردة في قرار الادعاء والتي تخرج من الدافع السياسي لتتناول الشذوذ الجنسي والعلاقات المثلية وتهم أخرى تم انتزاع أقوال من بعضهم حولها تحت التعذيب. إنهم ما زالوا حتى اليوم في سجن عدرا ينتظرون حكم هذه المحكمة الاستثنائية بحقهم.

نورد مثالا آخر لسجين عراقي الأصل لم يكن متهما بأية تهمة، ومع ذلك عانى الأمرين في فرع فلسطين خلال 11 شهراً من التوقيف التعسفي الذي كان كافيا لتدميره جسديا ونفسيا رغم أنه لم يتعرض للتعذيب كغيره من المساجين. يتحدث في شهادته (الملحق رقم 3) عن بعض المعتقلين الذين كانوا معه في المهجع، منهم من دخل السجن في عهد الرئيس بشار الأسد لأسباب سخيفة. كما ويلفت النظر لاعتقال أطفال لم يرتكبوا أي ذنب وإنما دخلوا المعتقل فقط بجريرة آبائهم. فهم يعيشون في ظروف بالغة السوء ستترك بالتأكيد آثارا نفسية جمة عليهم، في بلد لم يلتزم بتعهداته الدولية ويلتفت لأوضاع الطفولة بما يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل. الاتفاقية الوحيدة التي صادق عليها خلال الثلاثين سنة الماضية.

يرى المناضل السياسي المعروف رياض الترك، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي، (في محاضرة له ألقاها في منتدى جمال الأتاسي في 5/8/2001) أن هنالك ثلاث مسائل تطورت منذ بداية العهد الجديد، لكن “بقيت صغيرة وباهتة”:

ـ “أولى هذه المسائل هي التراجع النسبي للخوف. ذلك الخوف الذي أصبح جزءاً مكوناً وملازماً للحياة الاجتماعية والسياسية في بلادنا، يمتنع المواطن في ظلّه عن قول ما يُفكّر فيه، بل يقول غير ما يُفكّر. يخشى الاهتمام بالشأن العام، ويرى في أيّ شخصٍ لا يعرفه مخبراً سوف يودي به إلى ظلمة الأقبية المعروفة. صحيح أن هذا التراجع لم يشمل إلاّ أوساط النخبة الثقافية والسياسية بعد، ولم يصل إلى الحدّ الأدنى اللازم لعودة الحياة العامة إلى الجسم الاجتماعي، ولكنه شيء هام بالمقارنة مع ما عشناه لأعوام طويلة وقاسية.

ـ الثانية، هي تغير أساليب عمل ونشاط الأجهزة الأمنية وتدخلّها الفظ في الحياة اليومية للمواطنين، وبخاصة غياب ما كنّا نسمع به أو نعانيه بكثافة في السابق، وهو عمليات الاعتقال وحجز الحرية. ما يُلاحظ في عمل هذه الأجهزة حالياً هو تكثيف الاستخبار عن البشر من خلال المراقبة والأسئلة والاستدعاء، وربما كان هذا التكثيف تعويضاً عن الامتناع عن الاعتقال، ليقوم ببعض وظيفته القمعية، من خلال الضغط النفسي على الأفراد والمجتمع عموماً. أو ليكون جاهزاً لتوجيه ضربة إذا عادت الأوضاع إلى مسيرتها الأولى كما يحلم أصحاب الرؤوس الحامية.

ـ الثالثة، في مجال الإصلاح ذاته، حيث تمّ التأكيد من السلطة على الإصلاح الاقتصادي، وعلى ضرورة أن ينتظر الإصلاح السياسي إلى أن تتم معالجة ما هو أكثر أهمية في الاقتصاد ومعيشة المواطن. لكن الناس لم يروا شيئاً هاماً من هذا القبيل، وساد التشكيك في جدّية ما يحدث. في هذا المجال نرى أن هنالك نوايا للإصلاح الاقتصادي، عبّرت عنها المراسيم التي صدرت أو تلك التي تُدرس. هذه المراسيم، وبغض النظر عن رأينا فيها، تدل على اتّجاه إلى الإصلاح. هي أيضاًَ خطوة صغيرة، لأن شيئاً من هذه التوجّهات لم ينفّذ على الأرض. ففي الوقت الذي بدا أنها مرتجلة أحياناً، برز جسم النظام مقاوماً عنيداً لأي تغيير سواء بطريقة مباشرة، أو عن طريق عمل الآلة البيروقراطية والتخلّف الإداري وضعف الكفاءات عند أصحاب المناصب الذين اعتادوا على التسلّط والانتفاع واعتزلوا المصلحة العامة”.

هذه الخطوات البسيطة يرافقها بالمقابل، حسب المحاضر، إشكالات كبيرة من حيث “يمكن اختصار الوضع في البلاد بكونه أزمةَ ركودٍ شاملٍ وتأخرٍ وانسدادِ أفقٍ في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية... فلم تظهر في الفضاء الاجتماعي ـ السياسي في سوريا قوى تعبّر بفعلها ومستوى نشاطها عن الحاجات الملموسة للبلاد. فلا الفئات ذات المصلحة في تأمين وتطوير الاقتصاد ذي الطبيعة الرأسمالية تقدّمت ببرامجها ونظمّت قواها، إلاّ في محاولات فردية ومحدودة حتى الآن. ولا القوى الإسلامية قامت بمراجعة طروحاتها وممارساتها وعادت إلى المساهمة الجدية، على الرغم من الأهمية الخاصة لمشروع ميثاق الشرف الذي طرحه الأخوان المسلمون من الخارج، والذي يشكل انتقالةً نوعية وواعدة. ولا القوى المعارضة الديموقراطية استنفرت قواها على المستوى المقبول، من أجل برنامج وضمن نشاطٍ يلتقي عملياً مع أسئلة وطموح الشعب، ويحوّلَ قلقه على واقعه ومصيره إلى فعلٍ مغيّرٍ خلاّق.

يمكن توصيف الحالة الراهنة من الناحية السياسية على أنها “توازن الضعف” (القائم في جزء منه على الخوف المتبادل) استعارةً من تعبير توازن القوى. فالقوى الموجودة جميعها ضعيفة، في النظام وقواه المتعدّدة من جهة، وفي المعارضة وقواها المختلفة من جهةٍ أخرى. مثل هذه الحالة تستدعي جهداً إضافياً وانعطافاً في المواقف الثابتة المتخشّبة، للبحث عن مخرج من المأزق الكبير. والسؤال هو هل العام الماضي هو العام الأول في عهد يحاول أن يكون جديداً ومختلفاً، أم أنه مجرد عام يلي الأعوامَ الثلاثينَ الماضيةَ ويحمل الرقم الحادي والثلاثين..؟”.

إذا كانت المكتسبات رغم أهميتها ليست كافية البتة، فهي فوق ذلك تعاني، كما يعبر من جهته ياسين الحاج صالح، (في محاضرة ألقاها في منتدى اليسار للحوار في 7/7/2001)، من 3 نقاط ضعف خطيرة: “ـ أولاً، خلت من التنسيق وطغى عليها التشرذم والبطء واضطراب التوجه (هدر كثير من الجهد والوقت مثلاً في مناقشات عقيمة عن شرعية مفهوم المجتمع المدني، وأولويته على بناء الدولة أم العكس وأولوية الإصلاح السياسي على الاقتصادي أم العكس). فكانت لذلك أضعف من أن تشكل زخماً تجديدياً قوياً حتى قبل أن تبدأ السلطة هجومها المضاد في شباط الماضي. ـ ثانياً، بقيت هامشية ولم تتمأسس وتتحول إلى مكاسب اجتماعية ثابتة يمكن أن يبنى عليها. فالإفراج عن المعتقلين السياسيين مثلاً لا يعني ولا يراد له أن يعني الإفراج عن السياسة. ـثالثاً، بقي 75• من الناس خارج هذا الحراك، مما وسمه بطابع نخبوي، علماً أن الـ 25• الباقين هم الجمهور الاحتمالي لهذه الأنشطة، أما جمهورها الفعلي فقد لا يتجاوز 1•”.

إن ما ذكر يدل، برأي المحاضر، على ضعف الحركة الديمقراطية السورية أو بالأحرى على عسر ولادتها. من أهم دلائل هذا العسر، أنه لم تبرز حتى الساعة في سوريا قيادات معنوية وازنة يمكن أن يتبلور حولها حد أدنى من الإجماع. وبروز هذا النوع من القيادات من الخصائص التي تميز مراحل الانتقال. على هذا الأساس هو يعتقد بخطورة الوضع، “حيث أن أخطر ما فيه انتفاء وجود برنامج جدي من أي نوع كان لدى السلطة، خلا الكلام الدعائي عن “الاستقرار والاستمرار” الذي يكشف عن عجزها عن الحكم والقيادة. هذا العجز غطت عليه السلطة في العهد السابق بالتوسع في الإجراءات القمعية والعقابية ثم بالشخصنة المفرطة للسلطة. لن تكون إعادة هذا المنوال اليوم إلا كاريكاتيراً مضحكاً، لكن نتائجه الاجتماعية والسياسية قد تكون مدمرة ومبكية”.

لا يكتفي هذا الطبيب بتشخيص الداء، وإنما يطالب دعاة التغيير الديمقراطي من مثقفين ومعارضين بالعمل على المحاور التالية:

1 ـ الإصرار على الانتقال إلى العلنية ورفض السرية ونقدها.

2 ـ تنسيق مبادرات العمل المشترك: بيانات، عرائض، منتديات، صحف.. الخ

3 ـ تقديم برنامج اجتماعي واقتصادي مُفَصّل قدر الإمكان يتجاوز الاستهلاك التطفلي للخطاب الديمقراطي.

كذلك يعتبر إن نقل دعوة المصالحة الوطنية إلى أوسع فئات الناس هي خطوة بالغة الأهمية، حيث على سوريا أن تتصالح مع ذاتها لكي تستطيع أن تواجه التحديات الخارجية وتحديات البناء الداخلي في عصر انتهاء صيغة مدريد والعولمة (..). فالديمقراطية الممكنة في سوريا هي ديمقراطية توازنية تبنى على ضمانات متبادلة وعلى تعاهد صادق من الأطراف المشاركة في المصالحة الوطنية على نبذ العنف وتداول السلطة واستقلال السلطات الثلاث وحرية الصحافة والنقابات واعتبار الميثاق العالمي لحقوق الإنسان له قوة الدستور.

من ناحيته، يرى أحمد فايز الفواز، عضو جمعية حقوق الإنسان والحزب الشيوعي والتجمع الوطني الديمقراطي، (في مقالة له نشرت في مجلة الآداب اللبنانية، عدد أيار ـ حزيران 2001) “أن سوريا تعيش الآن في مرحلة انتقالية، حيث الانتقال مصاحب بالقلق وحيث الأمل بقدوم الجديد يختلط بالخوف والإحباط من بقاء القديم. وما يسم مرحلة الانتقال ليس سرعة زمنها، بل إدراك انسداد الآفاق. وأن مرحلة قد استنفدت أغراضها ينبغي أن تصفي أساليبها وطرق عملها وبناها لفتح الطريق غير المعبدة أمام مرحلة جديدة بأساليب وطرق عمل وبنى أخرى. فيدور لذلك نقاش حول الدولة والإصلاح، لكن أحيانا نقاش غير صريح كون الرقيب الداخلي يقبع وراء الأقلام ويمسك بالألسنة، بينما الرقيب الخارجي لا يزال يمارس وظيفته. لكن الإصلاح لا يمكن أن ينجح بدون توافق اجتماعي، حيث تعلّم تجارب البلدان الاشتراكية السابقة، الفاشلة منها والناجحة، أنه حيثما أبعد الشعب عن المشاركة كانت النتائج كارثية، وحيثما تم إشراك القوى الاجتماعية في ما سمي بالطاولة المستديرة كانت النتائج أفضل والتضحيات المطلوبة أسهل احتمالا وآلام الإصلاح أقل. واللقاء الوطني يعني أن الحقيقة ليست احتكاراً لأحد وأن المسؤولية تجاه الوطن تقع على الجميع”.

المطلوب، باعتقاد هذا الطبيب (الذي عاش كالإثنين الآخرين في السجن لمدة طويلة)، “هو التحول السلمي والهادئ والمتدرج من الدولة الشمولية إلى الدولة الديمقراطية والذي يسمح بالحفاظ على الوحدة الوطنية ويرفع الكوابح عن الحراك الاجتماعي. فيعاد الاعتبار للدولة من خلال مصالحتها مع المجتمع، وللقانون من خلال سيادته لتصبح الدولة دولة حق وقانون. ويتم الانتقال من دولة الغزو والغلبة والعصبية والفساد إلى دولة التعاقد بين مواطنين أحرار غير محكومين بالقصور والوصاية الأبدية. فهل سيرى أهل هذه البلاد إصلاحا حقيقيا في بنيان الدولة يفتح الطريق أمام المستقبل؟”.

نختتم هذه المقدمة، التي توسعت بتطرقنا للمستجدات التي برزت على الساحة السورية والنقاشات والتعثرات التي واكبتها خلال السنة الأولى من العهد الجديد، بما يطرحه رياض الترك (في محاضرته التي أشرنا إليها أعلاه) من آفاق للخروج من حالة الاستبداد إلى الديمقراطية. ونتساءل إن كان سيقدّر يوما للسلطات الحاكمة في سوريا أن تتعامل بجدية مع مثل هذه الطروحات وتعتبرها جديرة بالنقاش؟ أم إن مصيرها سيكون، كجلّ المحاولات المتنورة من هذا النوع، الفشل، بحيث تبقى الأشياء تدور كمن يصرخ في طاحونة ولا من يسمع؟ كم من الوقت سيستغرق هذا العراك مع الذات ومع الآخر قبل انتصار قوى الخير والحق على قوى الشر والباطل ؟ هذا ما نأمل أن يطالعنا به المستقبل القريب، حيث نرجو لعملية المخاض هذه أن لا تطول. فالتضحيات والآلام استنفدت طاقات الاحتمال، ولم تبق في النفوس ما يكفي للتسامي وتحويل المعاناة لما فيه فائدة للذات وللآخر لبنيان صرح الوطن على أنقاض ركام الخراب. فالخوف هو من تحول العنف الكامن عند المقموع إلى عنف فاعل مدمر لا يمكن التكهن بتعبيراته أو نتائجه.

يقترح المحاضر أول الأمر “البحث عن الحقيقة والعدالة، بما يتضمنه من اعتذار إلى الفئات والأفراد الذين مورس ضدهم أو ضد ذويهم الإرهاب والسجن والقتل والتشريد، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين، والكفُ عن ملاحقة الملاحقين، والسماح بعودة المنفيين طوعاً أو قسراً إلى وطنهم وإلى وظائفهم، والكشفُ عن المفقودين والتعويضُ لذويهم، وإلغاءُ حالةِ الطوارئ والقوانينُ والمحاكمِ الاستثنائية والحرمانِ من الحقوق المدنية والمنع من السفر، وإعادةُ الأموال المنقولة وغير المنقولة، المصادرةِ والمنهوبةِ، والتعويضُ عن الخسائر والأضرار التي لحقت بأصحابها، وإعادةُ الأجهزة الأمنية إلى مهامها الوطنية والقانونية، وإنهاءُ تسلّطها على العباد وتطهيرها من المجرمين والفاسدين، واستصدارُ القوانين الصريحةِ بوقف التعذيب وكل أشكال الإكراه المادي والمعنوي وتحديد عقوباتٍ صارمةٍ بحق كل من يرتكب مثل تلك الجرائم، والانطلاق بحرية الرأي والتعبير في مسارٍ طبيعي.

ثانياً، البحث في أسس الحوار وعناصره والمشاركين به مع جميع المهتمين بالشأن العام من معارضين وموالين ومثقفين. والبدء في تمرينات على الحوار لا تهدف إلى الاحتواء أو الانتهاز أو المماراة أو التقية أو غير ذلك، بل تمريناتٌ عصريةٌ ومكشوفةٌ وعلنية وجريئة من دون اللجوء إلى الأسلحة الخفيةِ أو المناورات السلطوية أو المعارضة.

ثالثاً، الاستقرارُ على مبدأ المصالحة الوطنية بين الشعب وأهل النظام، وبين السلطة والمعارضة بأشكالها، والتي تحتاج إلى الثقةِ التي لا يمكن بناؤُها إلاّ بخطى ملموسةٍ تتعزّزُ من خلالها ميولُ التسويةِ وتتراجع ميولُ العداء والخوفِ والثأرِ.

رابعاً، الاعتراف المتبادل بالجميع من قبل الجميع. ولتتقدم القوى كلّها نحو دائرة الفعل وإرادة التغيير. ليحاول حزب البعث إصلاحَ نفسه وقوى الجبهة المختلفة وفصائلُ التجمعِ الوطني الديموقراطي والحركات الإسلاميةُ وغيرها من القوى التي سوف تتبلور وتنتظم حتماً (هي أو بدائلها) ما دام المجتمع بحاجة إليها.

خامساً، صياغة برنامج التغيير الوطني الديموقراطي من حيث بنيتُه وترتيبُه وتزمينُه، ومن حيث توافُقُه مع الحاجةِ الموضوعيةِ والمعاصَرة والمصلحةِ الوطنيةِ. والدخول في مرحلة انتقالية تتطور بها الحريات وتنتظم الاختلافات في الإطار الوطني، وتنتعش الحياة الحزبية والجمعيات الأهلية بشكلٍ حرّ وشرعي، وتعود الصحافة الحرة، ويسود القانون، وتزدهر المواطنية.. من أجل الوصول إلى نظامٍ وطني ديموقراطي يقوم على دستور حديث يضمن للبلاد ألاّ يقطع الاستبداد طريقها إلى المستقبل”.

للمرة الثانية يتوقف الكتاب تحت الطبع لإدخال تعديل جديد عليه يتعلق هذه المرة بالسيد رياض الترك. نقول بشديد الأسف إن ما كنا نمتلكه من بقايا تفاؤل، كانت تتقلص دائرته شيئا فشيئا خلال الأشهر الماضية، فقدناه عندما علمنا باختطاف الأمين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في أول أيلول/ سبتمبر. لقد أتت أجهزة الأمن إلى مدينة طرطوس تبحث عنه من عيادة طبيبه الذي كان يخضعه لفحوصات بعد وعكة قلبية ألمت به، وهو البالغ من العمر 71 سنة، والذي يعاني من عدة أمراض بعد 18 سنة من السجن في ظروف صعبة للغاية. إن ما ورد على لسانه في هذه المحاضرة التي أوردنا مقتطفات منها أو في أي مكان آخر، لم يكن بمستطاع السلطات في هذا البلد أن تتحمله، وهو الداعي في كل مناسبة للمصالحة الوطنية وللتخلي عن منطق الثأر في التعامل مع المسألة الوطنية. فعوضا عن رد الاعتبار لهؤلاء المعتقلين السابقين، ها هم يهانون ويقاسون من التنكيل بهم لمجرد إبداء رأيهم بأوضاع بلد يعنيهم ليس أقل مما يعني سواهم. ورغم استنفار القوى الديمقراطية من داخل وخارج البلد والاستنكار شديد اللهجة لما حصل والمطالبة بإطلاق سراحه الفوري، ما يزال “مانديلا سوريا”، كما يعرف في الأوساط الديمقراطية السورية والعربية، معتقلا وموضوع إحالة لمحكمة أمن الدولة.

نشرت الصحف السورية بتاريخ 5/9/2001 تصريحاً نسبته لمصدر قضائي يعلن عن توقيف رياض الترك وإحالته إلى القضاء، وندد بعضها “بتهجمه المغرض على الدولة في محاولة إعاقة مسار الحرية والديمقراطية”. منها جريدة البعث التي كتبت: “حين تمارس الدولة سلطة القانون باسم القضاء العادل حفاظاً على أبنائها يتحول المثيرون للفتن إلى مجرد مرضى بحاجة إلى جميع أطباء الأرض لمعالجتهم... ظنّوا وهم على ضلال أن التسامح يعني لهم الانفلات وأن الشفافية تعني التعدي على الوطن وأمنه... ولا نستغرب أنهم باسم الحرية أيضاً لهم الحق بالاتصال مع العدو الإسرائيلي أو الالتقاء مع مشروعه العنصري”. وكان التجمع الوطني الديمقراطي قد أعلن في بيان له “أن هذا الاعتقال ليس حادثاً فردياً وشخصياً وإنما رسالة موجهة للتجمع ولكل العاملين على إخراج البلاد من الأزمة الوطنية الشاملة التي تمسك بخناقها، وكذلك للرأي العام لكي لا يتجاوز ما أسمته السلطات بالخطوط الحمر”.

بعد خمسة أيام من اعتقال المحامي رياض الترك تلقى العالم في 6/9/2001 نبأ اعتقال السيد رياض سيف عضو مجلس الشعب السوري ومنظم منتدى الحوار الوطني وعضو جمعية حقوق الإنسان. تم ذلك في اليوم التالي لاستئناف منتدى الحوار الوطني نشاطه، وعلى إثر الندوة الوطنية التي عقدها. إثر ذلك صرح الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي: “نبهنا إلى خطورة التضييق على المنتديات في نيسان الماضي، وأعلنا أننا جزء لا يتجزأ من هذا الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأن زهرة لا تصنع ربيعاً، وأننا لن نتوقف عن نشاط منتدانا، وأننا سنصمد في مكاننا إلى أن يعود الجميع إلى أماكنهم. وعندما أعلن الأستاذ رياض سيف استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني في الخامس من الشهر الحالي، استبشرنا خيراً. وعندما حضرنا الندوة والحوار الوطني المسؤول، اعتبرنا ذلك مقدمة لأن تعود كافة المنتديات لاستئناف نشاطاتها، وأن تعود واحات الحرية للزحف على التصحر في الواقع، وفي العقول أيضاً. لكن اعتقال الأستاذ سيف جاء ضربة أخرى للأحلام التي أردنا أن تترجم واقعاً ملموساً”.

لم تمر ثلاثة أيام حتى تم بتاريخ 9/9/2001 اعتقال ستة أشخاص آخرين: الدكتور عارف دليلة والدكتور وليد البني أعضاء لجان إحياء المجتمع المدني والدكتور كمال اللبواني عضو هيئة منتدى الحوار الوطني، والسادة حبيب صالح وحسن سعدون وحسين حدة. وذلك وسط ما تردد عن وجود قائمة من ثلاثين مثقفا سوريا رهن الاعتقال كانت القيادة القطرية وفروع الأمن والقصر الجمهوري قد سبق وتداولوا بها.

في الوقت نفسه واصلت الصحف السورية حملتها الإعلامية على من أسمتهم صحيفة البعث بمن “لا يعرفون ثقافة الحوار حق المعرفة”. كما واشتكت من تأخر في تطبيق الإجراءات القانونية بحق “مخالفي القانون والمسيئين إلى مسيرة تعزيز الحريات”، معزية ذلك “لجذور التسامح في ثقافتنا الشعبية ووعينا العام”. وأضافت الصحيفة: “قد لا يعلم الرأي العام في سورية وخارجها أن رفاقنا البعثيين منعوا عملياً من الكلام في بعض المنتديات عبر اللغط والتشويش والضجيج وأنهم اضطروا لسماع جمل وتعابير لا تنم عن ثقافة وأخلاق، فيها تشهير بحزبهم وبتجربة البناء وقياداته ورموزه”. واتهمت الصحيفة المنتديات بأنها “محاولة مدروسة لنفي الرأي الآخر”.

وفي 12/9/2001 كانت حلقة جديدة من مسلسل الاعتقالات، الذي للأسف الشديد عاد للواجهة بقوة على الساحة السورية منذ شهر ونيف، مع اعتقال أحد محامي المعتلقين حبيب عيسى عضو الهيئة التأسيسية لجمعية حقوق الإنسان في سوريا والناطق الإعلامي لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، والمهندس فواز تللو عضو جمعية حقوق الإنسان وعضو لجنة منتدى الحوار الوطني.

فهل بعد كل هذه الاعتقالات، التي يبدو أنها لن تتوقف عما قريب، يمكن أن نتحدث بعد عن انفراج وتغيير ومبادرات إصلاح؟ لقد غلب الأمني على السياسي بشكل سافر وبطريقة تعطي الانطباع عن وجود مشكلات كبيرة داخل السلطة التنفيذية ترجمت بهذا المقدار من التصلب والتصعيد الذي لم يتوقعه الكثيرون. فهل لنا أن نقرأ في ذلك مؤشرات لتكرار تجارب عنفية دامية لم تندمل جراحها بعد وما زال المجتمع السوري يدفع ثمنها غاليا جداً حتى اليوم؟

أخيرا وليس آخراً، وحيث لا بد من نهاية، يمكننا القول بأن المتتبع للأوضاع السورية يستنتج مما سبق العقبات الكبيرة جدا التي تعترض طريق التحول هذا، ويدرك الثغرات التي تواجه عملاً بحثياً جماعياً في ظروف كهذه. لكن شئنا لعملنا هذا أن يفتح الباب لآفاق أبعد وأبحاث تكمل ما شرعنا به. وهنا لا يسعني إلا أن أشكر بشديد الامتنان كل الذين ساهموا ـ دون ذكر الأسماء ـ من قريب أو بعيد في إنجاز هذا العمل وتحملوا نتائج مشاركتهم به في ظروف التضييق هذه، سواء كان ذلك على صعيد البحث والبحث الميداني والمدّ بالمعلومات أم التوثيق والسكرتاريا والترجمة الخ. لا شك بأن للملاحظات النقدية البناءة لهذا العمل ما يغنيه ويعزز الغاية التي باشرناه من أجلها، والتي ما هي سوى بناء لبنة في المشروع الديمقراطي ودولة القانون في سوريا، علّ هذا البلد ينهض من كبوته ويقوّم مساره للحاق بركب الحضارة والإسهام في تعزيز إنسانية الإنسان وحقوقه.

– – –

الفصل الأول

الرأي.. والسيف: آليات تملك الدولة وتثبيت السلطة

جاد الكريم الجباعي(*)

تستعمل في وصف النسق الذي ينتمي إليه نظام الحكم في بعض الأقطار العربية، كسورية والعراق وغيرها، مصطلحات عدة تدخل جميعها في باب الاستبداد الذي كان عبد الرحمن الكواكبي سباقاً إلى الكشف عن أصوله وفروعه وتظاهراته. من هذه المصطلحات: حكم النخبة السياسية أو الحزب الواحد أو الحزب القائد، أو حكم القلة الأوليغارشية، أو حكم العشيرة أو الطائفة أو الطغمة، والحكم الفردي الأوتوقراطي أو الدكتاتوري، والحكم التسلطي، والحكم الشمولي التوتاليتاري اللذين تغلفهما صيغة “الديموقراطية الشعبية”؛ مما يغري بعض الكتاب والسياسيين والباحثين باستخدام أي من هذه المصطلحات محل الآخر لما بينها من تقاطعات وعناصر مشتركة.

لكن البحث في حالة معينة ومخصوصة كالحالة السورية يقتضي اختبار هذه المصطلحات وغيرها في ضوء الوقائع والظاهرات القائمة بالفعل. مع ذلك، فإن استعمال أي من هذه المصطلحات يشي بموقف الكاتب من النظام المعني، ويستحضر عنصراً أيديولوجياً تفرضه حمولة المصطلح الشعورية ووظيفته المعيارية. فالموضوعية التامة مطلب صعب المنال إن لم يكن مطلباً مستحيلاً، وكذلك الحياد التام. ففي جميع العلوم الإنسانية والمعيارية عنصر ذاتي لا يجوز إغفاله.

يميل كاتب السطور إلى استعمال مفهوم “الدولة التسلطية”، انطلاقاً من واقعة تماهي الدولة والسلطة الممسكة بزمامها، أي تحول الدولة من شكل سياسي للوجود الاجتماعي يعبر عن الكلية الاجتماعية، إلى سلطة قهرية عارية جعلت من مؤسسات الدولة ومن بنى المجتمع مجرد امتداد لها. فتطابقت حدود الدولة وحدود السلطة، وفقدت كلتاهما (الدولة والسلطة) طابعهما السياسي. إن الدولة التسلطية هي دولة مخفضّة إلى ما دون الدولة السياسية، ولا تعدو كونها أداة قهر ونهب، ولا يعدو “شعبها” كونه موضوعاً ومادة للقهر والنهب اللذين يقبعان تحت مظاهر الأبهة والعظمة الكاذبتين. ومما يغري باستعمال هذا المفهوم هو التقارب اللغوي والدلالي بين الحكم التسلطي والحكم السلطاني المعروف في تاريخنا العربي الإسلامي(1).

يذهب خلدون حسن النقيب إلى أن الأصل التاريخي للدولة التسلطية هو الدولة البيروقراطية التي ولدت في مطلع القرن الماضي في خضم الحقبة الرومانسية التي أعقبت عصر التنوير بفرعيها: السياسي في فرنسا والفكري الأيديولوجي في ألمانيا. وأن ميلاد هذه الدولة تزامن مع تفجر نمط الإنتاج الرأسمالي بعد الثورة الصناعية الأولى، ومع ظهور المسألة القومية والمسألة الاجتماعية. “فقد كان للابتكارات التنظيمية التي تمخضت عنها الثورة الفرنسية الفضل في ظهور الدولة البيروقراطية المركزية (بأجهزتها وجيشها وشرطتها ورجال دينها) التي قلبت رأساً على عقب الأسس التي كانت تقوم عليها مؤسسات الحكم المطلق. وكان من شأن هذه الابتكارات التنظيمية أن تدخلت الدولة بشكل لم يسبق له مثيل في حياة الشعب. فأدخلت بالتالي عنصر الراديكالية، أي الجذرية في تصور المسائل الاجتماعية، والشعبوية، أي تعبئة السكان للمساهمة في العملية السياسية تحت تأثير الأيديولوجية الشعبية. وقد سيطرت الروح والعقلية القومية، أي التميز القومي، على هذه الأيديولوجية الشعبية”(2).

كان من شأن هذه العناصر الثلاثة: الراديكالية والشعبوية والروح القومية أن تنمو في الدولة البيروقراطية الحديثة لتعطي الدولة الليبرالية والدولة التسلطية، بحسب درجة نمو العنصر التسلطي الذي ينطوي عليه كل تراتب هرمي وكل تنظيم بيروقراطي. ولعل فصل السلطات ورقابة الشعب على الحكم وسيادة القانون وتساوي المواطنين أمامه وانبثاق السلطة عن الشعب هي العوامل الرئيسة التي كانت تحد من نمو العنصر التسلطي في الدول الليبرالية.

يمكن القول: إن الأصل التاريخي للدولة التسلطية عندنا هو دولة عصر التنظيمات، أي الدولة الهجينة من الدولة السلطانية العثمانية والدولة البيروقراطية الحديثة التي نمت في ظل التوسع الرأسمالي وظهور “المسالة الشرقية”، وتفتح الشعور القومي العربي في “عصر القوميات”، أو في عصر الإمبريالية والمسألة القومية. بيد أن الإمبريالية التي عممت الأفكار والأيديولوجيات والابتكارات التنظيمية، على صعيد العالم، حالت دون قيام دول قومية حديثة ومستقلة في هوامش النظام العالمي الذي أنشأته ووسمته بسماتها. من ثم، فإن الدولة التسلطية ظاهرة حديثة ترجع إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي مرحلة خاصة من مراحل نمو هذه الدولة الهجينة. مما يعزز هذا الاعتقاد أن الحاضنة الاجتماعية والثقافية التي نمت في ظلها الدولة السلطانية لم تشهد تغيراً جذرياً كذلك الذي حصل في الغرب.

فالدولة البيروقراطية الحديثة في الغرب هي بنت المجتمع المدني الحديث والفكر الحديث. ومع ذلك هناك عناصر مشتركة بين مختلف تجليات الدولة التسلطية، أهمها:

1 ـ احتكار جميع مصادر القوة والسلطة والثروة، واختراق المجتمع المدني وتنسيق بناه وامتصاص قوته.

2 ـ بقرطة الاقتصاد، من خلال توسيع قطاع الدولة، وجعله أقرب ما يكون إلى ملكية خاصة للقائمين على إدارته، أو إلى ضرب جديد من ضروب الإقطاع.

3 ـ قيام شرعية نظام الحكم على القوة والغلبة والقهر، من خلال ممارسة الإرهاب المنظم وتعميم القمع.

هذه الدولة التسلطية تقوم على ثلاثة أركان هي:

ـ نخبة متسلطة (عسكرية أو مدنية) أو حزب حاكم،

ـ هرم بيروقراطي قائم على مبدأ الولاء الشخصي،

ـ بنى موازية، كالتضامنيات العشائرية والمذهبية والإثنية والمهنية.

إن للدولة التسلطية في العالم الثالث بوجه عام “حضارة مميزة هي حضارة الطبقات الوسطى، أو الحضارة الاستهلاكية”. لأن هذه الطبقات أو الفئات الوسطى تعيش على هامش عملية الإنتاج الاجتماعي، ولها “بيئة مميزة هي بيئة المجتمع الجماهيري”، وثقافة مميزة هي “الثقافة الجماهيرية”(3)، تضخها بلا كلل وسائل الإعلام الموجّه التي تمتح من أيديولوجية الفئة الحاكمة. كما ولها اقتصاد مميز هو رأسمالية الدولة التابعة(4).

لا يزال البحث النظري في طبيعة مثل هذه الدولة عندنا في بداياته. ولعل الدراسة الأكثر أهمية في هذا المجال هي تلك التي قام بها خلدون حسن النقيب والتي أشرنا لها آنفاً. كذلك هناك كتابات هشام شرابي وحليم بركات وياسين الحافظ وعبد الله العروي وغيرهم.

بيئة الدولة التسلطية:

يعرّف النقيب الحكم التسلطي بأنه “الحكم الاستبدادي المبني على تسيّد الدولة البيروقراطيـة على المجتمع، مـن خلال توسيع قدرتها على تنسيق البنى التحتية، بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل وتجعله امتداداً لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعّال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع”. وهو يحصر مصادر القوة والسلطة في القوة الاقتصادية والقوة العددية وقوة التنظيم.

يبدو لي أن هذا التعريف، على أهميته، يغفل البعد التاريخي للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي أنتجت هذا النموذج في المشرق العربي بوجه عام، وفي سورية، موضوع البحث، بوجه خاص. أي إنه يغفل أثر هذه العوامل في إنتاج صيغة محلية للدولة “الحديثة” التي أرسيت أسسها في المرحلة الكولونيالية. بعبارة أخرى، إنه يغفل أثر “التأخر التاريخي” في نشوء هذه النسخة المحلية للدولة الحديثة وعوامل تحولها إلى دولة تسلطية تجمع إلى أشكال الاستبداد التقليدية أشكالاً جديدة من القوى التنسيقية تجعل منها شكلاً أعلى من أشكال الاستبداد في بيئة الدولة البيروقراطية المعاصرة. والاستبداد تعريفاً هو الاستلاب الناجز للشعب.

لنقل بداية: إن البيروقراطية عنصر ضروري في الدولة بوجه عام، وفي الدولة الحديثة بوجه خاص. إلا أن العنصر الاستبدادي التسلطي الكامن في كل تنظيم تراتبي ينمو طرداً مع نمو قدرة البيروقراطية على تنسيق البنى المجتمعية وامتصاص قوتها. والكلام هنا ينطبق على الدولة البيروقراطية المركزية الحديثة بوجه عام. بيد أن التأخر التاريخي يوفر لهذا العنصر التسلطي بيئة مناسبة للنمو. هذه البيئة هي بيئة النظام الاجتماعي السياسي الأبوي أو البطريركي والنظام أو النسق المعرفي ونظام القيم المرتبط به. مما يسهل إمكانية إعادة إنتاج نمط الحكم التقليدي ذي الطابع السلطاني القائم على التبعية والموالاة ومنح الامتيازات والهبات في صيغة “حديثة” و”عصرية”.

يضاف إلى هذين العنصرين عنصر خارجي لا يقل أهمية، يتعلق بالتوسع الرأسمالي بعد الحرب العالمية الأولى. تجلى هذا التوسع في بلادنا في الظاهرة الإمبريالية التي وحدت العالم توحيداً تناقضياً وعمقت عملية الاستقطاب بين المركز والأطراف وعممتها على الصعيد العالمي. كانت عملية التوحيد، ولا تزال، ذات طابع تناقضي يقوم على الدمج والتهميش، أو الاحتواء والإقصاء في الوقت ذاته. لذلك باتت الدول والسلطات في البلدان التابعة جزءاً عضوياً من النظام الرأسمالي العالمي، تقوم بوظيفة الوسيط الكمبرادوري بين بلدانها والسوق الرأسمالية، وبوظيفة الشريك الأضعف في نهب ثرواتها وقوة عمل شعوبها.

إن الإمبريالية، التي عممت الأفكار والأيديولوجيات والابتكارات التنظيمية للدولة البيروقراطية في العالم كله، هي التي حالت دون قيام دول قومية دستورية مستقلة وديمقراطية في البلدان التابعة. ذلك بقدر ما حالت دون قيام تنمية وطنية مستقلة في هذه البلدان وأضعفت الدول القومية والديمقراطية في البلدان المتقدمة لمصلحة “الدول العظمى” والشركات الاحتكارية متعدية القومية ومتعددة الجنسيات. فالدولة التسلطية، في ضوء هذه الحيثية، هي دولة رأسمالية متأخرة، أو دولة مرسملة متأخرة وتابعة، أو “تأخرالية”، بتعبير ياسين الحافظ، مدمجة في نظام عالمي يعيد تشكيلها ويحدد بنيتها ووظيفتها. وما انفصال هذه الدولة عن المجتمع الذي يفترض أنه أنتجها سوى نتاج عملية الدمج والتهميش، أو الاحتواء والإقصاء. فهي مدمجة في النظام الرأسمالي العالمي بصفتها الرأسمالية التابعة، وبحكم وظيفتها الكمبرادورية، ومطرودة منه بصفتها الوطنية أو القومية. وهي ذاتها تمارس هذه الآلية التناقضية في علاقتها بمجتمعها، إذ تدمج في عالمها القوى الاجتماعية بصفاتها الاقتصادية والعددية والتنظيمية، وتطردها منه بصفتها الاجتماعية ـ السياسية.

إنها تفكك الفئات الاجتماعية وتعيد تنضيدها أو تنسيقها على نحو يمكنها من اختراق المجتمع وشل فاعليته والسيطرة على مقدراته. وبهذا تصبح بنية متخارجة مع المجتمع ومتعالية عليه. “فكلما ازداد تدخل الدولة في المجتمع والاقتصاد لتحقيق الرعاية الاجتماعية، ازدادت قوتها التسلطية واحتمال نجاحها في تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والقوة في المجتمع”(5) المعني. بيد أن هذا الحكم العام على صحته لا يعين فروقاً في الدرجة فقط بين الدولة التسلطية والدولة البيروقراطية الحديثة، التي تعنى بالرعاية الاجتماعية وبرفاهية مواطنيها. فالطابع التدخلي للدولة التسلطية لا يستهدف الرعاية الاجتماعية ولا يستهدف رفاهية المواطنين والسهر على أمنهم وحماية حقوقهم. بل يمكن القول إنها المرض الخبيث للبيروقراطية الحديثة وللنزعة القومية في الوقت ذاته.

لا يمكن إسقاط نموذج الدولة البيروقراطية الحديثة، حتى في صيغتها الفاشية أو النازية، ولا نموذج الدولة الشمولية، كما عرفت في الاتحاد السوفييتي ودول أوربة الشرقية، على الدولة التسلطية في المشرق العربي، على الرغم من وجود ملامح وخصائص مشتركة بين هذه النماذج. فالدولة التسلطية في المشرق العربي تشترك مع النموذج الغربي في صفة البيروقراطية، ومع النموذج السوفييتي في صفة الشمولية. مما يضعنا أمام ظاهرة مركبة ومعقدة، يزيد في تعقيدها واقع التأخر التاريخي والاختراق الإمبريالي. وإذا كان التأخر التاريخي يتجلى في ركود المجتمعات العربية، وتخثر تاريخها الداخلي، وفوات بناها الأيديولوجية والسياسية خاصة، فإن الاختراق الإمبريالي يتجلى في الأعراض الآتية، كما شخصها النقيب:

1 ـ إن القوة أو القوى الإمبريالية لا تقوم بإلحاق النظام المخترق بنظامها السياسي بالكامل، ولكنها لا تتركه يفلت من قبضتها الخانقة أبداً،

2 ـ من ثم، يعيش النظام المخترق في مجابهة مستمرة مع القوى الإمبريالية، وهي مجابهة غير متكافئة تستنزف موارده وتمعن في تعفين أوضاعه الداخلية،

3 ـ تختلط في هذا النظام القضايا السياسية المحلية والقومية والإقليمية والدولية، فلا يفهم النظام السياسي من دون الرجوع إلى القوى الإمبريالية المهيمنة،

4 ـ غالباً ما يكون هذا النظام لعبة سياسية تلعبها القوى الاجتماعية المحلية والإقليمية والدولية في تحالفات متبدلة ومتغيرة. من ثم، فإن القوى الاجتماعية والسياسية يمكن أن تكون، وغالباً ما تكون، استطالات محلية للقوى الإقليمية والدولية. تتعين هذه الوضعية بوجه خاص بمدى تعمق الاختراق الإمبريالي.

في هذه الوضعية تبرز “مسألة الأقليات” الدينية والمذهبية والقومية والإثنية والثقافية واللغوية في صيغة “سياسية” تتخذ شكل قوى ضغط تطالب بالتمثيل السياسي على أساس الحصة، يتطلع بعضها إلى الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية، أو إلى الانفصال. وهذا ما يسمى بتسييس مسألة “الأقليات”.

هذه الأعراض التي تصيب النظام السياسي المخترق، هي الشكل الخاص للتبعية التي قوامها فقدان الحرية والاستقلال والسيادة. إنها تبعية تمليها علاقات القوة التي يقوم عليها النظام العالمي ونسق العلاقات الدولية. فالنظام السياسي المخترق لا يستطيع توليد مبادرات ذاتية لحل المشكلات الداخلية. والفئات الحاكمة محدودة الحرية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية بصورة مستقلة عن القوى الخارجية المهيمنة. لكن الحاسم في هذا الأمر دوماً هو الأوضاع الداخلية، ومدى قابلية القوى الاجتماعية للاختراق، ودرجة التأخر التاريخي الذي يستقدمه.

يعتقد الباحث أن البيئة التي نمت في كنفها الدولة التسلطية في سورية أخذت في التشكل إثر انفصال أو فصل سورية عن مصر في الثامن والعشرين من أيلول عام 1961، واغتيال جنين الدولة القومية الذي تجلى في “الانفصال المتزايد بين الحكم والشعب، وفي تنامي الطابع التوتاليتاري المحافظ للأنظمة العربية، وفي التوسع المذهل في فساد الدولة الذي لم يعد لا هامشياً ولا استثنائياً ولا مدلساً، بل ارتدى طابعاً سياسياً مملوكياً. أي إنه لم يعد مجرد مسألة انحلال أخلاقي، بل تعبير عن انفصال الحكم عن الأمة”(6). وقد توافرت لها سائر العناصر الأخرى بعد هزيمة حزيران 1967.

مما يعني أن الدولة التسلطية نشأت في بيئة انكفاء المشروع القومي النهضوي، وفي مناخ الهزيمة المشينة والمذلة أمام إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي الظاهرة الشخبوطية التي ترمز، بحسب ياسين الحافظ، إلى حزمة من التظاهرات السياسية والأيديولوجية والسوسيولوجية التي أخذت في التوسع، في المرحلة ما بعد الناصرية. إذ تمفصل تأخر سوسيولوجي وأيديولوجي بدوي تارة وريفي يقترب من حافة البداوة تارة أخرى، مع ثروات مالية لا صلة لها بإنتاجية المجتمع العربي (الثروة النفطية). أبرز هذه التظاهرات التي رصدها ياسين الحافظ هي:

1 ـ تصفية مشروع أو جنين الدولة ـ الأمة (أو الدولة القومية)، والتقهقر إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي إلى الدولة العشيرة والدولة الطغمة والدولة الطائفة،

2 ـ مع تصفية أو تفسيخ الاشتراكيات المتخلفة (أو التأخراكيات) لحساب تأخراليات (رأسماليات متأخرة) ميركانتيلية جمعت العهر الاستهلاكي الباذخ إلى التسول الذليل على أبواب الخيام البترولية، انبثقت من بيروقراطية الدولة شريحة جديدة (يمكن تسميتها بـ “البيروقراطية العليا” أو “بورجوازية الدولة التأخرالية”)، تحالفت وتمفصلت مع/ ودعمت بورجوازية كمبرادورية سمسارة وضعت الدولة والشعب، في آن في خدمتها. فحولت، علناً تقريباً، الدولة إلى أداة نهب والشعب إلى موضوع نهب.

3 ـ منذ هزيمة حزيران، بدا أن سلطان الأيديولوجية التقليدوية السلفية في توسع ملحوظ.. كما أن الصراعات السياسية الطائفية المكتومة أو المتفجرة التي يعانيها عدد من الأقطار العربية غذت أيديولوجيات طائفية صبت في تدعيم الأيديولوجيات التقليدوية السلفية. فخلخلت هنا أو قطعت هناك اللحمة القومية للشعب، وطرحت مسألة الأقليات نفسها كمسألة ملحة ومتفجرة(7).

“لقد بقيت الدولة العربية، في شتى أشكالها: البرلمانية و”الثورية” والأتوقراطية والعسكرية، التي ارتدت إطاراً شبه حديث مع الاجتياح الاستعماري، ذات بنية تقليدية من حيث الجوهر. والصفة المميزة لدولة ذات بنية كهذه ليس فقط كونها فوق المجتمع، بل أيضاً كونها توفر اندماجاً بين السلطة وممارسيها. هذه الدولة، حيث التقليد السياسي العربي ذو الطابع التيوقراطي ما يزال مغروزاً في أيديولوجية الكتلة الهامدة من الأمة، وبالتالي حيث الشعور بالرعوية إزاء الدولة هو الغالب لدى القسم الأكثر تأخراً من الأمة، وحيث الشعور بالمواطنية لدى القسم الأقل تأخراً منها لم يصل في حدته إلى مستوى عنيد وقتالي، (فيتخذ في حالة الرفض طابع عزوف أو انطواء، وفي حالة القبول طابع تأييد، لا مشاركة)، هذه الدولة تتيح أوسع الفرص لممارسة أقلية ما هيمنة دائمة. والصراعات على السلطة، وكثيراً ما تعتبر هي السياسة في هذه المجتمعات المتأخرة، داخل هذه الأقلية الأقوى من الشعب والراكبة عليه، بإلغائها الحياة السياسية للشعب، تعطل في النتيجة عملية تحديث السياسة وتعرقل دمقرطتها، أي تعرقل عملية تحول الفرد إلى عضو في الدولة”(8).

لم تكن هزيمة حزيران مجرد هزيمة عسكرية أمام إسرائيل، ولا لحظة عابرة في الحياة العربية. فقد وضعت الشعوب العربية كلها على منحدر لم تنتشلها منه حرب تشرين، التي تحولت إلى هزيمة سياسية على يدي الرئيس المصري أنور السادات و”دولة العلم والإيمان”، وراحت تداعياتها تتوالى في جميع المجالات. من ذلك أن المجتمعات العربية التي أصابت شيئاً من التحديث انتكست إلى أسوأ ما في تاريخها، أي إلى نمط من الحياة السياسية أقرب ما يكون إلى نمط الحياة في العصر المملوكي/ العثماني الذي أبرز سماته: انفصال الحكم عن الشعب وانفصال المجتمع عن الدولة وركود المجتمع وتخثر تاريخه الداخلي وهيمنة أيديولوجية تقليدية تعزز التبعية والامتثال والعجز والعزوف والخوف. الخوف من الطبيعة ومن الدولة ومن الحقيقة ومن الحرية، والخوف من مواجهة الذات ومن مواجهة الواقع، والخوف من المستقبل.

لعل من أبرز سمات ذلك العصر أن الحرية لا توجد ولا تنمو إلا خارج نطاق الدولة وبالتضاد معها. لذلك لم نشارك، نحن العرب، بقية الأمم في الاحتفاء بالحرية إلا في يوم دفنها. لقد نشأ الحكم التسلطي وترعرع في مناخ الهزيمة التي حولها الخطاب “التقدمي” إلى نصر مؤزر، وكذبت الأنظمة “التقدمية” على شعوبها ثم صدقت كذبتها وأرغمت شعوبها على التصديق. باستثناء عبد الناصر الذي اعترف بالهزيمة، وأعلن مسؤوليته عنها، واستقال من منصبه، ثم عدل عن الاستقالة تحت ضغط الحركة الشعبية.

لقد تضافر التأخر التاريخي، ولاسيما التجزئة القومية، والتأخر الأيديولوجي والسياسي، والاختراق الإمبريالي، مع البيروقراطية الوافدة من الدولة الليبرالية الحديثة، والشمولية الوافدة من المعسكر الاشتراكي والمعززة بأيديولوجية ثورية وانقلابية، وتوسع رأسمالي لم ين يتعمق، واستقطاب دولي بين الشمال والجنوب من جهة، وبين الرأسمالية والعالم الحر والاشتراكية والمعسكر الاشتراكي الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي السابق من جهة أخرى، لقد تضافرت هذه العوامل جميعاً في إنتاج بيئة مواتية لنمو الدولة التسلطية.

تملك الدولة وتنسيق بنى المجتمع.. “ثورة الثامن من آذار”:

استيقظ السورين صبيحة الثامن من آذار 1963 على أنباء انقلاب عسكري، سمي منذ ذلك اليوم “ثورة الثامن من آذار”. قاد الانقلاب ستة من ضباط الجيش هم زياد الحريري (مستقل) وراشد قطيني ومحمد الصوفي (ناصريان) ومحمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد (بعثيون، ومن أعضاء اللجنة العسكرية التي تألفت في مصر عام 1960). كان الأمر العسكري رقم 2 هو إعلان حالة الطوارئ في البلاد إلى إشعار آخر. وما تزال البلاد في حالة طوارئ إلى اليوم. وأذيع في الساعة 8.40 من صباح اليوم نفسه البيان التاسع الذي أعيد بموجبه أعضاء اللجنة العسكرية الخمسة إلى الجيش، ورفّع النقيب الأسد إلى رتبة مقدم وعين آمراً لقاعدة الضمير الجوية(9)، ألف قادة الانقلاب مجلساً لقيادة الثورة من عشرين عسكرياً، منهم اثنا عشر بعثياً وثماية من الناصريين والمستقلين.

بعد بضعة أيام تم توسيع ذلك المجلس ليضم عدداً من المدنيين من بينهم ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ومنصور الأطرش وقادة ثلاث مجموعات ناصرية. لم يكن لهؤلاء الأعضاء المدنيين الجدد أي دور في المجلس، بحسب باتريك سيل الذي نقل على لسان منصور الأطرش قوله: “كان الضباط يتركوننا نتكلم، مع أنهم، حسبما اكتشفنا فيما بعد، يكونون قد اتفقوا فيما بينهم سلفاً على القرارات التي ستتخذ..”(10). ويضيف باتريك سيل: “كانت السياسة في الأيام الأول للثورة قضية مساومة على المناصب وتقاسمها بين فئات الجيش المختلفة في جلسات غالباً ما كانت تستغرق الليل بطوله”(11).

بخلاف الانقلابات العسكرية السابقة التي شهدتها سورية والتي كان فيها الجيش أداة لحسم الصراعات السياسية بين القوى المتنافسة، وضعت ثورة آذار البلاد بين أيدي العسكر، فتحول الجيش لا إلى قوة أساسية في الحكم، بل إلى قوة الحكم الأساسية. وبمقدار ما أخذ الجيش يتسيس، ويتحول إلى “جيش عقائدي” أخذت السياسة تتعسكر. ذلك أن جناح الحزب المدني كان ضعيفاً وقليل العدد إذ لم يكن عدد أعضائه عند قيام الثورة يزيد على 400 عضو، بل كان أقل من ذلك بقليل، بحسب ما يذكر كثيرون من كوادر الحزب الذين شهدوا تلك المرحلة. يذهب الأستاذ أنطون مقدسي إلى أن عدد البعثيين كان أقل من ذلك بكثير، حيث يقول في رسالة ثانية حديثة وجهها إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 3 أيار 2001: “بداية عام 1963 البعث يستعد لاستلام الحكم في سورية والعراق. عيادة الدكتور جمال الأتاسي من مراكز النشاط الأهم: حزبيون يتهامسون ويطلع بعضهم البعض الآخر على آخر الأخبار. علي صالح السعدي ورفاقه على أهبة العودة إلى بغداد ليخوضوا معركتهم الحاسمة في 8 شباط 1963 مع عبد الكريم قاسم. وأتساءل وأنا أتأمل هذه الاستعدادات ما عدد المنتسبين إلى البعث السوري في تلك الأيام؟ خمسون حزبياً أكاد أعرفهم كلهم، صاروا 180 في أحسن تقدير على ليالي 8 آذار”(12). فقد تم بناء الجناح المدني للحزب في ظل سلطة جناحه العسكري، أو في ظل ما سمي “سلطة الحزب”. لذلك كان للعسكر اليد الطولى في توجيه دفة الحزب، وفي حسم صراعاته الداخلية، وكانت صراعات دامية على الدوام.

إضافة إلى إعلان حالة الطوارئ ووضع إدارة البلاد تحت إشراف “مجلس قيادة الثورة”، بدأ العسكريون حياتهم السياسية بخرق نظام الجيش الأساسي وخلخلة انضباطه وإعادة بناء علاقاته على أساس العصبية الحزبية والولاءات الشخصية التي ليس لها من ضمانات موضوعية سوى ما يتمتع به الموالون من امتيازات أقلها السلطة والجاه. يقول باتريك سيل: “وفي مكتب شؤون الضباط شرع صلاح جديد في تطهير الأعداء وترفيع الأصدقاء، فأعاد إلى الخدمة الفعلية أعداداً كبيرة من ضباط الاحتياط البعثيين.. بأسلوب هادئ ورشيق.”.

إضافة إلى تطهير الجيش من كتلة “الضباط الدمشقيين” الذين قاموا بانقلاب 28 أيلول 1962، كان لا بد من تطهيره من الضباط الناصريين، ثم من الضباط البعثيين غير الموالين، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب التي قام بها عدد من الضباط الناصريين بقيادة جاسم علوان في 18 تموز 1963. لم تحسم الأمور لمصلحة “الحزب” في السلطة إلا بعد حسمها في الجيش وفي المؤسسة الأمنية. وما أن استتب الأمر في الجيش حتى انطلقت عملية تطهير مؤسسات الدولة من غير البعثيين ومن غير الموالين من البعثيين أيضاً. فالصراعات داخل الحزب بدأت مع قيام الثورة ولم تحسم نهائياً إلا بـ “الحركة التصحيحية” التي قام بها حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني من عام 1970. فإثر كل مواجهة كانت تجري حملة تطهير واسعة في الجيش وفي مؤسسات الدولة.

يضيف سيل: وفي غضون أربعة أشهر حافلة ودموية، بدءاً من آذار/ مارس 1963، استطاع الأسد وزملاؤه في اللجنة العسكرية أن يقضوا على كل مقاومة منظمة لحكمهم الذي كانوا يمارسونه من وراء ستار. ومنذ اللحظة الأولى تقريباً، كان عليهم أن يحكموا بالقوة وليس بالموافقة، ربما لأنهم كانوا مجموعة عسكرية منشقة من حزب شبه ميت، بدون قاعدة شعبية. لقد أثرت تجربة تلك الأيام المبكرة في مواقفهم طيلة عدة سنوات لاحقة. وحتى عندما نما الحزب وأصبح قوياً وكبيراً فإنه لم يخلص نفسه من عادات الحذر والقمع”(13). لعل أوسع حملة تطهير شملت البعثيين الموالين لـ “لقيادة القومية” كانت إثر حركة 23 شباط 1966، إذ أقصي نحو 400 ضابط وموظف واقتيد أمين الحافظ ومحمد عمران والقادة الموالون لهما إلى سجن المزة العسكري. كما اعتقل ثلاثون من البعثيين القدامى، من بينهم صلاح الدين البيطار ومنصور الأطرش وشبلي العيسمي، وأعضاء القيادة القومية اللبنانيون والسعوديون والأردنيون، في دار الضيافة الكائنة في شارع بغداد، أحد شوارع مدينة دمشق المعروفة. فغادر ميشيل عفلق دمشق متوجهاً إلى البرازيل، ومنها إلى العراق، ولم يقدّر له أن يعود إلى سورية مرة أخرى. من ثم تلتها حملة أخرى قبيل وبعد محاولة الانقلاب التي قام بها سليم حاطوم في الثامن من أيلول 1966.

إن أول احتكار فعال للقوة كان احتكار القوة العسكرية والأمنية أولاً وقوة مؤسسات الدولة تالياً. فقد كانت عملية بناء “الجيش العقائدي” ومن ثم عملية “تبعيث” الدولة تتعمق باطراد في ظل لا مبالاة شعبية لافتة للنظر. كان من السهولة بمكان استيعاب هذه اللامبالاة وتأطيرها في الحزب الذي راح ينمو وتزداد أعداده باطراد، وفي “المنظمات الشعبية” التي ضمت كتلاً شعبية كبيرة تتسم بالتأييد السلبي لا بالمشاركة الإيجابية، وباللامبالاة التامة إزاء كل ما يجري في البلاد، بما في ذلك ما يتصل بأوضاعها المعاشية وحقوقها المدنية وحرياتها الأساسية.

كان أول مؤتمر قطري عقد بعد قيام الثورة (أيلول 1963) منعطفاً حاسما في مسيرة حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي غادره أكرم الحوراني وأنصاره، وانشق عنه الناصريـون وتمهيداً للمؤتمر القـومي السادس (تشرين الأول/ أكتوبر 1963) الذي أضفى على الحزب طابعاً يسارياً، وأقر مبدأ الحزب القائد للدولة والمجتمع، وشرّع لتدخل الجيش في السياسة، إذ اعتبر أن “تشبع الجيش بالعقيدة السياسية لا يقل أهمية عن التدريب العسكري نفسه”، كما جاء في المنطلقات النظرية التي تبناها المؤتمر. في هذا المؤتمر تقرر حشد الجماهير وتعبئتها في “منظمات شعبية” للعمال والفلاحين وأصحاب المهن الحرة من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم، وللشباب والطلبة والنساء.. يسيطر عليها الحزب، وتكون أداة لبناء “الديمقراطية الشعبية” التي تفتح الطريق لـ “التحويل الاشتراكي”.

ما كان لهذا التوجه اليساري أن يغدو توجهاً عاماً إلا بعد “حركة 23 شباط 1966 التي قادها صلاح جديد، الذي سيغدو الرجل الأول في الدولة، من دون أن يتولى منصباً رسمياً سوى منصب الأمين القطري المساعد للحزب، وحافظ الأسد الذي أسند إليه منصب وزير الدفاع. لقد صرف هذان القائدان كل اهتمامهما، الأول للحزب والدولة التي غدت دولة البعث، والثاني للجيش والقوات المسلحة، نواة الحكم الصلبة ودرعه الواقية”.

كتب سيل يقول: “كان النظام قد خرج من ثلاث سنوات من الصراع على السلطة أعقبت انقلاب عام 1963. أما بعد دحر المنافسين الناصريين وإخماد المعارضة اليمينية والدينية في حماة (1964) وإزاحة الجيل القديم من البعثيين، فقد صفا الجو للجنة العسكرية، وانفسح لها المجال لتحكم. وأدى ذلك إلى تغيير أدوات السلطة. فحتى تلك اللحظة كانت اللجنة العسكرية نفسها هي الجهاز المركزي الذي يفرض الضباط إرادتهم من خلاله. أما في عام، 1966 وبعد أن ضعفت اللجنة بخروج عمران منها، فقد ازدادت ذبولاً وفقدت كثيراً من مبررات وجودها حالما احتكر الضباط في قبضتهم جهاز الدولة. ولم تعد هناك حاجة للمؤتمرات السرية”(14).

كان الصراع على السلطة يدور على جبهتين: جبهة داخل الحزب، وجبهة مع المنافسين والمعارضين خارج الحزب، وعلى كلتا الجبهتين كان الجيش هو قوة الحسم الأساسية. بعد كل مواجهة كانت تبقى جيوب غير خطرة أو غير ذات شأن، تحولت مع الأيام إلى نوع من معارضة سلبية في القطاعين العسكري والمدني على السواء.

لكن، ما الذي يجعل ولاء الضباط وكوادر الحزب والموظفين الكبار وغيرهم خالصاً لهذا القائد أو ذاك؟ أهي العصبية الحزبية العقائدية أم العصبية الطبقية أم العصبية المذهبية أم العصبية الجهوية، أم هناك أسباب أكثر موضوعية من هذه جميعاً، لا سيما أن الزعماء المتنافسين كانوا غالباً من الحزب نفسه ومن الطبقة نفسها ومن أتباع المذهب نفسه ومن الجهة ذاتها؟

لعل سبب الولاء الرئيس لهذا القائد أو ذاك هو الامتيازات التي يمنحها لأتباعه والمكاسب الشخصية التي يبيحها لهم، إضافة إلى إغراء السلطة والوجاهة. يقول باتريك سيل في ذلك: “.. وبعد أن فهم الأسد عِبَر الهزيمة (هزيمة حزيران، 1967) حلت محل ابتهاجه صلابة فولاذية، وعقد العزم منذ ذلك الحين على بناء قاعدة شخصية له في القوات المسلحة. وعلى غرار ما يفعله زعماء القبائل، راح يستقطب الولاء لنفسه عن طريق تقديم الخدمات والمنح وتحسين أوضاع زملائه..”. من ثم تحولت السلطة تدريجياً إلى مصدر للثروة والقوة والجاه، بقدر ما كانت الحاجة تمس إلى الموالين والأتباع والأزلام.

ربما كان بالإمكان تسويغ ذلك أخلاقياً أن هؤلاء المنعم عليهم يستحقون ما يحصلون عليه، لقاء ما يقدمونه من خدمات للوطن الذي تقلصت حدوده حتى تطابقت مع حدود الحزب والسلطة. وفي ظل غياب القانون وغياب مبدأ المحاسبة والمساءلة وتعطيل المؤسسات وشل القوى التي يمكن أن تقوم بهذه الوظيفة، تحولت الامتيازات والمنح والهبات وإطلاق أيدي “الرفاق المخلصين” في دوائر عملهم إلى قاعدة في الحكم. يمكن أن نضيف: إن جميع العصبيات كانت تتقاطع في بؤرة واحدة هي المصلحة الخاصة التي راحت تحل تدريجياً محل المصلحة العامة، فلم تعد الدلالات السياسية تنعقد إلا عليها. فأعيد إنتاج المبادئ والأسس التي كانت تقوم عليها الدولة السلطانية، وهي مبادئ وأسس مستقرة في اللاشعور السياسي تلخصها مقولات: العشيرة والعقيدة والغنيمة، بحسب محمد عابد الجابري. وقد أعيد إنتاج الفرار من الدولة/ السلطة أو الدولة السلطانية أو الدولة التسلطية. والفرار من السلطة هو إما فرار منها وإما فرار إليها. الذين فروا إلى السلطة لاتقاء شرها أو ابتغاء “خيرها” غدوا جماهير الحاكم وهالته وأعمدة عرشه وبساط نعمته. ولم ينجوا، مع ذلك، من الحيف والقمع والإرهاب، بل كانوا مضطرين دوماً إلى إثبات ولائهم بالتزلف والنفاق، أو بالوشاية بالرفاق والأصدقاء والأقرباء وزملاء العمل وجيران السكن.

أما الفرار من الدولة، فتجلى بانضواء “الجماهير” في الحزب الحاكم وفي “المنظمات الرديفة”: طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة واتحاد الطلاب والاتحاد النسائي والاتحاد الرياضي واتحاد الفلاحين واتحاد الحرفيين والاتحاد العام للعمال واتحاد الكتاب واتحاد الصحفيين، فضلاً عن النقابات المهنية التي يسيطر عليها الحزب وأجهزة الأمن سيطرة تامة. لقد أخضع المجتمع لعملية انتقال “ثورية” من الحالة الرعوية إلى الحالة الجماهيرية. وأهم سمات الحالة الجماهيرية هي التأييد السلبي والاستجابة الشرطية (كاستجابة كلب بافلوف) لأوامر السلطة الصريحة والرمزية.

هناك ثلاثة أركان تقوم عليها الدولة التسلطية وتمكنها من إنتاج مجتمعها الجماهيري هي: الإرهاب والأيديولوجيه والإعلام الموجه. وثلاثة مبادئ تضمن هذه الأركان وتعززها هي:

ـ مبدأ الاحتكار الفعال: احتكار السلطة والثروة والقوة، واحتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية،

ـ مبدأ الغلبة والقهر،

ـ ومبدأ شخصنة السلطة، وعبادة القوة، أي تماهي الشخص والمنصب الذي يشغله، وانتقال قوة المنصب المادية والمعنوية إلى الشخص الذي يغدو مثال القوة والعظمة والنفوذ. في هذه الحال تحل الأوامر محل القوانين والامتيازات محل الحقوق والولاء والمحسوبية محل الكفاءة والجدارة والاستحقاق.

إن كل واحد من هذه الأركان والمبادئ يحتاج إلى دراسة خاصة لكي تتضح صورة الدولة التسلطية في بعدها الشمولي. وتتضافر هذه وتلك في إنتاج ما يسمى الاستقرار والاستمرار، الذي ليس له من اسم آخر سوى المحافظة على الأوضاع القائمة وإجبار الناس على أن يشربوا ماء البحر ويقولوا: إنه عصير الليمون.

في ظل الاحتكارات الآنفة الذكر يغدو ما كان مجتمعاً وشعباً شيئين نافلين وفائضين عن الحاجة يمكن الاستغناء عنهما، لو كان ممكناً أن يكون ثمة حاكم بلا محكوم وسلطة بلا شعب ودولة بلا مجتمع. هذه المفارقة التراجيدية، أو الكوميدية السوداء (استغناء السلطة عن الشعب وحاجتها إليه)، هي التي تفسر واقعة تهميش الشعب وازدرائه والاعتقاد بعدم أهليته، وتعزز النظر إليه على أنه مادة وموضوع لإرادة السلطة وقدرتها الكلية. وهي التي تفسر نمو الوهم بإمكان إلغاء التعدد والاختلاف والتعارض وإجبار الواقع على الرقص على أنغام الأيديولوجية التي تضبطها عصا الجنرال.

مجتمع بلا طبقات:

أطاح الإصلاح الزراعي بالملاكين الكبار، وأدى توزيع الأراضي الزراعية المصادرة على الفلاحين إلى زيادة عدد الملاكين الصغار والمتوسطين. كما أطاحت قرارات التأميم “الاشتراكية” بالبورجوازية الوطنية الصاعدة، وتحولت الدولة تدريجياً إلى ملاك كبير وصناعي وحيد وتاجر جملة ومفرّق ورب عمل للطبقة العاملة الناشئة التي أخذت تتوسع جراء تنمية رأسمالية الدولة التابعة. لقد غدت الطبقة الوسطى، أو الفئات الوسطى، طبقة سائدة منقسمة على نفسها عمودياً، بحسب الولاء للسلطة أو معارضتها، إلى فئة حاكمة و”جماهير”، كما انقسمت الفئة الحاكمة نفسها إلى سادة وتابعين. السادة هم “بورجوازية الدولة العليا” من عسكريين ومدنيين، أما التابعون وتابعوهم وتابعو تابعيهم، إلى قاع الهرم التوتاليتاري، فهم الجماهير.

لقد كان التأميم أقرب إلى تصفية الطبقة العاملة، بقدر ما يمكن أن تعد طبقة في ذاتها، وإلى إلغاء دورها الاجتماعي السياسي، منه إلى إجراء اشتراكي. أدى ذلك إلى تحطيم كل تضامن طبقي بين العمال، أو بينهم وبين العمال الزراعيين والفلاحين الفقراء وفقراء المدن، أو بين هؤلاء أنفسهم، مقابل التضامن بين الملاكين وأرباب العمل. فقد قدمت الدولة نفسها ممثلة لهذه الفئات الاجتماعية التي انحلت واقعياً، قبل أن يتسنى لها تحقيق ذاتها ثقافياً وسياسياً. وبدأت سيرورة تهميشها تتسارع على نحو يتناسب مع نمو الدولة التسلطية وانتقال القوة الاجتماعية من مؤسسات المجتمع إلى مؤسسات الدولة التي أخذت تتحول أكثر فأكثر إلى مؤسسات أمنية.

في الوقت ذاته كانت تنمو أرستقراطية عمالية وفلاحية وبورجوازية وسطى في كنف الأجهزة وتحت رقابتها وحمايتها. أرستقراطية يؤلف الفساد والانحلال الأخلاقي أخص صفاتها، والأيديولوجية الاشتراكية القومية غطاءها وتبريرها. ويوماً بعد يوم كانت تتسع الشقة بين هذه الأرستقراطية والجماهير التي رفعتها، أكثر مما كانت بين العامل ورب العمل “البورجوازي”. فتحولت الطبقة العاملة والجماهير الكادحة من قوة عمل وإنتاج إلى جيش من العبيد. إن سيرورة إلغاء الطبقات أو الفئات الاجتماعية هذه كانت تقابلها سيرورة إلغاء الأرستقراطية العمالية والفلاحية والحزبية، بوصفها طبقة جديدة تجمعها مصالح مشتركة. ذلك، عن طريق سلسلة من التصفيات في صفوف هذه الطبقة الجديدة جعلت من أعضائها أنفسهم عبيداً للسلطة. فالنظام العبودي لا يمكن أن يخلق طبقة من الأحرار إلا على أنقاضه. لكن العمال والفلاحين وفقراء المدن أصبحوا والحالة هذه عبيد العبيد. وتلكم هي أبرز مظاهر التهميش الاجتماعي والثقافي والسياسي. فالدولة التسلطية لا تقبل بوجود طبقات أو فئات أو جماعات متماسكة وموحدة أو متضامنة ذات امتيازات، بل بوجود أفراد ذوي امتيازات فحسب.

لذلك فإن معارضة السلطة لم تعد تعتمد هي أيضاً على طبقات أو فئات أو جماعات ذات مصالح متماسكة ومنظمة. بعملية التفريد أو التذرير هذه، تحقق الدولة التسلطية المساواة بين “المواطنين” بتحويلهم إلى جمع غير منسوج من أفراد منعزلين ومتنافسين، تقوم مصلحة كل منهم على الوشاية بالآخر والتنصل من الشأن العام. حيث كل واحد منهم متهم بالقوة أو بالفعل، وعليه أن يواجه الاتهام ويدفعه عن نفسه بإلصاقه بالآخر، وبالتزلف إلى الحاكم بالقدر الذي يظن أنه يقنعه ببراءته وصدق ولائه. هكذا يجد الفرد نفسه محاصراً من الخارج والداخل ومسوقاً إلى سلسلة من الممارسات العبثية تزيد من احتقاره لنفسه وعزلته عن الآخرين. وهذه الممارسات العبثية ليست في الواقع سوى استجابات غريزية عمياء لخطر قائم وعنف ممكن في كل حين. إذ إن عنف الدولة التسلطية وإرهابها لا يتوقفان على قوة المعارضة، بل ينطلقان من كل عقل وعقال، بالأحرى، بعد تصفيتها، أو الإجهاز على فاعليتها واحتمالات نموها. ويتحول كل فرد في نظرها إلى معارض محتمل وعدو موضوعي. فالإرهاب يفترض دوماً مزيداً من التوهم ومزيداً من الأجهزة السرية ومزيداً من المخبرين والعيون أو البصاصين.

هذا ما يفسر النمو السرطاني للأجهزة الأمنية، الوحيدة التي كانت تتمتع بحرية تامة في التدخل المباشر في جميع تفاصيل حياة المواطنين، وفي جميع مستويات الإدارة، وفي جميع مجالات النشاط. إن هذه لم تغتن من جراء نهب الدولة فقط، بل من جراء نهب ضحاياها وابتزازهم، ومن المشاركة في النشاطات التي كان عليها مكافحتها، كالقمار والدعارة والتهريب وتجارة المخدرات. مما جعلها دولة داخل الدولة تقوم على الإرهاب والابتزاز والفساد والإفساد. لقد حولت هذه الأجهزة المجتمع إلى مجتمع الخوف المتبادل والريبة المتبادلة، وأخضعت النسيج الاجتماعي لمقاييس عملائها ومعاييرهم الأخلاقية التي هي معاييرها وقيمها. ولعل وظيفتها الأساسية كانت ولا تزال محاولة السيطرة على تعددية المجتمع وأفرادية الواقع وعلى الفروق والاختلافات اللامتناهية بين الكائنات البشرية بغية جعلها نسخاً متشابهة أقرب ما تكون إلى كائن توتاليتاري واحد. لكن هذا غير ممكن إلا بتقليص جميع المواطنين إلى هوية واحدة ثابتة وخاوية قوامها ردود الفعل الغريزية، وتقليص حريتهم إلى مجرد الحفاظ على النوع.

لقد كان للإرهاب السياسي والاعتقال السياسي وما يرافقهما من تعذيب جسدي ونفسي أثر حاسم في تدمير العلاقات الإنسانية واختراق المجتمع والإجهاز على جميع أشكال مقاومته الذاتية، بتحويله إلى نوع من معسكر اعتقال كبير. تقول حنة أرندت: “إن أول خطوة جوهرية في السبيل الذي يؤدي إلى السيطرة الكلية تقضي بأن يقتل في الإنسان شخصه القانوني”، والخطوة الثانية الحاسمة هي قتل الشخص الأخلاقي في الإنسان، وبعد أن يتم تدمير الشخصية الأخلاقية يغدو تدمير الفردانية عملاً منجزاً(15).

إن تحويل الطبقات أو الفئات الاجتماعية إلى جماهير، وإلغاء كل تضامن بين الجماعات إلغاء متوازياً هما شرطان لازمان للاستبداد الكلي(16). والانتقال من الرعوية إلى الجماهيرية هو انتقال من فقر وبؤس مكشوفين إلى فقر وبؤس مقنعين، ومن عبودية صريحة إلى عبودية مغطاة بالورود. إن العبد، عند أرسطو، هو من ضعفت روحه وقلت حيلته وأتبع نفسه لغيره، وهو جسد سيده وثوره وأداته. والتابع، في اعتقادي، جسد بلا روح ولا عقل ولا ضمير. ليس في المجتمع والدولة شيء ليس موجوداً في الفرد، بالقوة أو بالفعل، فما بالحري إذا كان هذا الفرد جسداً بلا روح ولا عقل ولا ضمير؟

أجل إن مجتمع الجماهير ودولته التسلطية، أو الشمولية، مجتمع ودولة بلا روح ولا عقل ولا ضمير. وإن انطفاء الروح واستقالة العقل وموت الضمير وانعدام المعنى هي أبرز منتجات الدولة التسلطية، وهي، في الوقت ذاته، أهم شروط استقرارها واستمرارها. الدولة التسلطية دولة بلا معنى، لأن جميع أقوالها وأفعالها بلا معنى، فالمعنى هو قوام القول والفعل. وهي لا تستطيع أن تنتج شروط استقرارها واستمرارها إلا إذا قتلت الروح الإنسانية وأسكتت صوت العقل وأعدمت الضمير واغتالت المعنى.

وما الفساد الذي يكثر الحديث عنه، ويظنه بعضهم شيئاً طارئاً وعابراً ومرضاً يمكن الشفاء منه من دون تغيير بنية الدولة ووظيفتها، سوى النتيجة المباشرة والمحسوسة لاستقرار هذه الدولة واستمرارها؟ إن تغيير بنية الدولة ووظيفتها لا يعني هنا إسقاط السلطة القائمة، بل يعني استعادة الدولة وإلغاء طابع الجزئية الذي يلابسها، بوصفها دولة الحزب القائد، وتحويلها تدريجياً إلى دولة سياسية تعبر عن الكلية الاجتماعية، أي إلى دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، وإعادة إنتاج الطابع الاجتماعي لوظائفها. ويقيني أن السلطة القائمة وحزب البعث العربي الاشتراكي يمكن أن يسهما إسهاماً جدياُ في هذه العملية التاريخية الكبرى، حين تتحول هذه السلطة إلى سلطة سياسية، ويتحول الحزب الحاكم إلى حزب سياسي، بالمعنى العصري والحديث للسياسة (17).

إذا صح أن الحريات الديمقراطية قامت على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، وأن العدالة الاجتماعية هي التحقيق الفعلي للمساواة، فإن هذه الحريات لا تكتسب معناها ووظيفتها العضوية إلا حين ينتمي المواطنون، بحكم منابتهم الاجتماعية، إلى جماعات تمثلهم وتشكل في ذاتها هرمية اجتماعية وسياسية. وحين ينتتمون انتماء طوعياً وواعياً إلى التنظيمات الحرة أو المجموعات الحرة التي ينتجها المجمع تعبيراً عن حيويته وفاعليته. هذه المجموعات أو التنظيمات النقابية والسياسية، وغيرها من التنظيمات المدنية، لا تكون حرة حقاً إلا إذا كان جميع أفرادها أحراراً، وفق المبدأ الرياضي الذي هو التعبير الأكثر تجريداً والأكثر واقعية في الوقت نفسه عن منطق الواقع. والحرية هنا غير مشروطة سوى بالقانون والمسؤولية. من ثم، فإن انهيار منظومة الطبقات الاجتماعية، وهي التفريع الاجتماعي السياسي الوحيد المصاقب لبنية الدولة الحديثة، كان من الأحداث الأكثر مأساوية في تاريخ الأمم التي حدث فيها ذلك بصورة تعسفية وبدائية أو همجية. فالتعارضات الاجتماعية (الطبقية) لا تنتهي دوماَ بانتصار طبقة وانهيار أخرى، بل قد تنتهي بانهيار جميع الفئات المتصارعة. لقد انتهت الصراعات، في بلادنا، وفي بلدان أخرى كثيرة، إلى تدمير جميع الفئات الاجتماعية وانهيارها(18). وكان هذا الانهيار مواتياً لانطلاق الفاشية، في أوربة، والشمولية، في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي أوربة الشرقية، ولنشوء التسلطية، في البلدان المتأخرة والتابعة. ينجم عن تدمير الفئات الاجتماعية بالضرورة تدمير مجال الحياة العامة ونزع السياسة من المجتمع بوصفها، أي السياسة، ميزة الاجتماع البشري الأساسية وشكل وجود الجماعة المميز. لكن الدولة التسلطية لا تكتفي بتدمير مجال الحياة العامة، بل تسعى، ما وسعها الجهد، إلى تدمير مجال الحياة الخاصة والشخصية، أيضاً، بإفقار الأفراد وتقفير حياتهم. هذان الإفقار والتقفير هما الأساس المشترك للإرهاب، وهما اللذان يهيئان الجلادين والضحايا، ويشيعان في الأفراد شعوراً مأساوياً عميقاً بالاقتلاع وانعدام الجدوى. وهذا الشعور هو ذروة اغتراب الإنسان عن ناتج عمله وعن ذاته وعن العالم.

بادرات الإصلاح:

هل الإصلاح ممكن بعد كل الذي تقدم؟ أجل، إنه ممكن وواجب. بل لعل الفساد الجذري يقتضي إصلاحاً جذرياً. وفي اعتقادي، إن سورية اليوم تقف على مفترق: إما الإصلاح الجذري، وإما إعادة إنتاج النظام التسلطي إياه، والفوضى والخراب والتدمير الذاتي والانتحار الجماعي. إنه ليس من احتمال آخر سوى ما يمكن أن تفرضه قوى خارجية. ثم، إن الإصلاح هو أفضل احتمال ممكن.

من طبيعة الإصلاح أن يكون متدرجاً وبطيئاً ومؤلماً أحياناً. لكن ثمة إصلاح وإصلاح، إصلاح تقوم به السلطة بأدواتها وآليات عملها الموصوفة، وهذا الإصلاح لا يمكن أن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج النظام نفسه، مع بعض التحسينات هنا وهناك. من ثم لا يمكن أن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج الأزمة التي لا مخرج منها إلا بإصلاح جذري. أما الإصلاح الجذري فلا بد أن تتضافر فيه جهود السلطة والشعب، ولا بد أن تسهم فيه بصورة إيجابية جميع فئات المجتمع وقواه. هو الذي يضع البلاد على خط تجاوز الحاضر، أي على خط النهضة والتقدم. وليس من خيار ثالث، لأن هذا القدر من الفساد والخراب لا يمكن حذفه إلا بعمل تاريخي في مستوى مخاطره وتحدياته.

يدعي الكاتب أن شعوراً ما بضرورة الإصلاح كان ينمو ببطء في بعض أوساط السلطة التي صمت آذانها عقوداً طويلة عن سماع صوت الشعب، ولا سيما صوت المثقفين والعاملين في الحقل العام. إذ شعرت هذه الأوساط بتيبس مفاصل الدولة، وبتفشي الفساد في جميع مستويات الإدارة العامة وصيرورته السمة الأبرز من سماتها، وبتآكل المشروعية الأيديولوجية التي كانت السلطة تعتاش عليها ـ نعني أيديولوجية الاشتراكية القومية ـ وبتفاقم الأزمة الاقتصادية، وإفلاس قطاع الدولة الاقتصادي، باستثناء قطاع النفط الذي يعتبر من الأسرار الممنوع التطرق لها. بدا ذلك واضحاً قبيل وفاة رئيس الجمهورية السابق، حافظ الأسد، حيث شاعت أحاديث عن فتح ملف/ ملفات الفساد، وذكرت أسماء عدد كبير من رؤوس الفساد شملت مسؤولين كباراً في جميع القطاعات القيادية. فكفت يد رئيس الوزراء السابق المغفور له محمود الزعبي بتهمة الفساد. وتواترت أحاديث عن مشروع إصلاح يحمله الدكتور بشار الأسد، أحد عناوينه الرئيسة مكافحة الفساد.

في هذا المناخ، بدأت تتشكل في البيوت نوى منتديات ثقافية ذات بعد سياسي، انتشرت في جميع المحافظات والمناطق السورية ولا سيما في العاصمة دمشق، قوامها مثقفون ومناضلون من مختلف الأحزاب السياسية المعارضة ممن يهتمون بالثقافة ويرون فيها حاضنة للسياسة. بعض هذه المنتديات سمي باسم “المنتدى الثقافي” أو “المنتدى الأدبي” أو “التجمع الأدبي” أو “المنتدى الحضاري”، ذلك فضلاً عن مجموعات الحوار التي كانت تنعقد سابقاً بصورة دورية أو شبه دورية في كثير من المناطق. كانت هذه جميعاً تمارس نشاطها بصورة نصف سريةـنصف علنية، باستثناء بعض الصالونات الأدبية المعروفة، في دمشق، كصالون المحامية حنان نجمة وصالون الدكتورة جورجيت عطية وغيرهما.

كانت ندوة “الثلاثاء الاقتصادي”، التي تنظمها الجمعية الاقتصادية السورية، قد قامت بدور مهم في الكشف عن عوامل الأزمة الاقتصادية ومظاهرها، وأثارها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية في المجتمع، وأثر فساد الإدارة في تفاقمها. فتداعى عدد من المثقفين والمهتمين في مدينة دمشق وأسسوا “جمعية أصدقاء المجتمع المدني”، التي ستغدو فيما بعد “لجان إحياء المجتمع المدني”. كما قامت رابطة الخريجين بمدينة حمص بنشاط ثقافي ذي بعد سياسي أسهم في تنشيط الحياة الثقافية وتوفير فرص الحوار بين مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية. وأقام الحزب الشيوعي السوري (جناح يوسف فيصل) عدة ندوات أسهمت في تنشيط الحوار. لكن السلطة أوقفت هذا النوع من النشاط في الرابطة، وفي المراكز الثقافية، وغدت البيوت هي المكان الوحيد لممارسته.

إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد وتسلم نجله بشار الأسد مقاليد الرئاسة وإعلانه في خطاب القسم ما بات يسمى “البرنامج الرئاسي” للتطوير والتحديث، انتعشت بعض الآمال بتحسن الوضع السياسي، ولاسيما بعد الإفراج عن 600 معتقل سياسي، بعد أن كانت السلطة تنفي وجود معتقلين سياسيين في سورية. فاتسعت دوائر نشاط المنتديات الثقافية وخرجت إلى العلن تباعاً ونشأت منتديات جديدة في مدينة دمشق كـ: “منتدى الحوار الوطني” الذي أقامه النائب رياض سيف في منزله في إحدى ضواحي دمشق الجنوبية، و”منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي” الذي أقيم في منزل المفكر والقائد السياسي الراحل جمال الأتاسي. وكان لكاتب هذه الدراسة شرف تسميته ناطقاً باسم هذا المنتدى وشرف افتتاحه بمحاضرة عنوانها “قضايا راهنة للحوار”. كما كان له أيضاً شرف الإسهام في تأسيس “المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان” وعضوية هيئته الإدارية وافتتاح نشاطه الثقافي، الذي أقيم في بيت المحامي خليل معتوق في إحدى ضواحي دمشق الجنوبية، بمحاضرة عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، لكن هذا المنتدى منع وهو في بدايته. لقد أقيمت منتديات أخرى، منها “المنتدى الثقافي” في مدينة الحسكة، و”منتدى جلاديت بدرخان الثقافي” في مدينة القامشلي، في أقصى شرقي سورية، و”منتدى عبد الرحمن الكواكبي” في مدينة حلب، و”منتدى المدى الثقافي” في مدينة حمص، و”المنتدى الثقافي” الذي أعلنت عنه السيدة نجاح ساعاتي في مدينة حمص أيضاً، و”الندوة الثقافية” التي أقامها الأديب والروائي نبيل سليمان في منزله باللاذقية، و”منتدى اللاذقية الثقافي” الذي أعلنت عنه السيدة سهير الريس، عضو مجلس الشعب، و”منتدى بانياس الثقافي” ومنتديان في مدينة طرطوس الساحلية، و”منتدى حمص للحوار” الذي أقيم في منزل الأستاذ نجاتي طيارة، و”منتدى اليسار” في إحدى ضواحي دمشق، و”منتدى جرمانا الثقافي”، ومنتدى جديد يعنى بحقوق المرأة في إحدى ضواحي دمشق، ومنتدى ذي طابع إسلامي مستنير في منزل الأستاذ مظهر جركس في ضاحية دمشق الشرقية، و”منتدى الحوار الديمقراطي” في مدينة السويداء، وغيرها كثير في مدينة دمشق وضواحيها وفي المدن والمناطق السورية الأخرى.

حاضر في هذه المنتديات عدد كبير من مثقفي سورية ومفكريها، حيث ضمت طيفاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واسعاً، وازدهرت فيها لغة الحوار وثقافة الحوار وتبلورت جملة من المطالب الجماعية عبرت عنها تباعاً البيانات والوثائق العلنية والكتابات. كان من أهمها البيان الذي وقعه 99 مثقفاً سورياً طالبوا فيه برفع حالة الطوارئ التي فرضت على البلاد طوال أربعين عاماً، وبإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، وبالإفراج عن المعتقلين السياسيين والسماح بعودة المبعدين، وبإطلاق الحريات السياسية، وإصدار قانون للأحزاب والجمعيات وقانون لتنظيم الصحافة، وغير ذلك مما يتعلق بالحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن وسيادة القانون.

خلال هذه الأنشطة، برزت مقولة المجتمع المدني في معارضة السلطة الشمولية والمجتمع الجماهيري وإلغاء الحياة السياسية وإفقار الشعب وتهميشه. تجلت هذه المقولة بجميع منطوياتها الفكرية والاجتماعية والسياسية في “الوثيقة الأساسية” التي أصدرتها الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني، والتي وقع عليها نحو 1200 من المثقفين والناشطين في الحقل العام من كتاب وصحفيين وفنانين ومحامين ومهندسين وأطباء وجامعيين ومعلمين ومدرسين من الجنسين. هذه الوثيقة التي أطلقت عليها الصحافة اسم “بيان الألف”، تلتها وثيقة ثانية حملت اسم “نحو عقد اجتماعي وطني في سورية، توافقات وطنية عامة” ولقيت كالوثيقة الأولى قبولاً طيباً من مختلف القوى والفعاليات الاجتماعية والسياسية. كذلك صدر بيان المحامين الذي أكد مطالب البيانين السابقين. كما وتزايد الاهتمام بحقوق الإنسان، فأعلنت لجان الدفاع عن حقوق الإنسان عن إعادة تشكيلها واستئناف نشاطها بشكل أكثر علنية، وأصدرت عدداً من البيانات وتقريراً سنوياً. وكان هناك مساع جادة لتشكيل لجنة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في سورية، (أفضت للإعلان بتاريخ 2/7/2001 عن تأسيس “جمعية حقوق الإنسان في سورية” التي عقدت أول جلسة لها بتاريخ 30/7/2001 في دمشق حيث انتخبت هيئتها الإدارية ـ المحرر).

لقد أسهمت هذه الحركة المجتمعية التي بادر إليها المثقفون وآزرتها أحزاب المعارضة الوطنية الديمقراطية، ولاسيما الأحزاب المنضوية في إطار التجمع الوطني الديمقراطي، في كسر حاجز الخوف، ونبذ العنف بجميع صوره وأشكاله من العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتحقيق نوع من تواصل بين المثقفين والحركة السياسية. كما وبدأت تظهر ملامح عقد اجتماعي جديد على مبادئ حرية الفرد وحقوق الإنسان، وعلى مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون.

كان لوثيقة التوافقات الوطنية العامة التي أصدرتها الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني تغطية إعلامية أقل وأثر أوسع وأعمق لدى جميع المهتمين بالشأن العام من السوريين داخل البلاد وخارجها. حتى أن حزب الأخوان المسلمين المحظور في سورية، والذي كان قد نوه ببيان الألف وأعلن تضامنه معه، أصدر “ميثاق شرف” يكاد يكون مطابقاً لوثيقة التوافقات الوطنية العامة. يدور مضمونه حول نبذ العنف والدعوة إلى حوار وطني شامل، حيث يقر بالتعددية الفكرية والسياسية وبالمبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ويرى في الدين هوية حضارية لا مذهباً سياسياً.

لقد أخذت خلال الأشهر الفائتة تتبلور ملامح حياة ثقافية وسياسية جديدة. فتعمق الميل إلى حوار وطني شامل علني وصريح، وإلى مصالحة وطنية تفضي إلى طي ملف الماضي والخروج من حالة الاحتجاج السلبي والإضراب المقنع إلى حالة المشاركة الإيجابية، وتمهيد طريق آمنة للانتقال إلى دولة حق وقانون ونظام ديمقراطي، وتغيير الحاضنة الثقافية التي نمت فيها الدولة التسلطية بحاضنة ديمقراطية. وحاول الشعب السوري، ولا يزال يحاول، مساعدة السلطة على الخروج من أزمتها المزمنة، بإنتاج فضاء ثقافي وسياسي مشترك معها في ضوء بعض مقولات خطاب القسم، الذي يرى فيه المتملقون برنامجاً رئاسياً كاملاً ونموذجياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ وهو ليس كذلك بالطبع ـ ولكن السلطة ما تزال تمانع وتمنع.

ردت السلطة على مطلب الحوار الوطني بقرار إغلاق المنتديات واتهام المثقفين وتخوينهم، والإمعان في احتكار الحقيقة والوطنية وفي الفساد الذي لم يتوقف ولم يفتح ملفه بعد، إذا كان له أن يفتح. وشنت القيادة القطرية لحزب البعث (وجل أعضائها ممن يقال إنهم من رموز الفساد وممن كانوا سيقالون ويحاسبون في المؤتمر القطري الذي عقد بعد وفاة حافظ الأسد)، تساندها أحزاب ما يسمى بالجبهة الوطنية التقدمية وجميع الأجهزة الأمنية، حملة تشهير وتخوين على الشعب “الغبي والجاهل الذي لا يستحق الحرية”، وعلى المثقفين “المتعاملين مع السفارات الأجنبية” ومع القوى الشيطانية الخارجية. كما وراحت تعبئ الحزب والمنظمات الشعبية ضد المجتمع المدني، وأوغرت صدر رئيس الجمهورية على الثقافة والمثقفين. فذهب في مقابلته مع صحيفة “الشرق الأوسط” وفي بعض تصريحاته اللاحقة بخلاف ما قال به في خطاب القسم، وراح يضع من الخطوط الحمر ما يوحي بأنه لا مجال لحرية الرأي والضمير، ولا مشروعية للرأي الآخر ما لم يكن مطابقاً لرأي السلطة. فالآخر الذي تعترف به السلطة هو نسخة كربونية عنها أو ينبغي أن يكون كذلك.

يأتي هذا كله تحت عنوان أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري، وعدم الحاجة إلى إصلاح سياسي. فالأوضاع السياسية كما تبدو لسيادته بخير، مع أن فساد الجبهة الوطنية التقدمية العتيدة يزكم الأنوف. فغدا كل حديث عن الإصلاح السياسي يعني افتراء على تاريخ سورية الحديث وعلى نهج الرئيس الراحل حافظ الأسد، ومحاولة للنيل من حزب البعث والانقضاض على سلطته. ولعل هذا ما دفع المفكر المرموق أنطون مقدسي إلى القول في مطلع رسالته إلى السيد رئيس الجمهورية:

“الإنسان، فرداً وجماعة بمستقبله. الماضي حاضر بدون شك في المستقبل على أنه بعد من أبعاده. العكس لا يمكن أن يكون صحيحاً، لأن المستقبل دوماً مفاجئ. وهذه مسألة على كل منا نحن العرب أن يعيشها. لأن الإنسان العربي يرى دوماً أن عصره الذهبي سبقه وعليه أن يعود إليه. مع أن التجربة اليومية تبين لنا بوضوح أن الماضي، أياً كانت قوة حضوره في الحاضر أو في المستقبل، قد مضى وانقضى، ولن يعود أبداً”.

في ظني أن شيخ المثقفين السوريين المجنون بحب وطنه وأهله يحاول أن يلفت نظر الرئيس الشاب إلى أن الماضي مضى ولم يعد له سوى قيمة تفسيرية. وأن أناس ذلك الماضي لم يكونوا على صواب دوماً ولا على خطأ دوماً. وكأني به يستعيد قول الشاعر العربي: ما بقومي شرفت بل شرفوا بي، وبنفسي فخرت لا بجدودي. ليقول له: سيدي الرئيس أنت رئيس الجمهورية، لا ابن رئيس الجمهورية. ومن ثم فإن من واجبك أن تحافظ على الجمهورية وتدافع عنها، لا أن تحافظ على تراث أبيك وتدافع عنه، مهما يكن ذلك التراث عظيماً، في نظرك، ومدعاة للفخر. فإن الحياة تجري، كماء النهر لا تستطيع أن تسبح فيه مرتين.

يبدو للباحث أن السلطة اليوم في موقف متردد بين الحاجة الماسة إلى الإصلاح والخوف من نتائجه المتوقعة، والمتوهمة. وهو خوف تمليه شبكة من الرؤى والمصالح الخاصة التي أنتجتها عملية تملك الدولة. لذلك تدور أحاديث لا معنى لها حول أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري على الإصلاح السياسي. كأن مجالات الحياة الاجتماعية متخارجة ومتفاصلة، وكأن الإصلاح الجدي في أي من هذه المجالات لا يقتضي إصلاحاً موازياً في المجالات الأخرى أو لا يفضي إليها. فالسلطة، التي اعترفت لأول مرة بالركود الاقتصادي والفساد الإداري، ولاسيما فساد القضاء والتعليم والإعلام، فأخرجها هذا الاعتراف من وضعية القبول التام والتصديق التام ومن حالة الازورار عن الواقع إلى الاعتراف ببعض حقائقه، تبدو وكأنها لا تستطيع ولا تريد أن تعترف بالأزمة السياسية التي باتت نسقاً مولداً لسائر الأزمات الأخرى. لكن الإصلاح لا ينطلق، في اعتقادنا، قبل الاعتراف بالأزمة السياسية، ونقد تجربة العقود الماضية نقداً يذهب عميقاً إلى الأسس التي قامت عليها السياسة منذ الثامن من آذار 1963.

فإذا أخرجنا هذه المسألة من دائرة التفاؤل والتشاؤم، أي من دائرة الذاتية، إلى دائرة الاحتمالات والممكنات، أي دائرة الموضوعية، يمكن القول: إن إصلاح الأوضاع القائمة في البلاد بات ضرورة راهنة وملحة. والسلطة، التي ما يزال زمام المبادرة في يدها، ولا تزال هي القوة الحاسمة في عملية الإصلاح، هي إزاء أحد خيارين حظوظهما متساوية: إما أن تغلق الأبواب التي فتحتها بنفسها وتنتظر ما يأتي به الزمن، وإما أن تمضي قدماً في الطريق الإجبارية الشائكة والمحفوفة بالمخاطر ما لم تجر مصالحة وطنية تمكن قوى المجتمع المدني من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية. لكن يبدو أنه أمام السوريين فسحة واسعة من الزمن على رصيف الانتظار.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ لا نتفق مع التفريق الذي أقامه خلدون حسن النقيب بين الدولة التسلطية و”الدولة” السلطانية، من حيث تماثلهما في درجة الاستبداد وتفاوتهما في القدرة على تنسيق بنى المجتمع. وندعي أن ثمة تلازماً بين الاستبداد وتنسيق بنى المجتمع وامتصاص قواه. ولعل أبرع من وصف الدولة السلطانية واسقط أبرز خصائصها على الدولة التسلطية “الحديثة” هو جمال الغيطاني في رائعته “الزيني بركات”.

2 ـ خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي، دراسة بنائية مقارنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2 ، 1996، ص 24 ـ 25.

3 ـ حول هذه المسائل يمكن مراجعة النقيب في المصدر المذكور، وحنة أرندت في أسس التوتاليتارية، وإدغار موران في “مقدمات للخروج من القرن العشرين” و”روح الزمان” في جزأين، ومجموعة من الباحثين العرب في “الدولة والمجتمع في الوطن العربي”. وقد استندنا على كتاب خلدون حسن النقيب بوجه خاص لشدة تعلقه بموضوع البحث.

4 ـ راجع النقيب، مصدر سابق، ص 32 وما بعدها.

5 ـ النقيب، المصدر نفسه، ص 36 ـ 37.

6 ـ ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجية المهزومة، ط2 ، دار الحصاد، دمشق، 1997، ص172.

7 ـ ياسين الحافظ، المصدر نفسه، ص 174 ـ 173.

8 ـ المصدر نفسه، ص 213 ـ 212.

9 ـ باتريك سيل، الأسد: الصراع على الشرق الأوسط، ترجمة المؤسسة العامة للدراسات والنشر والتوزيع، بدون التاريخ ومكان النشر، ص 132.

10 ـ المصدر نفسه، ص 133.

11 ـ المصدر نفسه، ص 133.

12 ـ من رسالة بعث بها المفكر السوري المعروف أنطون مقدسي إلى السيد رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد بتاريخ 3/5/2001. والأستاذ المقدسي من الرعيل الأول من البعثيين. يقول في رسالته هذه: ليس الحزب هو الذي استلم الحكم في 8 آذار، بل الجيش الذي كون حزباً جديداً فاض أعضاؤه على المليون ونصف.

13 ـ باتريك سيل، المصدر نفسه، ص 142.

14 ـ المصدر نفسه، ص 174.

15 ـ حنة أرندت، أسس الدولة الشمولية، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي، بيروت،ط1، 1993، ص221 وما بعدها.

16 ـ حنة أرندت، المصدر نفسه، ص 17.

17 ـ نستعمل مفاهيم الدولة السياسية والسلطة السياسية والحزب السياسي مقابل دولة الحزب الواحد أو الحزب القائد والسلطة الثورية، في إهابها الأبوي الذي يخفي حقيقتها العسكرية وطبيعتها الأمنية، ومقابل الحزب الأيديولوجي وبالتضاد معها. أو لنقل إننا نستعمل مفهوم السياسة مقابل مفهوم الأيديولوجية وبالتضاد معها.

18 ـ نميز هنا الصراع الطبقي، بوصفه منطق التاريخ، كما عبر عنه كارل ماركس، من صراع “القبائل الحديثة” على السلطة والثروة الذي جرى في بلادنا وغيرها من البلدان المتأخرة. وهو صراع دام لم يكسب فيه أحد سوى بصورة شخصية محضة وبأساليب غير مشروعة دوماً.

الفصل الثاني

الأساس الاجتماعي للتحولات السياسية في سورية

سلامة كيلة(*)

 

(1)

إن تناول التكوين الراهن للسلطة السياسية يفرض البحث في أساسها الاقتصادي الاجتماعي، لأن “السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد” وفق رأي معروف للينين(1). وربما كانت دراسة التحوّلات التي أحدثها الجيش في عدد من البلدان العربية (وربما في مواقع أخرى من العالم الثالث)، توضح عمق هذه الفكرة الأساسية. حيث ستبدو حركة الجيش كتعبير عن تململ الريف وأزمته(2) وكذلك التعبير عن ميله لتغيير ميزان القوى. بما يعيد ترتيب “العلاقة” بين الريف والمدينة(3) من جهة، وبين المالكين (ملاك الأرض) والفلاحين من جهة أخرى. لهذا ستبدو هذه الحركة مختلفة عن كل التحولات التي حدثت في القرنين التاسع عشر والعشرين، لأنها حركة ريف بامتياز. لقد هدفت بالأساس لإعادة صياغة وضع الريف، رغم أنها حملت “حلم” تحقيق نهوض شامل يستند إلى تطوير الصناعة ويؤسس لبناء مجمع صناعي حديث.

لعبت البرجوازية الناهضة دور تحقيق التحوّلات وأسست لنشوء النمط الرأسمالي الحديث الذي فرض أن تصبح الرأسمالية التابعة هي الشكل الوحيد للرأسمالية في الأطراف. ذلك في إطار سوق اقتصاد عالمية يسيطر عليها الغرب الرأسمالي، حسب ما يعتقد د. هشام شرابي(4).

بذلك استمر التكوين الريفي لهذه المجتمعات وتعمق، وكذلك تداخل ومصلحة الرأسمال في المراكز، ليبدو التطور الصناعي محتجزاً(5) ويبدو كذلك أن التناقض في الريف هو الذي يحكم مجمل التناقض في المجتمع. حيث يشتد تمركز الملكية العقارية ويتعمق اضطهاد الفلاحين وإملاقهم، ولتكون السلطة/ الدولة هي سلطة كبار الملاّك بالأساس المتشابكين مع الرأسمالية التابعة، رأسمالية التجارة والمصارف والمضاربات.

كان البديل عن “التطور الطبيعي” (الترسمل عبر تشكل رأسمالية صناعية وهيمنتها) هو الثورات التي تقودها أحزاب ماركسية، والتي أفضت ـ بالاستثناء إلى الريف ـ إلى فتح أفق التصنيع والتحديث، (وإن كانت قد حققت كل ذلك تحت إدعاء تحقيق الاشتراكية). وبالتالي إعادة تشكيل المجتمع على أسس جديدة لعبت الفئات ذات الأصول الريفية دوراً مهماً فيه (وفي شكله). بهذا كان الريف منقاداً لفئات مدينية ولأفكار حديثة (وإن كان قد أثر فيها بصيغة ما).

دور الجيش جاء في المسافة بين احتجاز التطور الرأسمالي والعجز الواقعي عن أن تلعب الأحزاب الماركسية دور المحقق لآليات التطور، ليبدو وكأن تناقضات الريف هي التي حكمت مجمل العملية. لقد بدا وكأن الفلاحين الفقراء هم من يحدد مسار التطور وطبيعته وشكله كذلك، وليتحوّلوا إلى “طبقة مهيمنة في أواسط القرن العشرين”(6).

إن تناول الأنظمة التي حكمتها الحركة القومية العربية بالدراسة يفترض أن نلحظ طابعها العسكري أولاً، والريفي ثانياً. وهما أساس تكوينها الشمولي وسلطتها الاستبدادية. إنهما في جذر ذلك. وستبدو مصالح الفئات التي لعبت هذا الدور من جهة، وطبيعة وعيها ومستوى الايديولوجيا التي تنحكم لها من جهة ثانية، في أساس هذا الشكل من السلطة، الذي أسماه هشام شرابي المجتمع البطركي الملقح بالحداثة(7)، المنحكم لسلطة بطركية محدثة(8). هذا ما نلاحظه في الثورات في مصر، سورية، العراق، والسودان، واليمن الشمالي، رغم الاختلافات الممكنة بينها.

هذا يعني، ونحن نتناول وضع سورية، العودة إلى الجذور الطبقية للفئات التي أحدثت التغيير منذ 8 آذار 1963. ويعني بالتالي، أن نبحث في المشكلات الأساسية التي كان يعيشها المجتمع والتي قادت إلى أن تلعب هذه الفئات دوراً محورياً في المرحلة التالية.

(2)

بعد انقلابات متعددة لم تدم طويلاً سيطر الجيش على السلطة في 8 آذار 1963 (عبر تحرك ضباط من رتب عسكرية دنيا). ورغم أن حزب البعث هو الذي أصبح الحاكم (بعد تصفية الناصريين في تموز 1963)، إلا أن السلطة بدت كأنها في قبضة الجيش. لقد صنع الجيش انقلاب 8 آذار 1963 وأتى بالحزب إلى الحكم، ليعاد تشكيل الحزب بعد أن حلّ نفسه سنة 1958 على مذبح الوحدة مع مصر. وكان آنئذ في مرحلة تجميع قواه بعد الانفصال في أيلول 1961. لهذا كان تحرّك “بعثيي” الجيش أسبق من تحرك الحزب، ولهذا جاء إلى السلطة بقوة الجيش وليس بقوته كحزب.

لقد كانت مرحلة 63 ـ 66 (أي حتى انقلاب شباط 1966) هي مرحلة الصراع بين الحزب والجيش، أو هكذا كانت في الجوهر (أي اللجنة العسكرية من جهة وقيادة الحزب من جهة أخرى). فما لبثت أن انتهت بالتخلص من سيطرة الحزب تدريجيا، ليتحول منذ سنة 1970 إلى واجهة. لكن مرحلة 1966 ـ 1970 (وربما أيضاً منذ تصفية الناصريين في الجيش في تموز 1963) هي مرحلة الصراع بين مراكز قوى في الجيش ذاته حسمت في 16 تشرين الثاني سنة 1970.

يشير غسان سلامه إلى أن “الجيش المشكل من قبل الاستعمار الفرنسي استند ـ وفق خطة الاستعمار الفرنسي ذاته ـ إلى قوة نظامية قوامها البشري من الأقليات على تنوعها. لهذا ورثت دولة الاستقلال جيشاً قوامه من الأقليات، وإن كان يقاد من ضباط اختيروا من أبناء كبار ملاّك الأرض. وستقود الانقلابات المتوالية إلى تراجع دور العديد منها، حيث أصبح دور الأكراد هامشياً، وضعف دور الضباط السنة ذوي الأصول المدينية، ثم تراجع “دور الضباط الدروز”، أو ذوي الاصول الحورانية إقليمياً، بينما بقي دور الضباط المسيحيين محصوراً بالأمور التقنية وغير السياسية،...”(9).

إذا كانت الدراسات المختلفة تولي البعد الطائفي جلّ اهتمامها(10)، فسنناقش المسألة من زاوية أخرى، لأننا نراها أكثر عمقاً وتعبّر عن الواقع بشكل أدق، بحيث يبدو “البعد الطائفي” فيها كمدخل له أو كتعبير عن مستوى آخر. لهذا ستبدو الصراعات، ومن ثم التصفيات، كنتيجة لتناقضات واقعية وكتعبير عن صراع بين فئات اجتماعية مختلفة ومتخالفةـ ما دمنا ننطلق من أنه ليس من قوة أو سلطة بلا أساس طبقي وما دامت تبدو السلطة أو يبدو الجيش (أو الأحزاب) كتعبير عن طبقة أو “قطاع” فيها.

وفق ذلك سيبدو انتقال مركز الهيمنة من الحزب إلى الجيش كتعبير عن الانتقال من هيمنة الفئات المدينية (التي كانت قوام قيادة الحزب وكادره النشط) إلى هيمنة الفئات الريفية(11). هذه الفئات التي دخلت كذلك في عملية تصفية فيما بينها أفضت إلى هيمنة تمركز محدد في حكم البلاد طيلة السنوات الثلاثين الماضية. لكن إذا كان الجيش قد لعب الدور الأساسي في استلام السلطة، فقد فرض في النهاية مصالح فئات إجتماعية محددة. وتبدو ملاحظة فؤاد شحادة الخوري على قدر من الدقة، حيث يشير “إن تدخل العسكر في السياسة وسيطرته على مقدرات الحكم قد حصل في البلدان العربية التي تتسم بالنظام الفلاحي ـ الزراعي، كسورية ومصر والجزائر والسودان والعراق”(12). حصل في البلدان “التي تتصف مجتمعاتها بالتنظيمات الفلاحية ـ الزراعية المنبثقة من خلفية إقطاعية..”(13). لهذا يلاحظ د. خلدون حسن النقيب بأن معظم الضباط جاءوا من المدن الصغيرة والريف “ولم يأتوا من المراكز الحضرية الرئيسية” و”إن الغالبية العظمى من هؤلاء الضباط جاءت من الفئات الفقيرة والمسحوقة من الطبقة الوسطى الريفية والحضرية الهامشية”(14).

لا شك في أن حنا بطاطو هو أكثر (وربما أوّل) من حاول تناول الأساس الاجتماعي للفئات التي حكمت عبر الجيش. لهذا اعتبر بأن الثورات التي تحققت في مصر وسوريا والعراق، كانت عبر تحالف جماعات مختلفة تتقاسم جذوراً وتوجهات ريفية متشابهة(15). وهو يؤكد على “تغلغل الريفيين عميقاً في الجيش السوري”(16). “فقد كانوا كما يجدر بالمرء أن يتذكر أناساً من أصول ريفية ومتواضعة، وسلكوا مسلكهم على هذا النحو، أي حسب ما أملاه وضعهم البنيوي من نوازع غريزية وميول طبيعية”(17). ولا شك في أن دراسة نسبة الجنود والضباط من أصول ريفية في مجمل الجيش توضح الطابع الريفي له، وسيوضح تكوين الأنظمة التي أسسها هذا الطابع كذلك.

إن الفارق بين انقلاب 8 آذار 1963 والانقلابات السابقة يتحدد في أنه تحوّل إلى صيغة لتغيير التكوين الاقتصادي الاجتماعي بمجمله (ربما انقلاب حسني الزعيم حاول شيئاً من ذلك). وإذا كانت بداية التحولات قد تحققت مع الوحدة المصرية السورية، فإن كل التكوين التالي جاء نتيجة السياسات التي اتبعت بعد ذلك (إكمال الاصلاح الزراعي، والتأميم...). والسؤال الذي يطرح هنا يتعلق بالظروف التي فرضت أن يتكوّن الجيش من فئات ريفية؟ ولماذا لعب هذا الدور؟ وعمّا عبّر؟.

إذا كان الاستعمار الفرنسي قد استند إلى الأقليات وهو يؤسس الجيش الذي يخدم مصالحه، فقد تطابق هذا الاختيار ووضع هؤلاء الريفي. لكن سنلاحظ بأن الجيش تأسس فعلياً بعد الاستقلال سنة 1946، حيث لم يكن قبل ذلك سوى قوة صغيرة. لهذا يجب أن ندرس أسباب الانخراط في الجيش بعيداً عن محاولة الاستعمار الفرنسي الإفادة من بعض مجندي الأقليات في تنفيذ سياساته.

المسألة هنا تتعلق بأن الجيش في التكوين الفلاحي ـ الزراعي يوفر للريفيين “وسيلة للارتقاء الاجتماعي”، سواء كان الحكم للعسكريين أو المدنيين(18). حيث تصبح الوظيفة في الجندية أو في الدولة وما يتأتى عنها من ضمانات صحية وعائلية “هدفاً يصبو إليه العامة بشغف مرموق”. ذلك في وضع يكسب الفلاحون لقمة العيش بالمشقة وبالالتزام والارتهان إلى صاحب الأرض والرأسمال(19). بالتالي ستعتبر الوظيفة هنا “جنة الوظائف”، حيث أن الجيش أول من اتبع سياسة الضمانات في العمل كالضمان الصحي والتعويضات العائلية والتأمين وقواعد التقاعد والترقي والمكافئات. إضافة لكونه يوفر الملبس والمأكل والمسكن، “فيصبح إذاك مثالاً للإنعاش الاجتماعي”(20).

بمعنى أن وضعاً ريفياً مزرياً سوف يدفع الفلاحين لـ “العمل” في الجيش كي يصبح ممكناً لهم العيش. ذلك دون أن نتجاهل هنا أن هذا الاندفاع نحو التجنيد في الجيش تزايد بعد الاستقلال، وبعد هزيمة فلسطين سنة 1948، ومن ثم تصاعد المدّ القومي. بالتالي، لا يمكن تجاهل أثر المسألة الوطنية وانعكاس الوضع المزري في الطموح لتحقيق الوحدة والتقدم (وهذا هو سبب إنتماء الضباط الريفيين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي). وهو ما سنلمسه حين نتناول مطامح الريف، مع الملاحظة بأن مشكلة وضع الريف ستبقى أساسية هنا، خصوصاً فيما يتعلق بما جرى فيما بعد، أي بعد استلام هؤلاء السلطة.

لقد نشأت أزدواجية “المشروع العام” (أي مشروع الوحدة والتقدم)، والطموح الفردي (أي مسألة الارتقاء الطبقي). بمعنى أنه إذا كان الوضع المزري في الريف قد أسس لنشوء الميل لتحقيق “الوحدة والتقدم”، فقد فتح استلام السلطة الباب أمام تجاوز الوضع المزري ذاته. وهنا تغلب الفردي على العام، وبالتالي تحوّل العام إلى “شعارات” عبر السقوط التدريجي لأهداف الوحدة والتصنيع والتحديث.

(3)

إن دراسة طبيعة السلطة تفرض دراسة الأساس الاجتماعي للفئات التي أصبحت هي السلطة. وقد أشرنا إلى أن الفئات الريفية الفقيرة هي التي غدت مهيمنة، وغدت هي السلطة. مما يقودنا إلى البحث في وضع الريف، حيث ستبدو التناقضات التي حكمته في أساس كل السياسات الاقتصادية التي اتبعت. والتي كان لها هدف محدد: هو إعادة توزيع الثروة في المجتمع، سواء بهدف تعديل العلاقة بين الريف والمدينة، وبالتالي تجاوز “الظلم التاريخي” الذي عاشه الريف من جهة، أو لكي تتأسس طبقة مالكة جديدة من جذور ريفية انطلاقاً من ميزة الهيمنة تلك من جهة أخرى.

سنلاحظ هنا أولاً بأن الطابع الريفي هو الذي كان سائداً. أما المدن فقد كانت “هوامش” رغم أنها كانت تهيمن على الريف وتمتصّ الفائض منه(21) وتتحكم بوضعه عبر كونها “مركز استقرار” ملاّك الأرض (الإقطاع) ومركز الدولة التي هي دولتهم(22). بمعنى أن النمط الزراعي ـ الفلاحي هو الذي كان يطبع المجتمع. لقد كان سكان الريف يشكلون أغلبية السكان(23)، بينما بدت المدن وكأنها “مستوطنات غرباء يعيشون على حساب سكان الريف الفقراء”(24). وهذا يضعنا إزاء تكوين فلاحي، يفرض البحث في تناقضاته التي هي في أساس التحولات التي حدثت فيما بعد.

المعلومات متوفرة حول توزّع ملكية الأرض والانقسام الطبقي الحاد، حيث عانت الملكية من “التركيز الشديد”(25)، ليمتلك 2.5• من السكان 45• من الأرض المروية صناعياً، و30• من الأرض المروية بالمطر، بينما كان 82• من سكان الريف قبل سنة 1958 “لا يملكون أي أرض زراعية، أو يملكون أرضاً مساحتها دون 10 هكتارات”، منهم حوالي 70• “لا يملكون أي عقار زراعي”(26). يشير بوعلي ياسين إلى أن الأسر الإقطاعية التي كانت تمثل 1.4• من السكان ملكت 68.2• من الأرض. أما الملاّك الكبار، الذين كانت نسبتهم من السكان 0.3•، فقد ملكوا 9.1• من الأرض، بينما بلغت ملكية الأسر الفلاحية المالكة (والذين نسبتها 31.5• من مجموع السكان) 22.7• من الأرض، في حين بقيت نسبة 66.8• من السكان أسر معدمة(27). لهذا اختل توزيع الدخل في الريف اختلالاً واسعاً، حيث حظي الملاّك الكبار (ونسبتهم 15•) بـ 60• من مجموع الدخل الزراعي، والمتوسطون (ونسبتهم 10•) بـ 10• من مجموع الدخل الزراعي، بينما لم يحظ صغار الملاّك والمعدمون (ونسبتهم 75• من مجموع سكان الريف) سوى بـ 30• من مجموع الدخل الزراعي(28).

يشير عبد الله حنا إلى أن دخل الفلاحين، خصوصاً الفقراء منهم، كان منخفضاً إلى درجة رهيبة بحيث لم يكن بإمكانهم تجديد قوة عملهم إلى المستوى الضروري من أجل العمل بنشاط في الأرض وإنتاج الخيرات المادية(29). كان وضع الفلاحين يرضخ لمسألتين: الأولى، تتعلق بـ “الاضطهاد الإقطاعي”، وهذا يخص الفلاحين الذين يعملون في أرض الإقطاعيين، والثانية بالملكيات الصغيرة التي غالباً ما كانت لا تفي بإعالة الفلاح.

يقول بوعلي ياسين “إن الملكيات الصغيرة تنتشر بالدرجة الأولى في محافظات حوران وجبل الدروز ثم اللاذقية ودمشق، في حين أن الملكيات الكبيرة وأراضي أملاك الدولة تهيمن في محافظتي حمص وحماة وكذلك في محافظات الفرات والجزيرة وحلب”(30). لقد أسس هذا الوضع لإشكاليتين: التملك المحدود مع الفقر المدقع، خصوصاً في الأرض الجبلية القاحلة (جبال الساحل)، والاستغلال الطبقي الوحشي. حيث بدا أن الأغلبية الساحقة من الفلاحين إما فلاحون فقراء أو يعملون في أراضي كبار ملاّك الأرض. مما جعلهم يقعون بتناقض عنيف بين كبار ملاّك الأرض من جهة، و”المدينة/ الدولة” التي هي عنصر نهبهم واستغلالهم واضطهادهم من جهة أخرى.

إذا كان هؤلاء الفلاحون يسعون لتغيير هذا الواقع، ويحلمون بالمساواة (وبالوحدة والتصنيع والتحديث كما سترتبط عبر فعل بعض الأحزاب أو عبر إحساس عفوي)، فإن التطورات قد أوضحت بأن المناطق الأكثر فقراً هي التي سيطرت أخيراً. حيث انهزمت كل “الكتل العسكرية” الأخرى، سواء المدينية منها (دمشق، حلب)، أو الريفية (حوران، السويداء..).

جبال الساحل “من أكثر المناطق السورية حرماناً وتأخراً، بل كانت متخلفة عن بقية مناطق الدولة في كثير من الحالات”(31)، “وكان أكثر الفلاحين من سكان السهول غربي جبال العلويين وجنوبها وشرقها عدداً وأشدهم فقراً من العلويين بلا ريب”، يعملون في فلاحة أراضي الملاكين الأوسع ثراءً في اللاذقية وجبلة وبانياس، “فضلاً عن خدمتهم في أراضي كبار الملاكين” في حماة وعكار. وهنا يؤكد بطاطو على مسألة التوافق بين التقسيمات الطائفية والطبقية(32)، والذي سيصبح أساس دراسات لاحقة(33).

لقد قاد الاضطهاد المزدوج لتعميق الاستغلال الطبقي وأسس لنشوء حالة من “الاسترقاق”(34). ففي زمن العثمانيين كان الفلاحون هدفاً لاضطهاد السلطنة التي أثقلتهم بالضرائب والسخرة. ولم يكن يتاح لهم أكثر من نصيب المرابع، حيثما كانوا يعملون في السهول والقرى، التي كانت بالأساس جزءاً من “أملاكهم” عندما كانت أرضاً مشاعاً، ثم انتقلت ملكيتها إلى التجار الأعيان. ولم يتحسن الوضع زمن الاستعمار الفرنسي. الأمر الذي دفعهم إلى دخول قوات الدولة بأعداد كبيرة(35).

نلاحظ تزاوج الفقر والتخلف، وكذلك الاضطهاد الطبقي والاضطهاد الطائفي (الأخير كان مدخلاً لتوحش الاضطهاد الطبقي وهو الهدف الأساس). هذا الوضع كان يؤسس لمسألتين: الأولى اقتصادية، تتعلق بالطموح لحل أزمة الفقر والاضطهاد الطبقي، والثانية سياسية، تتعلق بأساليب السيطرة بعد أن أصبحت هي القوة المهيمنة. سيؤسس الفقر والتخلف وطبيعة التكوين الاجتماعي عموماً لآليات من السيطرة لها “مذاقها الخاص”، وستبدو المسألة وكأنها مسألة “تعويض” عن فقر مزمن واضطهاد فظيع، يتحقق عبر آليات قهرية وفي صيغة “فظة”. بمعنى أن شكل السلطة كان يجب أن يخدم عملية التحول الطبقي.

يلاحظ بطاطو استناداً إلى الدليل الاحصائي بأن الجزء الأكبر من المكون الرئيسي للطبقة الوسطى في الجهاز الحكومي والقطاع العام هو “ذو أصل ريفي حديث نسبياً”(36). وهذا ما يلاحظه كذلك سلامه حيث يشير للأصول الفلاحية للنخبة الحاكمة(37). نتحقق هذه المسألة عبر عملية واسعة من التحوّلات ابتدأت بقانون الإصلاح الزراعي لكنها تشعبت إلى مختلف المناحي. فإذا كان قانون الإصلاح الزراعي قد حررّ الفلاح من أسر العلاقات الإقطاعية، أدى تحويل السياسات الاقتصادية إلى نشوء مجالات عمل جديدة لم تكن متوفرة في السابق.

يمكننا هنا رصد ثلاثة متحوّلات هامة:

ـيتعلق الأول منها بتأميم الصناعة والسياسات الصناعية التي اتبعت والتي كانت مدخلاً لاستيعاب “جيش العمل الاحتياطي”. فقد أصبح التصنيع هدفاً مركزياً في التكوين الجديد وبالتالي أصبح مجالاً لاستيعاب الفلاحين المتدفقين إلى المدينة.

ـ المتحوّل الثاني يتعلق بإقرار مجانية التعليم وبالتالي انفتاح الأفق أمام أبناء الريف للتعليم ومن ثم الحصول على “وظيفة مناسبة”. لا شك في أن هذه المسألة كانت حلماً ريفياً بامتياز، لأنها كانت تؤسس لعملية “ارتقاء طبقي” كان الريف يحتاجها.

ـالمتحوّل الثالث يتعلق بتضخم أجهزة الدولة وخصوصاً الجيش(38) (بغض النظر عن السبب، وهو على كل حال سبب سياسي يتعلق بالصراع مع الكيان الصهيوني ومع الإمبريالية). وستصبح ميزانية الجيش هي الكتلة الأضخم من مجمل ميزانية الدولة(39).

يمكن أن نشير أيضاً إلى تلاشي علاقة ريف/ مدينة التي كانت قائمة قبل الثامن من آذار 1963، واندراج الريف في “حياة مدنية جديدة”، حيث بدأ التغير في التكوين العام للمجتمع ولمصلحة التركز في المدن(40). لكن “مفارقة” قد حدثت في الواقع، تتمثل في أن “السياسة” التي اتبعت كانت تقوم على تعميم ملكية الأرض في الريف من جهة، والتأميم وسيطرة الدولة على الصناعة والتجارة من جهة أخرى.

لقد بلغت المساحات المستولى عليها منذ القانون رقم 161 لعام 1958 إلى 30/12/1969 حوالي 1.5 مليون هكتار(41)، وزع معظمها على الفلاحين(42). مما أفضى إلى “ازدياد نسبة الحيازات الصغيرة إلى حوالي 76• من مجموع المساحة الزراعية، ولتمثل الملكيات بين 2 ـ 25 هكتار حوالي 93• من إجمالي المساحة الزراعية، مما جعلها تشكل “القاعدة الأوسع”(43) في الريف. إن مقارنة بين ما كان سائداً في الأربعينات والخمسينات وسنة 1970 توضح إن ما كان يبلغ حوالي 30• من مجمل الملكية قفز سنة 1970 إلى حوالي 87•، في حين تراجعت الملكيات الكبيرة من 49• من مجموع الملكية إلى حوالي 1•(44).

في المقابل “انتقلت إلى يد الدولة في بداية عام 1967 جميع المؤسسات الصناعية الكبيرة والمتوسطة في البلاد”(45). كذلك وضعت الدولة يدها على المصارف والتجارة الخارجية، ليبدو أن تركز الرأسمال الصناعي والمصرفي، وإلى حد كبير التجاري، قد أصبح بيد الدولة. بينما تعممت الملكية الخاصة في الريف وأصبحت هي “القانون الحاكم” هناك. لقد ترافقت هذه العملية مع هيمنة الضباط ذوي الأصول الريفية على السلطة. كذلك تضخم حجم الفئات من أصل ريفي في أجهزة الدولة (وخصوصاً الجيش والمخابرات).

مما أسس لخضوع ملكية الدولة (التي أسميت القطاع العام) لآليات إعادة الترسمل التي كان الريف في أساسها، عبر “نهب الدولة”. فيبدو التأميم وكأنه يهدف إلى إعادة تشكيل الطبقة المالكة رغم أن الوعي الذي حكم صانعيه كان “اشتراكياً” (أو كان يعتقد بأنه اشتراكي). وهو الوعي ذاته الذي اعتبر أن الاشتراكية هي تحقيق الإصلاح الزراعي وتمليك الفلاحين الأرض (وهذه هي الاشتراكية الفلاحية التي يكمن جوهرها في التملك وليس في نفيه).

هذا الوعي “المموه” (وربما “المموه” كذلك) كان يفرض تأسيس سلطة “حاجبة” ليس لقمع مقاومة الملاّك السابقين فقط، بل وكبت احتجاجات المتضررين كذلك. لهذا ستختصر كل التحولات التي تحققت منذ الوحدة المصرية السورية سنة 1958، وخصوصاً بعد الثامن من آذار سنة 1963، في إفادة “فئة قليلة”. فإذا كانت “أحلام المساواة” هي المسيطرة في البدء، سنلحظ تحوّل “الفئة المسيطرة” من “مثالية” الريفي المعني بتحقيق المساواة (مرحلة 1966 ـ 1970) إلى “واقعية” الريفي المعني بأن يصبح هو المالك. فتصبح الدولة وسيلة نهب (نهب مؤسسات القطاع العام، القومسيون على المشتريات، غض النظر عن تطبيق بعض القوانين، التهريب.....). وهنا تنقلب المساواة إلى لا مساواة وينتصر طموح الفلاح بأن يصبح رأسمالياً. عبر ذلك ينحدر الوضع المعيشي للريف وللشعب عموماً، ويدخل القطاع العام (والصناعي منه بالتحديد) نفق “الموت السريري”، وتعود لتتشكل طبقة جديدة.

يبدو لنا من هذا السياق أن “حلم الريفي” العام والمبهم بالملكية الخاصة، سيتحوّل عبر صيرورة الهيمنة على الدولة إلى حلم واقعي من قبل فئات أصبحت هي الدولة. فتمتلك الرأسمال بأن تبدأ بنهب الدولة عبر شكل محدد للسلطة يقوم على المركزة الشديدة وعلى كبت “الآخر”، الذي هو الشعب عموماً.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ هذا القول للينين.

2 ـ هذه الفكرة تبدو واضحة في دراسات عدد من الكتاب، مثلاً حنا بطاطو، خلدون حسن النقيب، غسان سلامة، فؤاد اسحق الخوري، وغيورغي ميرسكي... الخ، وسوف ترد في الهوامش التالية المراجع التي جرى الاستناد عليها لهؤلاء.

3 ـ انظر مثلاً: د. غسان سلامة “المجتمع والدولة في المشرق العربي”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1/1987، ص 191.

4 ـ د. هشام شرابي “البنية البطركية، بحث في المجتمع العربي المعاصر”، دار الطليعة، بيروت، ط1/1987، ص 21.

5 ـ هذه إشكالية خصت العالم المتخلف عموماً حول مصر انظر مثلاً:

          أ ـ محمود حسين “الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970”، دار الطليعة، بيروت، ط1/1970، ص 38.

          ب ـ سلامة كيلة “أية تنمية تلغي التبعية في الوطن العربي”، مجلة الوحدة، الرباط، العدد 45، 4 حزيران 1988، الصفحات 62 ـ 77.

6 ـ د. هشام شرابي “البنية البطركية” سبق ذكره، ص21. وإن كان لا يربطها بالريف تحديداً، بل يتحدث عن طبقة وسطى أسميت البرجوازية الصغيرة ويلمّح في أكثر من موقع إلى طابعها المديني وليس الريفي، وأعتقد أن في ذلك خطأ.

7 ـ نفس المصدر، ص 19.

8 ـ د. هشام شرابي يحدد سماتها بالتالي:

          سيطرة الأب في العائلة، شأنه في المجتمع. حيث إرادة الأب هي الإرادة المطلقة، يعبّر عنها عبر الإجماع العشري الصامت، المبني على الطاعة والقمع. و”إن أكثر العناصر تقدماً وفعالية في الدولة البطركية الحديثة... هو جهاز أمنها الداخلي. أي ما يدعى المخابرات”، ويشير إلى “ازدواجية الدولة”، حيث يتجاوز تنظيم عسكري ـ بيروقراطي “إلى جانب تنظيم بوليسي سري يهيمن على الحياة اليومية ويشكل أداة الضبط النهائية في الحياة المدنية والسياسية” المصدر السابق، ص 22.

9 ـ د. غسان سلامة، “المجتمع والدولة في المشرق العربي”، سبق ذكره، ص 162.

10 ـ حول هذا التناول يمكن ملاحظته في: د. نيقولاوس فان دام، “الصراع على السلطة في سوريا، الطائفية والاقليمية والعشائرية في السياسة 1961 ـ 1995”، مكتبة مدبولي، القاهرة ط2 يونيو 1995.

11 ـ د. غسان سلامة، “المجتمع والدولة في المشرق العربي”، سبق ذكره، ص164.

12 ـ فؤاد إسحق الخوري، “العسكر والحكم في البلدان العربية”، دار الساقي، لندن، ط1/1990 ص 35.

13 ـ نفس المصدر، ص 58.

14 ـ د. خلدون حسن النقيب، “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، دراسة بنائية مقارنة”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2/ 1996، ص 135.

15 ـ حنا بطاطو، الثورات المصرية والسورية والعراقية، مجلة النهج، العدد 61، 2001، ص 97.

16 ـ حنا بطاطو، ملاحظات حول الجذور الاجتماعية للمجموعة العسكرية الحاكمة في سوريا وأسباب هيمنتها، نشرت في مجلة ميدل إيست جورنال، آب 1980، ونشرت بالعربية كملحق لكراسة “الدور السياسي للأقليات في الشرق الوسط”، المحرر د. ماكلورين، (دون إشارة لجهة الإصدار)، ص10.

17 ـ نفس المصدر، ص17.

18 ـ فؤاد اسحق الخوري، “العسكر والحكم”، سبق ذكره، ص 26 و95.

19 ـ نفس المصدر، ص 26.

20 ـ نفس المصدر، ص 30.

21 ـ د. نيقولاوس فان دام، “الصراع على السلطة في سوريا”، سبق ذكره، ص 26.

22 ـ فؤاد اسحق الخوري، “العسكر والحكم”، سبق ذكره، ص 70.

23 ـ يشير د. عبد الله حنا إلى أنهم يشكلون 65• من مجموع السكان، انظر: د. عبد الله حنا: القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سوريا ولبنان (1920 ـ 1945)، القسم الثاني، دار الفارابي، بيروت، ط1/1978، ص 61.

24 ـ فان دام، “الصراع على السلطة في سوريا”، سبق ذكره، ص 26.

25 ـ د. خلدون حسن النقيب، “الدولة التسلطية”، سبق ذكره، ص 95 و 100.

26 ـ د. غسان سلامة، “المجتمع والدولة في المشرق العربي”، سبق ذكره، ص 185، والمعلومة الأولى يحيلها إلى سمير مقدسي.

27 ـ بوعلي ياسين، “حكاية الأرض والفلاح السوري 1858 ـ 1979”، دار الحقائق، بيروت، ط1/1979، ص 37. ويمكن ملاحظة التوزيع في سنة 1952 في الصفحة 34.

28 ـ نفس المصدر، ص 39.

29 ـ د. عبدالله حنا، “القضية الزراعية”، سبق ذكره، ص 48.

30 ـ بوعلي ياسين، “حكاية الأرض والفلاح السوري”، سبق ذكره، ص 33.

31 ـ فان دام، “الصراع على السلطة في سوريا”، سبق ذكره، ص 28.

32 ـ حنا بطاطو، ملاحظات حول الجذور الاجتماعية، سبق ذكره، ص 4.

33 ـ فان دام، “الصراع على السلطة في سوريا”، سبق ذكره، ص 35. حيث يشير إلى أن البعد الطائفي للانقسام الثنائي الريفي لا مديني في سوريا، “فبينما تتركز الأقليات الدينية المتماسكة أساساً في المناطق الريفية الفقيرة المحرومة، نجد أن المناطق الأكثر ثراء والمدن الأكبر يهيمن عليها سنيون”. لكن يجب الانتباه إلى أن جزءا من الأرياف ليس من الأقليات من جهة، وأن المدن ذاتها تنقسم إلى مستويات في التكوين الاجتماعي من جهة أخرى.

34 ـ حنا بطاطو، ملاحظات حول الجذور الاجتماعية، سبق ذكره، ص5 و6. وكذلك حنا بطاطو، الثورات المصرية والسورية والعراقية، سبق ذكره، ص 98.

35 ـ المرجعين السابقين.

36 ـ حنا بطاطو، المرجع السابق، ص 102.

37 ـ د. غسان سلامة، “المجتمع والدولة في المشرق العربي”، سبق ذكره، ص 191.

38 ـ فؤاد اسحق الخوري، “العسكر والحلم”، سبق ذكره، ص 83.

39 ـ يشير فؤاد اسحق الخوري إلى أن ميزانية الجيش تستحوذ على 70• من الميزانية، المصدر نفسه، ص 101. ويشير ف.ب. فيكتوروف إلى أنها بين 55 و 60•، فيكتوروف، “اقتصاديات سورية الحديثة، مشكلاته وآفاقه”، دار البعث للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع (د.ت)، ص 88.

40 ـ منير الحمش، “تطور الاقتصاد السوري الحديث”، دار الجليل، دمشق، ط1/1983، ص 34.

41 ـ د. محمد كفا، “تحولات الاقتصاد الزراعي في سورية”، دار الشبيبة للنشر (د.ت) ص 58. وكذلك، أ. فيلونيك، “صعوبات الزراعة السورية الحديثة”، دار الجمهورية للطباعة، دمشق، ط1/1987، ص 34.

42 ـ أ. فيلونيك، المصدر السابق، ص 39 ـ 38.

43 ـ د. محمد كفا، “تحولات الاقتصاد الزراعي في سوريا”، سبق ذكره، ص 60.

44 ـ أ. فيلونيك، “صعوبات الزراعة السورية الحديثة”، سبق ذكره، حيث يمكن مقارنة الجداول في الصفحات 44 و46.

45 ـ فيكتوروف، “اقتصاد سورية الحديثة”، سبق ذكره، ص 67.

 

 

الفصل الثالث

النظام الشمولي: حالة سورية

أصلان عبد الكريم(*)

 

 

لا يقوم وطن حيث لا يوجد قانون،

لذلك لا وطن للشعوب التي تعيش تحت نير الاستبداد

إلا وطن احتقار الأمم الأخرى

سان جوست

مدخل:

قبل كل شيء، أجد من الضروري التأكيد على الملاحظات التالية:

أ ـ كان من الممكن قبول بعض المصطلحات السياسية من مثل دولة استبدادية أو أمنية أو بخاصة تسلطية لوصف النظام السوري، لكنني وجدت أن القدر الذي وصلت إليه السلطة في اختراق المجتمع بنيوياً وإلحاقه بها يسمح بالحديث عن الشمولية(1) وإن يكن بشكل نسبي. لقد وجدت أن هذا المصطلح يعبر بشكل أوضح ـ وربما أدق ـ عن الواقع، وبخاصة إذا نظرنا إلى الآثار الكارثية التي نتجت وما تزال عن هذا الاختراق الاجتماعي.

ب ـ إن هذا البحث ينصب بشكل رئيسي على النظام السياسي السوري كما كان عليه حتى 10 حزيران عام 2000، حيث بدأت بعد ذلك ـ وإن يكن بشكل خجول جداً ـ بعض الخطوات البطيئة والمترددة وغير المقنعة بعد، بل والسطحية إلى درجة كبيرة، على طريق تخفيف القبضة الشاملة التي كانت تمسك بخناق المجتمع. الأمر الذي قد يكون له ـ وعلى الأقل هذا ما يأمله الجميع ـ انعكاسات إيجابية مهما تكن محدودة في كل الحقول، إن لم يكن اليوم ففي المستقبل البعيد.

جـ ـ لا يهتم البحث هذا بالنوايا أياً تكن حسنة أو سيئة، بخاصة عندما يتعلق الأمر بنوايا النظام السياسي السوري وبالتحديد في بدايات انطلاقه وتكوّنه. وعلى الرغم من أنني أنطلق في الأصل والمبدأ من حسن النيّة لدى الآخر وليس العكس، فإن السياسة في نهاية المطاف ليست علم النوايا. لذا فإنني أعلّق الأهمية الرئيسة على النتائج الموضوعية للأفعال وليس على ما يقوله المرء أو النظام عن نفسه. على الرغم من أن ذلك قد لا يكون نافلاً أبداً في فهم الظواهر في نشوئها، في صيرورتها وفي مآلها النهائي. لكن ما العمل إذا كانت النتائج الموضوعية هي ما يبقى، وإذا كانت الوقائع عنيدة كما يقول مثل إنكليزي، وإذا كانت الطريق إلى الجحيم معبدة بالنوايا الطيبة كما تقول حكمة شهيرة.

بعد هذه الملاحظات الأولية ندلف إلى موضوعنا لنرى واقع الحال السلطوي دستورياً وسياسياً وعملياً:

1 ـ السلطة في الدستور والقانون والفكر النظري:

تكرس المادة الثامنة من الدستور السوري الصادر عام 1973 والتي تقول: “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدميّة تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية”، تكرّس الشمولية السورية. ذلك، عبر احتكار حزب البعث السلطة وقيادة المجتمع على حد سواء. فإذا كان من الصحيح أن الحزب المذكور يشكّل القاعدة الاجتماعية ـ السياسية للنظام أو هكذا يفترض فيه، وإذا كان من الصحيح أن هذا الحزب قد فقد مع ذلك الكثير من دوره خلال العقود الثلاثة الماضية وتحوّل شيئاً فشيئاً إلى غطاء إيديولوجي وتنظيمي للسلطة الراهنة وإلى أداة من أدواته ولواحقه في الحكم، أقول إذا صح ذلك ـ على الرغم من أن المسألة لا تزال بين مد وجزر على هذا الصعيد ـ فإن احتكار السلطة الدستوري من قبل الحزب مجيّر بالفعل لمركز الأمين العام. وهو ليس فحسب مركز رئاسة الجمهورية في الوقت نفسه، بل إن المركز الأخير يحوز دستورياً على صلاحيات واسعة جداً إلى درجة يمكن وصفها بأنها مطلقة. مما يؤدي في المحصلة العامة إلى الاستئثار الفعلي بالسلطة، بغض النظر عن كل الادعاءات والمزاعم المعاكسة قولاً!

أليس الأمين العام ـ رئيس الجمهورية ـ هو القائد الأوحد لمسيرة الحزب والشعب حسب التعبير السياسي الدارج والمفضل في الأدبيات الحزبية والإعلامية الرسمية وغير الرسمية.. الخ؟ ليت الأمر يقف عند هذا الحد. فبدءاً من عام 1963 صدرت العديد من المراسيم عن أو من رئاسة الجمهورية أو مجلس قيادة الثورة كانت على طول الخط، أو على الأقل في الأعم الأغلب، فوق الدستور وفوق القانون، بل ضد هذين الأخيرين بالذات. لقد استبقت السلطة، التي انبثقت في عام 1970 من رحم السلطة القديمة ورداً عليها، هذه المراسيم واستفادت منها لتكريس وجودها وهيمنتها الشاملة. من هذه المراسيم: إعلان حالة الطوارئ، وسريان الأحكام العرفية، والمرسوم رقم 6، والمرسوم المنشئ لمحكمة أمن الدولة العليا على أنقاض المحكمة العسكرية الاستثنائية السابقة لها، والعديد من المراسيم الأخرى.

إن السلطة التنفيذية في سوريا لا تستند في ممارستها إلى الدستور الصادر عام 1973، بل إلى العديد من المراسيم الاستثنائية التي ورثتها من السلطة التي سبقتها ومنها مرسوم إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية، والمرسوم رقم 6، والمرسوم المنشئ لمحكمة أمن الدولة العليا على أنقاض المحكمة العسكرية الاستثنائية. فالنظام السياسي الراهن، الذي انبثق عام 1970، استمر في الحكم عن طريق إصدار مراسيم جديدة وبالاستناد إلى القديمة. وقد استفاد من ذلك لتكريس وجوده وهيمنته الشاملة. كما لم تبق السلطة المذكورة، وعلى قمتها مركز رئاسة الجمهورية، للسلطات الأخرى أي ظل من الحضور الفعلي، سواء كانت قضائية أم تشريعية. فمجلس الشعب لا يعدو أن يكون مجلساً بلدياً كغيره من المجالس البلدية. ما يميزه عنها هو اسمه ونطاق عمله الذي يشمل الوطن كله.

لقد انتزع مركز الرئاسة كل الصلاحيات الحقيقية في رسم الخطوط الأساسية على الأصعدة كافة، وبخاصة على الصعيد السياسي المحتكر من قبله بما لا يقبل الشك، تاركاً بعض الفتات للسلطة التشريعية. مع ذلك، فإن مجلس الشعب لم يمارس فعلياً حتى هذا الفتات الدستوري. فلم يعرف عنه أنه قام بأي نقاش حقيقي لأية مسألة سياسية أساسية، وبخاصة إذا كانت خارجية. لم يكن من شأنه سوى التصفيق والتصديق لسلطة الرئاسة، وتلبية حاجاته ما فوق الدستورية عبر تأمين غطاء تشريعي عاجز في الحقيقة عن تغطية شيء.

في الإطار نفسه، لم يكن حظ مجلس الوزراء ـ بوصفه جزءاً من السلطة التنفيذية ـ بأفضل كثيراً. فقد انحصر وضعه هو الآخر في الداخلـ بغض النظر عن مكانته في الدستور ـ. مع ذلك ينبغي ألا يفهم من عبارة الداخل، المستوى السياسي منه بل الحقول الأخرى. وحتى في هذه الأخيرة، كانت الكلمة الفصل لمركز رئاسة الجمهورية، بحيث يمكن القول: إن القرارات الرئيسية، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية، هي من نصيب المركز المذكور. لقد بلغ الضعف والهشاشة بمجلس الشعب أنه لم يناقش بشكل جدّي أي مرسوم استثنائي صدر قبل دستور عام 1973 ليرى ما إذا كانت متفقة معه كي تبقى أو مختلفة كي تلغى. لقد بقيت المراسيم المذكورة أعلاه على حالها تقريباً، وهي لا تزال بحاجة ماسة إلى إلغائها اليوم قبل الغد.

ينطبق الأمر نفسه على المراسيم الإشتراعية الصادرة بعد صدور الدستور، والتي لم يكن من شأن مجلس الشعب ـ في أدواره التشريعية المتلاحقة ـ إلا المصادقة الحماسية عليها بدون تعديل يذكر. طبعاً بعد نقاش شكلي بحت، طابعه العام تقريظي وتصاغري، مع المزيد من الشكر للمنح والهبات التي تسقط عليهم وعلينا من فوق. بالواقع، إن الدستور السوري، المفصّل على قدّ الحزب الحاكم وأمينه العام، يشكل حالة متطرفة من النظام الرئاسي بالمقارنة مع الدساتير الأخرى. إلا أن التطرف لا يجيء فقط من طابعه الرئاسي، ولا من احتكاره السلطة السياسية دستورياً باسم الحزب القائد، ولا من الصلاحيات المطلقة فحسب، بل ومن خلال الترشيح الاحتكاري، وإلغاء الانتخاب، والاستعاضة عنه بالاستفتاء.

تقول المادة 84 ـ 1 من الدستور السوري “يصدر الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية عن مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه”. إنها مادة واضحة بما فيه الكفاية في إسقاط حق المواطنين السوريين من خارج الحزب في الترشيح. لأنه ليس من العسير فهم أن القيادة القطرية لن تختار أحداً غير بعثي، بل إنها في الأصل ظلت لمدة ثلاثة عقود تختار الرجل عينه حتى وافته المنية. كما أنه إسقاط لحق مجلس الشعب في التحديد، لأنه ليس المقرر في ذلك حسب نص المادة المذكورة، بل إنه مجرد ممر لاقتراح القيادة القطرية. وأخيراً إسقاط حق المواطنين في الانتخاب والاختيار من بين أكثر من مرشح، وتحويل هذا الحق إلى مجرد استفتاء، ما دام المرشح واحداً فقط. ناهيك في الأصل عن الكيفية التي يتمّ فيها هذا الاستفتاء والنتائج المعلنة باسمه والتي تحولت إلى نكتة سياسية شائعة.

أما فيما يتعلق بالسلطة القضائية، فلا معنى للحديث عن استقلالها على الإطلاق. فمحكمة أمن الدولة العليا والمحكمة الاقتصادية، ومحاكم الميدان، هي التي بوسعها أن تحاسب، بل هي تحاسب المواطن حتى على ضميره. ناهيك عن الأفعال الطبيعية الناتجة عن ممارسة المواطن لحقوقه، والتي ينظر إليها في هذه الحال في الأعم الأغلب بصفتها أفعالاً معادية للدولة، وجرائم تقتضي أكثر الأحكام تعسفاً في الشكل والمحتوى، في طبيعة العقوبة وامتدادها على حد سواء. ينطبق هذا الوصف بشكل خاص على محاكم الميدان ومحكمة أمن الدولة العليا. هذه المحكمة الأخيرة، التابعة قولاً وفعلاً للسلطة التنفيذية، أي لمركز الرئاسة في الواقع، والتي هي بعيدة عن الاستقلال بعد السماء عن الأرض، والتي لا رادّ ولا اعتراض ولا طعن ولا استئناف لأحكامها(2)، ولا أصول قضائية حقيقية لمداولاتها وجلساتها، الخ. هي سيف مسلط على رقاب الشعب من طراز استثنائي خاص بكل المعايير القانونية والواقعية والأخلاقية.

يبقى أن نقول: إن القضاء العادي الذي يفصل في القضايا التي لا تحال إلى المحاكم الاستثنائية المذكورة والتي تقع خارج نطاق ما يسمى الجرائم الواقعة على أمن الدولة، والتي تسمى بالقضايا العادية، سواء كانت مدنية أم جزائية، هذا القضاء الذي يفترض أنه مستقل ما دام بعيداً عن أمن الدولة، يعاني هو الآخر بمعنى ما من المشكلة المذكورة أعلاه. مشكلة فقدان الاستقلال والنزاهة. وذلك نتاجاً للتدخل المزاجي للدوائر السلطوية فيه حكومة وحزباً وإن يكن بطرائق مختلفة عن التدخل في المحاكم الاستثنائية، ونتاجاً للفساد الشامل والرشوة المنتشرة في الواقع السوري اللذان من الصعب أن ينجو منهما حقل أو مؤسسة أو إدارة. ومع الأسف، فإن مؤسسة القضاء التي يفترض أنها حامية العدالة والنزاهة، غزاها هي الأخرى هذا الجراد الذي يلتهم ما يقع أمامه من اليابس والأخضر. وعندما يصل النخر في مجتمع ما إلى القضاء يصحّ القول: “على الدنيا السلام”.

لا يقف الأمر في تدهور القضاء عند هذا الحد، حيث لا بد من الإشارة إلى القوانين والمراسيم التي يعمل القضاة على هديها، وهي كثيرة. ما يجمع بينها بشكل رئيس هو طابعها الاستثنائي بدءاً من المرسوم 6 وانتهاء بالقانون 49. لا تقيم هذه المراسيم والقوانين أي وزن للمعايير الدستورية والقانونية، حيث يمكن من خلالها إصدار أحكام ما أنزل الله بها من سلطان. بل وقد صدرت مئات، إن لم يكن آلاف، الأحكام التي لا تمت بصلة إلى أبسط القواعد القانونية والتقاليد القضائية. وثمة طرق أخرى لإصدار الأحكام التعسفية من خارج هذه المراسيم والقوانين الاستثنائية، ومن داخل قانون العقوبات العام الصادر سنة 1949. ذلك من خلال توجيه اتهامات باطلة لا تنطبق إطلاقاً على الفعل الحقيقي للمتهم وتزوير، بل واختلاق، أفعال لم تخطر قط على بال المتهمين، ثم تحوير الاتهام بحيث تنطبق عليه بعض مواد القانون المذكور. على سبيل المثال: المادة 304 والمادة 306، حيث يعمد القضاة الاستثنائيون إلى الحكم بدلالة المادة 304، ليس فقط في القضايا المتعلقة بالمادة 306 أو بغيرها، بل في القضايا التي لا وصف أو تكييف جرمي لها. لعل من المفيد في هذه الحال إيراد نصّ المادتين 306 و 304 من قانون العقوبات العام.

تقول المادة 306:

1 ـ “كل جمعية أنشئت بقصد تغيير كيان الدولة الاقتصادية أو الاجتماعي أو أوضاع المجتمع السياسية بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 304 تحل ويقضى على المنتمين إليها بالأشغال الشاقة المؤقتة.

2 ـ ولا تنقص عقوبة المؤسسين والمديرين عن سبع سنوات.

3 ـ إن العذر المحلّ أو المخفف الممنوح للمتآمرين بموجب المادة 262 يشمل مرتكبي الجناية المحددة أعلاه”.

وتنص المادة 304 على: “يقصد بالأعمال الإرهابية جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة، والأسلحة الحربية(3) والمواد الملتهبة، والمنتجات السامة أو المحرقة أو الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً”.

في كل الأحوال، تجعل المحكمة من أي معارض، حزباً كان أم فرداً، وأياً تكن طريقة معارضته أو محتواها، ومهما يكن بعيداً عن استهداف تغيير كيان المجتمع، تجعل منه إرهابياً يحاكم وفق المادة 304 بدلالة المادة 306 وإن لم يتجاوز قط نطاق القول السلمي البحت. بحيث يبلغ التناقض بين نصوص المادتين السابقتين وحقيقة فعل “المتهم” حداً يفقأ العين والعقل والضمير. مع ذلك “لا حياة لمن تنادي”. وعندئذ ليس من المبالغة في شيء أن تقول إن القضاء الاستثنائي لديه ثياب جاهزة يعيد صياغة الاتهام والمتهمين على قدّها، بغض النظر عن واقع الحال. ألسنا إذن أمام سرير بروكروست معاصر إن لم يكن أبشع.

لقد أنشئت محكمة أمن الدولة العليا عام 1968 على أنقاض المحكمة العسكرية الاستثنائية السابقة، حيث كان المرسوم 6 قد صدر قبل ذلك، أي عام 1965. ثم تبعت قوانين أكثر تعسفاً بما لا يقاس كالقانون رقم 53 الصادر عام 1979 والمتعلق بأمن حزب البعث العربي الاشتراكي، وبعده القانون 49 المتعلق بالإخوان المسلمين والجماعات المسلحة... الخ. وهي تشكل وصمة عار قانونية وسياسية وأخلاقية في جبين السلطة والتاريخ المعاصر لسورية على حد سواء.

لعل ما يزيد الأمور سوءاً على صعيد السلطة القضائية الوضع المزري للمحكمة الدستورية العليا في الدستور وفي الواقع. ففي الدستور، عالجت المواد من 139 ـ 148 المحكمة المذكورة في التشكيل والنصاب والعمل والصلاحيات.. الخ. وتكفي قراءة سريعة لمعرفة الضعف الحقيقي الكائن فيها من خلال صلاحياتها المقلّصة إلى أبعد حد، ومن خلال عدد أعضائها القليل، ومن خلال المادة 146 التي تحجب حقها في أن تنظر في القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتنال موافقة الشعب. وعندما نعرف أن رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو من يعين أعضاء المحكمة المذكورة، نعرف كيف يتم إغلاق الدائرة بشكل محكم. كما لم يعرف عن هذه المحكمة أنها قامت بأي فعل ذي معنى على صعيد دستورية المبادئ الدستورية والقوانين والقرارات والمراسيم الاشتراعية وغيرها. بل إن اسم رئيسها السابق ـ نصرة ملا حيدر ـ ما كان ليسمع به لو لم يعين مستشاراً قانونياً للوفد المفاوض في مفاوضات مدريد في عام 1991. لكن المذكور نطق بكلمة حق قبل وفاته بقليل بعد أن فاض به الكيل. كلمة تأخرت حوالي ثلاثة عقود، لكن تناولت المحاكم الاستثنائية وبالذات محكمة أمن الدولة العليا بالنقد الدستوري.

أخيراً، عندما نتذكر أن كل ما ذكر إنما يجري في نطاق حالة الطوارئ (وقوانين الأحكام العرفية المؤبدة) سيكون سهلاً فهم الوضع المأساوي الذي عاشه وما زال يعيشه الشعب السوري والقضاء والمحاكم. إنه الاستثناء الذي يولّد الاستثناء ويلتهم الحقوق والحريات ويكرّس الطغيان دون وازع أو رقيب.

2 ـ السلطة في حقل الممارسة السياسية:

إنه الحقل الذي تتجسد فيه بامتياز الممارسات القمعية والاحتكارية والنتائج الكارثية لها. وحيث أنه من الصعب في هذه العجالة إيفاء هذا الحقل حقه، فإنني سأعمد إلى الإشارة إلى بعض المظاهر البارزة باختصار شديد. من ذلك الأساليب التي عمدت إليها السلطة عن طريق الهيمنة الشاملة والاستفراد التام بالقرار معتمدة أسلوبان بارزان:

الأول: هو العمل على إلحاق بعض القوى السياسية، ذات الطابع اليساري والقومي، بها عبر ما سمّي بالجبهة الوطنية التقدمية. وهي اسم كبير، ينص ميثاقها على أنها صاحبة القرار في شؤون السلم والحرب والقضايا المصيرية. لكنها في الواقع ليست أكثر من ديكور للاستهلاك الداخلي والخارجي، لأن الميثاق هذا يتلاشى فعلياً أمام المادتين الدستوريتين الثامنة والرابعة والثمانين اللتين سبقت الإشارة إليهما. كما تلاشى ويتلاشى عملياً على أرض الواقع من خلال الممارسة الفعلية الطويلة التي نحن شهود عليها، ومن خلال النصاب التنظيمي حيث يشكل البعث فيها النصف › الرئيس. الأمر الذي يجعل منها في نهاية المطاف ـ حتى في حال مارست صلاحياتها كاملة وحتى لو لم توجد المادتان السابقتان في الدستور ـ جهازاً ملحقاً بحزب السلطة مادام التصويت فيها كما هي العادة تصويت حزبي ـ تنظيمي. فالبعث قادر دائماً على ممارسة السيادة والقرار. لعل ذلك كله، وبخاصة المادة الثامنة، كان وراء موقف الاتحاد الاشتراكي العربي الذي انسحب من الجبهة احتجاجاً بعد إقرار الدستور ³بالطبع انشق عنه فصيل صغير بقي في الجبهة بقيادة فوزي الكيالي، ولاحقاً تشظى هذا الفصيل نفسه أيادي سبأµ.

إذا أضفنا إلى ما سبق الحظر المنصوص عليه في الميثاق والذي يمنع سائر أحزاب الجبهة، باستثناء حزب البعث، من العمل في صفوف الجيش والطلبة، لن نكون بحاجة إلى ذكاء لنعرف الوضع الفعلي والمآل المنتظر في ظلّ معرفتنا بالقوى الأساسية الفاعلة في المجتمع في البلدان المتخلفة بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص، والتي هي: الجيش والطلبة، والأول منها بالتحديد. الأمر الذي يعني بأننا قادرون ـ مهما تكن المبررات التي رفعت آنذاك ـ على معرفة الهدف الرئيسي من هذا الخطر، والذي هو ببساطة إفقاد سائر الأحزاب الأخرى عناصر القوة الحقيقية في مجتمع شاب كالمجتمع السوري يشكل الذين تقع أعمارهم بين 1 و18 سنة أكثر من نصف المجتمع. ناهيك في الأصل عن الدور المركزي الذي لعبته المؤسسة العسكرية في تاريخ سورية ولا تزال.

إن النتائج المنطقية والعملية لميثاق الجبهة وللممارسة اللاحقة طيلة ما يقارب ثلاثة عقود كانت أكثر من كافية لكل ذي بصيرة لكي يتأكد فعلاً من أن السلطة قد نجحت في تحقيق هدفها بشكل باهر. بل إن الأمر تفاقم إلى أبعد من ذلك بكثير حيث تحولت الأحزاب المذكورة بدرجات مختلفة إلى تنظيمات فئوية وعوائل انتهازية. وهو ما ساهم ـ بالإضافة إلى إنشقاقاتها المتكررة ـ في تضييق قاعدتها الاجتماعية والتنظيمية وساحة نشاطها العام إلى درجة وصلت بتأثيرها الفعلي إلى الحضيض. ومما زاد في الطين بلّة أنه لم يكن لديها ما تقوله في السياسات العامة الأساسية إلا أن تردد بشكل ببغائي ما تقوله السلطة، جاعلة من خطب الرئيس برنامجها السياسي ومرشدها العملي. ذلك، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقدر من النقد الجزئي والخجول والمتملق فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، وبالتحديد في مجال الاقتصاد والإدارة والخدمات، وملامسة تكاد لا ترى إلا بالمجهر للسياسات المتعلقة بالحريات العامة وحقوق المواطن وسيادة الشعب والقانون... الخ.

قد لا نكون مجانيين للصواب إذا قلنا: إن النقد المذكور أعلاه جاء من الحزب الشيوعي، قبل وبعد الانشقاق، والاشتراكيين العرب، أكثر بما لا يقاس مما جاء من قبل الأحزاب الأخرى. لعلّ خير من عبّر عن ذلك هو بكداش ـ في أوائل الثمانينات ـ عندما قال: “إنه لو انطلقنا من الداخل لكنّا في المعارضة”. لكن الأمر بقي كذلك على الرغم من التدهور الشامل في هذا الداخل اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وعلى الرغم من التآكل المتسارع لدخول الكادحين، باعتراف الشيوعيين أنفسهم، الذي وصل إلى ربع ما كان عليه في السابق، وعلى الرغم من انتشار الفساد المطبق، وعلى الرغم من القمع المعمم وبخاصة في عقد الثمانينات لجميع قوى المجتمع الحيّة.

فهذه الأحزاب لم تحرك ساكناً يذكر للرد على هذا الواقع سوى المزيد من الارتهان لتاريخها الجبهوي. لقد بقيت تراقب تدهور نفوذها بعيون بليدة واستسلام خنوع، بحيث يصح القول: إن السلطة نجحت إلى حدّ، لم تكن تتوقعه هي ذاتها، في تطويع وتدجين وشق، بل في تصفية النفوذ السياسي السابق لهذه القوى تقريباً. بحيث لم يعد أمامها سوى التمسك بمواقعها الكرتونية في الجبهة والسلطة على حد سواء. بل إن بعضها لا يخجل من أن يقوم بدور الشاعر المتملق ومهرج السلطان السياسي. وكي نكون منصفين، ربما كان هناك من يتململ من هذا الوضع ويبحث على طريقة النجوى الذاتية عن المخرج من هذا المآل الذي آلت إليه الأمور. وهذا ينطبق على أفراد أو مجموعات صغيرة توجد هنا أو هناك وبخاصة في أوساط الشيوعيين.

أما الأسلوب الثاني: فهو استخدام القبضة الحديدية والقمع العاري والكامن والإرهاب المتعدد الأشكال لتصفية القوى السياسية المعارضة، بدءاً من تلك التي استخدمت العنف، وانتهاء بتلك التي لم يكن لها أي نشاط غير سلمي، بل كانت ومازالت ضد العنف الإرهابي. لم يكن هنالك فروق تذكر بين مصير القوى، سواء أكانت راديكالية، يساراً أم يميناً، أم وسطية ـ معتدلة. بحيث يصح القول: إن قوى المعارضة التي رفضت الانضواء تحت جناح جبهة النظام قد صفيت هي الأخرى سياسياً، بل وفي الأعم الأغلب تنظيمياً وحتى جسدياً.

ساد مسلسل الرعب سورية، وبخاصة في عقد الثمانينيات، ما بين السجن والموت والتراجع والمنفى الطوعي أو القسري. لقد بلغ القمع العاري في هذا العقد أبعاداً وحشية لا حصر لمظاهره وآثاره المدمرة بدءاً من ذاك الذي يطال المعارض وحزبه أو أهله وأقرباءه أو الأصدقاء والإطار الاجتماعي المحيط بالمعارض. استخدمت في هذا النطاق أساليب التهديد والابتزاز واحتجاز الرهائن بكثافة وبخاصة فيما يتعلق بالتيارات اليمينية والقومية ذات الطابع العنفي. فامتلأت ساحات البلاد وشوارعها وجامعاتها ومؤسساتها ومساكن المسؤولين، بالمظاهر المسلحة الفاقعة وحواجز التفتيش الدائمة والطيّارة ³أي المتحركة والمفاجئةµ. وسادت نظرية معروفة جيداً في عالم القمع الشمولي، نظرية تجفيف الماء كي يموت السمك.

فضرب مبدأ المسؤولية وشخصانية العقوبة بعرض الحائط. وكانت هناك ممارسات وحشية يندى لها جبين الإنسان والبشرية على المستويين الفردي والجمعي، خارج السجن وداخله على حد سواء. وأعتقد أنه لم يعد من ضرورة قصوى لذكر كل التفاصيل التي يقف لها شعر الرأس في حدود هذا المقال. فقد أصبح ذلك معروفاً على نطاق واسع عالمياً ومحلياً بدءاً من أساليب الإرهاب وانتهاءً بأساليب التعذيب مروراً بالوضع في السجون والفروع من حيث المكان والطعام والطبابة والشمس والهواء والأحكام التعسفية ومدد الاعتقال والتجريد من الحقوق المدنية والاعتقال التعسفي واستمراره إلى آماد غير محددة سواء كان هناك حكم أم لم يكن. بحيث يتوقف كل شيء على مزاج السلطة في نهاية المطاف وعملاً بمبدأ استنطاق شهادات الآخرين وعدم الاعتماد على الموقف الذاتي الشخصي.

اختصاراً، أفضل إحالة القارئ إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان العالمية ³والمحلية إن وجدتµ، لكن من المفيد الإشارة بهذا الخصوص إلى التقرير المتعلق بوضع حقوق الإنسان في سورية اليوم والصادر عن /ل. د. ح/. هذه الإشارة ضرورية لأن التقرير سمح بنشره في الداخل، مما يعني ببساطة أنه يحفظ ماء وجه السلطة إلى حد كبير. فهو يتحدث عن الوضع اليوم، وهو وضع مختلف إلى حد ملموس عن الوضع المأساوي الذي ساد حوالي عقدين من الزمان. إنه بهذا المعنى يتحدث عما تبقّى من هذا التاريخ، سواء في الممارسة أم في الأوضاع. أحيل إلى هذا التقرير، حيث بإمكان القارئ الحصيف تقدير جبل الثلج الهائل من القسم الذي يظهر منه في التقرير. فهو بالرغم من الملاحظات عليه، ينبغي النظر إليه بوصفه خطوة أولية على الطريق الطويل لوضع الحقائق التاريخية والعيانية أمام أعين الشعب والإنسانية.

في الإطار نفسه، إطار الاستشراء السرطاني لأجهزة الأمن وتفاقم تدخلها السافر والمضمر في كل شاردة وواردة في الحياة العامة الذي وصل إلى حد لا يصدق ولا يطاق، إلى حد الاختناق الاجتماعي وانغلاق الدائرة المأساوية، سأحيل هنا أيضاً إلى ما تقوله صحيفة من صحف حلفاء السلطة ـ اليوم وليس في الماضي ـ تحت عنوان: حفل للأطفال يلغى بـ “قرار أمني” (بتاريخ 24/2/2001). بينما كان 300 طفل مع بعض ذويهم يتابعون بشغف عروض فرقة لبنانية للسيرك في مدينة الثورة، وكلهم فرح وحبور، وبعد مرور 40 دقيقة على بداية العرض، أعلن مدير الفرقة عن وقف للعرض لأسباب “أمنية”. ووسط الذهول والحيرة والاستنكار، توجه الأطفال بأسئلة بريئة إلى ذويهم عن معنى “الأسباب الأمنية”. ارتسمت الحيرة على وجوه الآباء والأمهات إزاء هذه الأسئلة البريئة كونهم عاجزين عن شرحها وتفسيرها للأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 4 و15 سنة. والحكاية أن أحد مسؤولي “الأمن” أرسل إلى الحفل ابنته برفقة “أحدهم” الذي طلب إدخال ابنة المعلم “مجاناً”، فردّ عليه المدير وقال: البارحة أرسل المعلم ثمانية أطفال ودخلوا الحفل مجاناً، ابنة أي معلم تكون هذه الطفلة؟ ولم يسمح له بالدخول. بعد فترة وجيزة حضرت إلى المكان دورية وطلبت من مدير السيرك وقف العرض. ويقال إنه تمّ استدعاء المدير إلى جهة أمنية وبقي هناك لأكثر من ساعتين. وهكذا تمّ إلغاء العرض بقرار إرادوي.. هكذا من المعلم..

نضع الموضوع برمته بين أيدي المسؤولين برسم الإجابة والمعالجة(4).

الفرقة لبنانية والمدير لبناني، ومع ذلك جرى ما جرى. فكيف الحال لو كانت وكان سورياً؟ “الله والأمن يعرفان ذلك”. وللقارئ أن يدرك أنه ما دام تدخل الأمن اليوم يصل هذا الحد فكيف كان في الماضي. وما دام تقرير حقوق الإنسان المحلي الذي يتحدث عن اليوم هو كذلك، فكيف كان الحال فيما مضى؟

لقد أدى الأسلوبان السابقان جنباً إلى جنب مع الحضور الكابوسي الكثيف لأجهزة الأمن إلى نجاح السلطة في تدمير وتصفية القوى السياسية حليفة كانت أم معارضة، عنفية كانت أم سلمية، يسارية كانت أم يمينية أم وسطية. وهي اليوم في أضعف حالاتها بالقياس إلى ما كانت عليه من قبل، إن لم نقل أنه لم يعد لها وجود أو نفوذ سياسي فعلي.

لقد أدّى الوضع السابق، إلى جانب الضغط الاقتصادي والاجتماعي المتعاظم، إلى التحاق الآلاف بل مئات الآلاف بحزب السلطة (كما يحصل عادة وتقريباً في كل نظام شمولي عرفناه بصفته أحد المظاهر والتجسيدات الأساسية له). ذلك، إما خوفاً، وإما انتهازية، وإما تسلقاً، باعتبار هذه ممراً إلى المنصب والثروة أو الترقي أو تحصيل العلم أو الوجاهة الاجتماعية حسب المبدأ القائل “بدنا نعيش”، وإما لإرضاء نزوات مرضية أو طموحات غير مشروعة... الخ. لذا، فلا غرابة أن يضمّ حزب السلطة اليوم ما يقارب المليون وربع المليون، حسب تصريحات أقطاب النظام نفسه. وإذا اعتبرنا أن عدد سكان سورية 20 مليوناً (بشيء من التسامح)، وإذا عرفنا أن أقلّ من نصفهم فقط يتجاوز عمره الثامنة عشرة، فإننا نستطيع القول بحساب بسيط: إن كلّ سابع أو ثامن راشد هو بعثي. ولما كان نصف هؤلاء الراشدين من النساء، ولما كانت النساء أقلّ انضواء في الأحزاب السياسية، فإننا نستطيع القول دون مبالغة، إنه ربما كان كل خامس أو سادس راشد ذكر هو بعثي. عندئذ يمكن تقدير الوضع الذي وصل إليه المجتمع والسلطة معاً.

إن احتكار السلطة الحقيقي والاستئثار بها والاستفراد بالقوة والقمع الشامل والمعمم وإطلاق العنان لأجهزة الأمن وتصفية القوى السياسية وموت السياسة في المجتمع تشكل جميعها السمات الرئيسية للنظام السوري. لا يغيّر من ذلك شيئاً الديكور الجبهوي ³الذي شهدنا ما يشابهه في البلدان التي سميت اشتراكية والتي لم يكن لها (أي الجبهات) أي دور فعليµ، أو ظهور بعض الأصوات هنا أو هناك. لقد أدى هذا الوضع، في جملة ما أدى إليه، إلى استشراء الرعب من السياسة والسلطة والأمن وإلى ضياع روح المسؤولية وموت المواطن والبحث عن الخلاص الفردي الخاص.

3 ـ السلطة على الصعيد الاجتماعي:

هنا يكمن جوهر الشمولية ـ كما أشرنا من قبل ـ وما يميّزها عن سائر الأشكال الأخرى من الطغيان والاستبداد والتسلط الفردي أو الحزبي. إن اختراق المجتمع ومؤسساته المدنية من الداخل والعمل على الإمساك بخناقه أو التهامه من داخل آلياته بالذات يجعل منه (أي المجتمع) في أحسن الأحوال استطالة عضوية أو لاحقة قسرية ³أو هما معاًµ للدولة، وللسلطة القابضة عليها بالفعل. ولأن الأمر كذلك، ولأن السلطة السورية لم تدخّر جهداً في توطين التجارب الشمولية الأخرى، ولأنها محكومة بالهاجس المرضي لبقائها واستمرارهاـ وهذا الأخير يشكل المحدد الرئيسي في نهاية المطاف لسياستها الداخلية والخارجية، والأولى منهما بشكل خاصـ، فقد عمدت هذه السلطة إلى الإمساك بخناق الفرد منذ أن يبدأ بتهجية كلماته الأولى وحتى القبر. ذلك، ليس فقط من خلال وسائل الإعلام المرئية المدروسة والتربية والجامعة، وليس فقط من خلال القمع العاري المعمم الذي أشرنا إليه من قبل، بل وبشكل خاص من خلال التنظيم ³القسري مهما قيل عنه وروّج لهµ الملحق بالدولة.

إنه يبدأ من سن العاشرة تقريباً (منظمة طلائع البعث)، ولا ينتهي إلا بانتهاء الحياة وفي القبر. فيستمر من خلال اتحاد شبيبة الثورة والاتحاد الوطني لطلبة سورية، ومن خلال النقابات المهنية والحرفية والاتحادات العمالية والفلاحية والنسائية، ³وحتى فيما يخص القطاعات ذات الطابع البورجوازي كغرف الصناعة والتجارة والزراعةµ. وكذلك الأمر فيما يتعلق بميادين الثقافة والرياضة، كالاتحاد الرياضي العام، واتحاد الصحفيين واتحاد الكتاب العرب، وحتى الجمعيات ذات الطابع الخيري. بل لقد وصلت الهيمنة الشاملة إلى حقل الدين، حيث استطاعت السلطة السيطرة على المساجد والمؤسسات الدينية عبر تدجين طبقة دينية رسمية لا همّ لها سوى كيل المدائح والتمسح بأعتاب السلطة الشخصية بامتياز، وإعلان آيات الولاء والخضوع والامتثال لها، بحيث تحول الحاكم (أو أوشك أن يتحول) إلى نبي معاصر للإسلام والأمة.. لم تكن الصيرورة مختلفة كثيراً عن ذلك فيما يتعلق بالاكليروس والدين الآخر. لقد تحول المسجد إلى مكان للطقوس والعبادات ودروس العالم الآخر وتمجيد السلطة، تماماً كما كان عليه الحال في العهد العثماني. والأمر نفسه فيما يتعلق بالدين الرسمي، حيث يقوم المفتي العام للديار السورية بدور لا يكاد يختلف عن ذاك الذي كان يقوم به مثيله في العهد المذكور. الأمر الذي أدى، كما هو الحال في كل زمان ومكان، إلى دين رسمي من جهة وسلطوي بامتياز، ودين مفارق لذلك اتخذ أشكالاً ومظاهر ومضامين مختلفة بكثير أو قليل عما سبق. من الجدير بالذكر هنا أن نسبة حضور حزب السلطة في كل مؤسسات الدولة والمجتمع يجب أن يكون ³وهو كذلك بل ربما هو أكثر من ذلك في بعض المؤسسات والمنظماتµ أكثر من النصف. وفي أقل تقدير يجب أن يكون نصف النصاب التنظيمي، بدءاً من مجلس الشعب وانتهاء بأي منظمة اجتماعية مهما تكن وأينما كانت.

مع ذلك فإن الأمور لم تقف عند هذا الحد. لقد أفرزت السلطة في الأزمة السياسية العنيفة بينها وبين الطلائع الإسلامية المسلحة (79 ـ 82) ظواهر تنظيمية خطرة، سواء كانت مسلحة أم غير ذلك، كظاهرة المظليين، والكتائب العمالية، وكتائب البعث.. الخ. وأصبح الانتساب إلى هذه المنظمات وسيلة مضمونة لتحقيق المغانم المادية والمعنوية على حد سواء، ليس فقط في الميادين المعروفة عادة كميادين الوظائف والعمل والسكن والسيارات وغيرها كثير، بل وصلت المشكلة إلى حقل العلم. فبات الانتساب إلى بعض المنظمات بمثابة جواز مرور بهذا القدر أو ذاك إلى المقاعد العلمية في كليات الجامعة، وبخاصة في الكليات التي تتطلب درجات ممتازة في التحصيل العلمي. لقد أصاب النخر المدرسة والتربية، كما أصاب الجامعة، من خلال الكثير من الأسباب المعروفة للجميع، ليس أقلها تبعيث التربية والتعليم والاستيلاء على المقاعد العلمية عبر الانتماء إلى منظمات بعينها، بعيداً عن الكفاءة الشخصية التي هي المحدد الحقوقي في الأصل أو ينبغي أن تكون كذلك على الأقل.

إن النتائج الكارثية للإطباق على المجتمع وإلغاء استقلاله تظهر بشكل تدريجي وعلى أكثر من صعيد. تفاقمت هذه النتائج في السنوات الأخيرة إلى درجة أجبرت السلطة على البحث عن حلول، إن لم يكن على صعيد الفعل فعلى صعيد الكلام على الأقل.

لم يقف الأمر في سوريا عند حد موت السياسة في المجتمع وتذرر الأفراد، بل تجاوزه إلى حد أننا نجد أنفسنا اليوم وجهاً لوجه أمام نكوص إلى الخلف ـبهذا القدر أو ذاك ـ إلى الإنتماءات العائلية والعشيرية وسائر الانتماءات المتخلفة. ليس هذا بمستغرب عندما يتم التفريط بحقوق المواطنة التي هي الشرط الأساسي والحد الأدنى الضروري للانخراط في مشروع تاريخي حضاري يتجاوز كل بقايا الماضي ورواسبه السلبية.

إن السلطة التي تتحدث علناً باسم الأمة والشعب والكادحين والاشتراكية تعمل حقيقة في الواقع ومنذ عقود ـ بغض النظر عن البدايات الأصيلة ـ لحسابها الخاص. فالاهتمام الأساسي للفئات المنبثقة من هذه السلطة، أو التي تشكل وشكلت جسدها الحاكم أو التي تدور في فلكها، منصبّ على تحقيق الثراء السريع. لقد تحولت إلى مدرسة في غاية الفساد والإفساد المنظم والمدروس، كما تحول المجتمع والاقتصاد الوطني إلى مزرعة خاصة بها وبقرة حلوب، سواء كان ذلك في قطاع الدولة أم المشترك أم الخاص. ذلك عبر العديد من الأشكال “القانونية” وما فوق القانونية. بدءاً من العمولات الفاحشة وانتهاء برعاية مافيات المهربين، بل والانخراط الفعلي فيها، مروراً بامتيازات المنصب المادية العينية إن لم يكن النقدية والتشارك مع القطاع الخاص وانتزاع الحصص والإتاوات منه والسرقة والرشوة واحتكار التعهدات الرئيسية للدولة واستخدام مرافق ووسائل وموجودات قطاع الدولة كما لو أنها ملكية خاصة للقيمين عليها والنهب متعدد الأشكال والمضامين وإلى ما هنالك من الطرق التي لا تعدّ ولا تحصى في الاستيلاء على ثروة الشعب وعرقه كيفما تجسدت وأينما كانت. بكلمة مختصرة، لقد تحولت فئات السلطة إلى مافيات حقيقية، إلى حلقات متراكبة، من الأدنى صعوداً إلى الأعلى، أو بالعكس. وهي تزداد نفوذاً وسطوة ونهباً بمقدار الاقتراب من مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الحكومة والحزب والمؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن وسائر الأجهزة البيروقراطية المتورمة إلى حد الانفجار. وبخاصة من خلال الإلحاق البنيوي الشامل لكل المنظمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بها. كما تشكل درجة القرابة العائلية والعشيرية من السلطة، والنخبة الحاكمة بشكل خاص، وسيلة فعالة بامتياز لتشديد قبضة المافيا المعنية عمودياً وأفقياً.

هذا الأخطبوط المتعدد الأذرع والأشكال والنشاطات المتناغمة أو المتنافسة يمثل العلق الطفيلي الذي يمتص دم وجهد وعرق الخالقين الفعليين لثروة الوطن والشعب. وهذه المافيات الفردية والمنظمة لا تعمل تحت جنح الظلام فحسب، بل علناً وتحت ضوء الشمس. إن المظاهر الفاقعة لنتائج أعمالها تفقأ العيون. ففي كل يوم تنبثق القصور الفخمة وتتهادى أساطيل السيارات الفارهة الحكومية ـ المستخدمة شخصياً ـ وغير الحكومية، على أرض الوطن وتملأ الطرقات والشوارع. بل وتؤدي بشكل متفاقم إلى المزيد من الحالات المأساوية بين الناس من خلال ضربها بعرض الحائط بكل النواظم القانونية وبخاصة فيما يتعلق بسرعاتها الجنونية من قبل أصحابها أو أولادهم، سواء كانوا مسؤولين حكوميين أم من شركائهم. بحيث تبقى الأصابع والوجوه المصوّبة نحو ظواهر الثروة والسلطة ومظاهر استعراض القوة هذه في حالة من العجز الشامل والذهول والاحتقان الذي لا ينفك يتفاقم لينفجر في الكثير من الحالات كتقليد لمن هم فوق، مشكّلاً بذلك الصيغة المهزلة للأصل.

بغاية استكمال الصورة، يمكن الإشارة إلى الأموال المهرّبة التي نعتقد أنها وصلت أبعاداً خيالية، سواء تلك التي يقوم بتهريبها حيتان البيروقراطية السورية، أم القطاع الخاص. لكن مع الأسف ليست لدينا أرقام موثوقة بهذا الصدد، وإن تكن الكثير من الصحف الغربية أو العربية نشرت ولا تزال أرقاماً بمليارات الدولارات. إنها ليست قليلة تلك الشخصيات التي تصل ثروتها المهربة إلى بضعة مليارات، وعلى رأسها مثلاً رفعت الأسد، شقيق الرئيس السابق، الذي ذكرت الأخبار أن ثروته، المسروقة والمغتصبة بالقوة وبعشرات وسائل النهب من دماء شعبنا والمهربة إلى الخارج، بلغت ذات مرة 7 مليارات دولار.

لقد دخلت سورية في حالة من التردي الاجتماعي والأخلاقي والقيمي لم تشهد لها مثيلاً من قبل على الإطلاق في العصر الحديث. وإذا كان من الصحيح أن لهذا الفساد المذكور، بصفته أحد المولدات الحقيقية لحالة التردي هذه، العديد من الأسباب، فإن فساد فئات السلطة والجهاز البيروقراطي ³بالمعنى الشامل للعبارةµ وحلقات المافيا المتكونة عبرها وحولها وبرعايتها يشكل السبب الأساسي بين هذه الأسباب.ولا معنى في هذا الصدد لديماغوجيا النظام وأزلام السلطة ومثقفيها العاجزين عن إنكار هذا الفساد والذين يحاولون بجوقة متناغمة حجب الشمس بغربال وتغطية السموات بالقبوات من خلال ذرائع لا تنطلي على أحد ـ بمن فيهم المروّجون لها في الأصل ـ من مثل: إن الفساد ظاهرة شائعة في العالم. أو تخريج ذلك عبر تسميته بالنواقص والثغرات أو العيوب والأوشاب التي تلتصق والتصقت “بالثورة” عبر مسارها الانتصاري المظفر. أو من خلال التأكيد على قدرتها (أي “الثورة”) على تطهير نفسها، كما فعلت في كل مرة.. كذا.. الخ!

إن هذه الديماغوجيا تتجاهل كلياً ـ بشكل مقصود أو غير مقصود ـ الفرق بين الفساد المستوطن والضارب أطنابه والذي يجري مجرى الدم في جسد وروح هذه البيروقراطية السورية وشركائها والمافيات المذكورة. أي الفساد بصفته ظاهرة رئيسية سائدة وناظمة للسلوك والقيمة في سلطة أو مجتمع، وهو واقع الحال عندنا، وبين الفساد بصفته ظاهرة موجودة في كل مكان وزمان بهذا القدر أو ذاك في داخل النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو على هوامشها. إن وضع إشارة مساواة بين الرئيسي والثانوي هو طريقة قديمة قدم التاريخ لتبرير الخطأ والجريمة والشرّ على اختلاف الأشكال التي تتجسد فيها. كما أنها طريقة لتضليل الحوار وإفقاد الخصوم الأرضية الصلبة. لدينا مثل عامي شائع يقارب المعنى الذي أريده، معنى إلغاء التمييز الفعلي بين الأشياء والظواهر، وهو: “كله عند العرب صابون”. ليس الفساد ظاهرة رئيسية ومستوطنة عندنا فحسب، بل هو من الاتساع والعمق أفقياً وعمودياً إلى حد يصعب القول فيه إن هنالك حقلاً أو مؤسسة أو منظمة لا تعاني منه. وهذا ما يميزه عن الفساد الجزئي الذي يمكن أن ينشأ في حقل ما أو مؤسسة ما وبقدر ما ولزمن ما.

إن التضليل الذي تمارسه الديماغوجية السلطوية والأبواق الناطقة باسمها لا يقتصر على طبيعة الفساد والمدى الذي وصل إليه، بل يتعداه إلى نطاق آخر لا يقل تضليلاً وخطورة لأنها (أي الديماغوجيا) تتجاهل هنا أيضاً الفرق بين المجتمعات المغلقة والمجتمعات المفتوحة. المجتمعات الديموقراطية القائمة على الاعتراف بالآخر والمصالح المتناقضة والتي لديها ما يكفي من الآليات لاكتشاف الفساد (الفردي أو الفئوي) والعمل على فضحه ومحاسبة القائمين عليه قانونياً أو سياسياً أو بهما معاً ³ونقصد بالسياسي هنا هو ما يترتب على الفساد من نتائج سلبية على النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي للقائمين عليه سواء كان المقصود بالفساد فرداً أم حزباً أم مؤسسة أم شركة الخ.

تعمل هذه المجتمعات على خلق المناخ والشروط المناسبة للتضييق على نشوء الفساد أو تفاقمه، بما في ذلك الآليات التربوية والآليات الاجتماعية الأخرى مثل: جماعات حماية المستهلك ونزاهة الدولة والقضاء و.. الخ. ذلك، جنباً إلى جنب مع الآليات القانونية وآليات التحقق من الثروات والنفقات والدخول الحكومية وغير الحكومية. وتلعب التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعترف بها في المجتمع المفتوح والتدفق الهائل للمعلومات والعلنية وغيره دوراً كبيراً في كشف الفضائح والتشهير بها والدعوة إلى مواجهتها والعمل على ذلك فعلاً (وهذا ما أسميه الأخلاق الناتجة عن الضغط الموضوعي للمصالح المتناقضة والخوف من الآثار السلبية عليها).

على العكس من ذلك، إن المجتمعات المغلقة ³وبخاصة الشمولية منهاµ تشكل الرحم المناسب للفساد، بل حمايته والالتفاف عليه حتى في حال ظهوره لأمد ليس بالقصير. ذلك لأسباب لا يجهلها أحد: بدءاً من السرّية ونقص المعلومات ³بل الافتقار التام لها في أحيان كثيرةµ، وانتهاء بالخوف المستوطن، مروراً بسائر الأمراض الأخرى التي يولّدها القمع الشامل، بما في ذلك إنكار الآخر وإلغاء استقلال المجتمع المدني ومنظماته. وفي هذه الحال لن تجد الكثير من الأصابع التي يمكن أن تشير إلى الفساد مباشرة وبشكل صريح وعلني، لأنّ احتمال قطعها غير مستبعد. فالسلطة وحدها هي المخولة بذلك وبما يخدم مصالحها واستمرارها وضرورة تجديد ذاتها وترتيب بيتها وترميم ثوبها المهترئ بين فترة وأخرى. أي أن السلطة هي المخولة أيضا بكشف بعض قوى الفساد والمتلاعبين بعقل الأمة وروحها وقوتها ³وربما يحصل ذلك أحياناً من خلال الصراع بين مراكز القوى في حال كانت هذه الأخيرة موجودةµ. وهي وحدها ـ أي السلطة ـ من يقرر متى يفتح الملف وإلى أي حدّ ومتى يكون إغلاقه مناسباً، حتى لا يتهدم الهيكل على من فيه وبما فيه.

نظرة سريعة نلقيها على ممارسة السلطة السورية، عبر العقود الثلاثة الأخيرة، كافية لأن نتحقق مما قلنا. فقد فتح ملف الفساد عدداً من المرات بدءاً بعام 1976 ـ 1977 وحتى الآن، لكنه كان يغلق في كل مرة قبل وصوله إلى مآله النهائي. أي قبل أن يطال الرؤوس الكبيرة والمافيات الحقيقية، أو ما يسمى عادة بالسمك الكبير أو الحيتان. نستثني المرة الأخيرة التي فتح فيها في بداية عام 2000، حيث طال رئيس الوزراء بالذات وبعض أشخاص آخرين ثم أغلق بعدها بسرعة. وعليه، فالشعب في سورية يأمل، ومن حقه أن يأمل حتى لو كانت فرص تحقيق هذا الأمل غير ممكنة على الأقل حالياً، بأن يستمر أو يعاد فتح الملف الرئيسي للفساد. إنه غير راض عما آلت إليه الأمور في حين أن السلطة لم تقدم مبررات علنية حتى الآن. ثمة شائعات فقط يتم تداولها على نطاق واسع ³مصدرها على الأغلب من داخل السلطة والمؤيدين لهاµ ترمز إلى ما يسمّى بمراكز القوى وأوضاع السلطة الجديدة والحاجة إلى الحرس القديم.. كذا.. الخ!

أما على صعيد ما تسميه الديماغوجيا السلطوية ثغرات الثورة المظفرة والقدرة على تطهير ذاتها، فإنني أعتقد، بل أجزم، أن الرصيد الفعلي “للثورة” ³هذا إذا كانت هناك ثورة في الأصل لأن ما حدث في 8 آذار 1963 لا يستحق هذا الوصف ناهيك عما حصل لاحقاً في تشرين الثاني 1970µ(5)، هذا الرصيد السياسي والاجتماعي قد تآكل وانتهى منذ زمن بعيد يعود به الغالبية العظمى من المفكرين إلى 5 حزيران 1967. أي قبل قيام السلطة الراهنة في الأصل. وحتى لو لم يكن الأمر كذلك ـ وهذا افتراض جدلي ـ فإن الخطاب السياسي المعلن للنظام لا يتطابق مع الوقائع الفعلية على الأرض إلا في أضيق الحدود. ذلك، بعد إعادة النظر بالكثير من مضامينه على الصعيدين القومي ـ الوطني والاجتماعي، وبخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بعد الاعتراف بالقرار 242، وبعد التدخل العسكري السوري في لبنان ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية ومشروعهما السياسي الوطني. فعلى الرغم من كل الالتباس الذي أحاط بهذا التدخل، ومن أن النظام السوري بدا وكأنه خلال ربع القرن الأخير ضد الجميع ومع الجميع في آن معاً، تبعاً لكل ظرف، وتبعاً للمواقف السياسية للأطراف المذكورة، وتبعاً للمتغيرات الاقليمية، رغم كل هذا الالتباس الذي لا يزال يتولد على الأرض وفي الأذهان، فإن هنالك شيئاً مؤكداً: إن التدخل العسكري السوري كان السبب الرئيسي في قطع الطريق على المشروع الوطني الفلسطيني ـ اللبناني في عام 1976، أما ما حصل بعد ذلك فكله قابل للنقاش.

أكتفي بهذا المثال، ليس لأنه الوحيد بل ربما كان الأبرز على الرغم من كل ملابساته، لأقول إن الرصيد المذكور أعلاه قد مات وشبع موتاً. وبالتالي لا معنى للقول السلطوي: إن الثورة تصحح مسارها عبر الزمن.. وعلى ذلك، فإن هذا القول لا يعدو أن يكون من نوع تلك النياشين والألقاب التي يحتفظ بها الإقطاعي مالك الأرض بعد فقدان أرضه وذهاب نفوذه. إن ما يمكن أن يجري في أحسن الأحوال أن تحاول السلطة البيروقراطية الشمولية ترقيع بعض الخروق وإصلاح بعض الاهتراء الذي تعاني منه. وهي في كل الأحوال بعيدة كل البعد عن الاستجابة لضرورة التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل والعميق لتجاوز الأزمة البنيوية المتفاقمة على كل الأصعدة، والتي لم تعد مظاهرها السطحية ومولّداتها العميقة بخافية على أحد.

في الإطار الاجتماعي، لا تزال السلطة تتحدث عن العدالة الاجتماعية، وعن الأخذ بعين الاعتبار المشكلة الاجتماعية لدى بحث الإصلاح الاقتصادي. إنه من المستحيل تصور العدالة الاجتماعية في ظل القمع الشمولي المعمم، وفي ظل انتفاء المشاركة الشعبية في صنع القرار، وحرمان الشعب من حقوقه وحرياته، وإلغاء الأحزاب فعلياً وإن استمر بعضها شكلياً، وفي ظل الاستيلاء التام على وسائل الإعلام والتعليم والثقافة. ولو اعتبرنا بقاء السلطة واستمرارها المعيار الأهم في رسم السياسية والممارسة على حد سواء، فالحديث عن العدالة الاجتماعية لم يعد أكثر من ديماغوجيا فارغة تتكسّر ما أن تلامس الواقع السوري الحقيقي. هذا الواقع الذي تكفي نظرة متفحصة إليه لكي تكشف بما فيه الكفاية الوضع المتردّي فيه للطبقات الشعبية وللفئات ذات المداخيل المحدودة، ليس مقارنة بالماضي فقط ³انظر على هذا الصعيد تقارير الشيوعيين المتحالفين مع السلطةµ، بل بالمقارنة مع الجوار في كل الاتجاهات شمالاً وجنوباً وغرباً وشرقاً. والأهم من ذلك، بالمقارنة مع ما يمكن لسورية أن توفره لأبنائها من العيش الكريم.

تؤكد الكثير من التقارير المحايدة على أن الطبقة الوسطى أو البورجوازية الصغيرة ـ والتي كانت ذات يوم رحم النظام نفسه ـ تعاني من التمزق والتحلل والانحطاط بكل المعايير الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية. كما تكشف هذه التقارير والمداخلات الكثيرة، في ندوة الثلاثاء الاقتصادية وفي المنتديات التي انتشرت في سورية أخيراً، عن عمق استقطاب الثروة بين قلة محدودة في القمة تحوز على أكثر من 3/4 (ثلاثة أرباع) الثروة القومية، سواء كانت هذه الفئة القليلة من داخل السلطة أو في نطاقها أم خارجها. في حين تعيش الغالبية العظمى على القطب الآخر، في حال مزرية من البحث الدائب لتأمين مستلزمات الحد الأدنى من العيش. إن الاستقطاب المتزايد للثروة في سورية وصل أبعاداً كارثية تذكّر بأسوأ البلدان المتخلفة على هذا الصعيد بما في ذلك بالطبع الأمراض الاجتماعية الناتجة عنه. ويمكن القول بقدر من التسامح النظري والعملي: إننا أمام أوليغارشيا اقتصادية (بلوتوقراط) ذات طابع احتكاري وطفيلي في الأعم الأغلب. أما خارج هذه القلّة، فإن العدالة الاجتماعية في سورية اليوم لا تعني أكثر من توزيع الفقر بالتساوي أو بالتفاوت على الجمهور الأعظم من الشعب.

لقد كان من الضروري التركيز على العدالة الاجتماعية في هذا المقال، لأن هذا الشعار أو رديفه، الديمقراطية الاجتماعية، طالما رفع في مواجهة الديمقراطية السياسية. وكان الاختباء وراء الأولى هو المقدمة الرئيسية لإلغاء هذه الأخيرة. لقد رأينا من تنويعات هذا الخطاب ما يكفي خلال القرن العشرين بكامله. ونحن شهود اليوم على انحطاطه وعلى انحطاط التجارب التي قامت عليه. فينبغي إذن أخذ العبر من التاريخ ومن واقعنا السوري، بما يسمح بإعادة الاعتبار لكليهما ولطبيعة العلاقة الناظمة لهما، بل وتكاملهما في نهاية المطاف. من المفيد بهذا الصدد إيراد شهادة من إحدى الصحف السورية الناطقة باسم أحد الأحزاب الحليفة للنظام (الحزب الشيوعي) تقول في معرض الحديث عن سقوط هذه التجارب الاشتراكية وتحت العنوان التالي: أية عبر من ذاك السقوط؟: “...ولأن مجابهة الديموقراطية السياسية بالديموقراطية الاجتماعية ـ دون إدراك أنه من غير الممكن ضمان إحداهما بمعزل عن الأخرى ـ يعني التضحية بكليهما معاً من حيث النتيجة...”(6).

الحق يقال، لقد كانت النتيجة تنطبق بحذافيرها على سورية. وعلى الرغم من أن صاحب المقال قد قصد في الظاهر المنظومة الاشتراكية السابقة وبخاصة الاتحاد السوفييتي، فإن المقولة تنطبق على كل واقع مشابه أو مقارب أو منطلق من المقولة إياها. والمقال بهذا المعنى يوحي بالواقع السوري اليوم دون أن يسميه بالضرورة بالاسم.

على الصعيد الاجتماعي أيضاً، ما يزال هناك الكثير مما ينبغي ويمكن قوله خاصة فيما يتعلق بمشكلة التسييس السلطوي لكل المنظمات الشعبية، وتحويلها بذلك عن طبيعتها الحقيقية والأهداف التي وجدت من أجلها. بل اعتبر النضال من قبلها في سبيل هذه الأهداف بمثابة جريمة، لأن الدور الحقيقي لهذه المنظمات يجب أن يكون، من وجهة نظر السلطة، دعم سياستها والدفاع عنها والترويج للمبررات التي تقدمها تفسيراً للتردّي الفعلي للحقوق المعيشية والنقابية والإنسانية لهذه المنظمات. لقد ذهبت أدراج الرياح بغير رجعة عبارة لينين الشهيرة التي قالها في ظل سلطة السوفييتات: “على النقابات العمالية أن تناضل ضد سلطتها بالذات”.

إذا كانت مشكلة تسييس النقابات والمنظمات الأخرى مسألة تقبل النظر في هذا الظرف أو ذاك، فإن الشيء الذي لا يمكن قبوله أبداً هو التخلي عن دورها الاقتصادي والاجتماعي تحت أي ذريعة كانت، أو أن يكون هذا التسييس في نطاق سياسة السلطة بالتحديد. لأننا في هذه الحال سنكون أمام منظمات ذيلية ونقابات سلطوية. هذا الأمر المرفوض تماماً هو ما حصل في سورية بدون لبس وهو أحد سمات الشمولية في كل زمان ومكان.

الأمر ليس أقل سوءاً فيما يتعلق بكل حقوق المواطنة والإنسان الأخرى. فليس هناك من حرمة للبيوت أو للمراسلات أو للاتصالات الهاتفية. لقد تمّ انتهاك هذه الحقوق طيلة العقود الماضية بأبشع الصور، بغض النظر عن المبررات التي قدمت لذلك ولا تزال تقدم، سواء كان المشجب هو حالة الطوارئ أم أمن الدولة أم حالة الحرب. أما حق الإضراب والتظاهر والاعتصام وتشكيل جمعيات ونقابات مستقلة حرة (كما نص الدستور ذات مرة) فقد أصبح من ذكريات الماضي البعيد. لا بل ينظر إلى ذلك بعين الريبة والشك والحذر الدائم، إن لم نقل بعين التجريم والتخوين، وهي التهم الجاهزة عند كل منعطف. لقد رأينا ذلك بوضوح سافر حتى في هذه الأيام، في الموقف من لجان إحياء المجتمع المدني والمنتديات الثقافية والسياسية، وإن يكن بدرجة أقل بكثير مما كان عليه في العهد السابق. إن الترسانة الصدئة جاهزة دائماً لتزويد السلطة بالاتهامات والذرائع الباطلة.

في نطاق النقابات والجمعيات والمنظمات، ينبغي الإشارة إلى فقدان الحق في التفاوض الجماعي على الأجور في قطاع الدولة، مع الاحتفاظ به في القطاع الخاص. وتأتي مسألة الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية للآلاف من الذين جرمتهم محكمة أمن الدولة العليا، كإحدى المشكلات الاجتماعية والإنسانية الحقيقية. فإضافة لاعتقالهم وسجنهم ومحاكمتهم التعسفية في الأصل، هذا الحرمان سيلاحقهم ليس داخل السجن فقط، بل وبعد خروجهم منه لمدة عشر سنوات.

إن الشمولية، والسورية منها، وبدون بلاغة لغوية، هي كالطاعون، كالهواء الأصفر الذي يستحيل أن ينجو منه شيء. لو أجرينا مقارنة بسيطة الآن على الصعيدين الاجتماعي السياسي بين ديكتاتورية الشيشكلي وديكتاتورية العقود الثلاثة الأخيرة الشمولية لأخذنا الذهول كل مأخذ. فحتى على صعيد القمع العاري ³وهو القاسم المشترك في كل الديكتاتورياتµ فإن الفارق يبقى مذهلاً إلى درجة لا تصدق. لقد كان اعتقال مناضل سياسي شهورا ًفي زمن الشيشكلي بمثابة خرق المحرمات. واجتماعياً كان يستقبل لدى خروجه من السجن برش الرز على رأسه. وهذا سلوك مألوف لدى الكثير من الشعوب تعبيراً عن التضامن والاحتفاء والرفض والتحدي للسلطة القائمة. في حين يقبع في ظل الشمولية معتقلون ومناضلون سياسيون في السجن لمدة ربع قرن أو أقل أو أكثر وكأن شيئاً لم يكن. بل إن السلطة طالما أنكرت وعلى طول الخط أن لديها معتقلين سياسيين أو معتقلي رأي. وحسناً فعلت السلطة الجديدة حينما اعترفت في 16 تشرين الثاني 2000، أنها أطلقت سراح 600 معتقل سياسي في عفو خاص.

كما أن تدخلاً مهما يكن محدوداً في شأن نقابة أو جمعية أو ناد ثقافي أو رياضي كان في عهد الشيشكلي مدعاة للاستنكار المدويّ والإدانة الحازمة. في حين أصبح التدخل اليوم من ذكريات الماضي لسبب بسيط: لأن كل تجمع أو منظمة أو نقابة أو ناد هو جزء عضوي من البنية المتورمة لبيروقراطية الدولة، وبالفعل من السلطة الحاكمة.

كما كان جرح مواطن في مظاهرة مضادة للسلطة بمثابة عار في جبينها، وبمثابة إعلان حرب. أما اليوم فأصبح التظاهر ضد السلطة من ذكريات الماضي هو الآخر، ما دام لا أحد يجرؤ في الأصل على التفكير فيه، ناهيك عن تنفيذه (تاركين ما يمكن أن يحدث في هذه الحال لتقديرات كل أحد). بل إن العشرات، إن لم نقل أكثر، قد لقوا حتفهم تحت التعذيب في أقبية المخابرات، أو لاحقاً في السجون، دون أن يرمش لذلك جفن. وهنا يجب أن نشير إلى أسوأ ما في القمع، والقمع الشمولي منه بخاصة، من استخفاف بارد بالحياة وبالروح البشرية وعدم احترام الحق المقدس في الحياة للكائن البشري. إن قدسية الحياة لا وجود لها في قاموس الشمولية. الدلائل على ذلك متضافرة ومتوافرة بدرجة لم يعد فيها مكان للمزيد. مع ذلك، يمكن الإشارة، على سبيل المثال فقط، إلى المجزرة التي حصلت في سجن تدمر في 27/6/1980 على يد رفعت الأسد. فهل كان بالإمكان حدوث ذلك لو كان هناك ذرة من الاحترام للقانون ولحقوق الإنسان، وبخاصة الحق المقدس في الحياة واحترام الروح البشرية؟

كما يمكن الإشارة إلى أحد القوانين الناظمة لعمل إدارة أمن الدولة، وهو قانون سري ممنوع نشره. جاء في المادة 74 من قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة وقواعد خدمة العاملين فيها والصادر بالمرسوم التشريعي رقم 549 بتاريخ 25/5/1969 ما يلي:

“لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين، أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة، واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير...”. الكل يعرف في هذه الحال ما الذي يمكن أن يجري، وقد جرى بالفعل. ونحن نأمل أن يذهب هذا القانون إلى متحف التاريخ كي تعرف الأجيال القادمة أي بشر كان أجدادهم.

ليس التظاهر أو الإضراب فحسب ما أصبح من ذكريات الماضي، إن كل ما له علاقة بالحقوق والحريات السياسية طاله المصير نفسه. ولم لا؟! أليست الشمولية تتضمن ذلك بحد ذاتها؟ ولهذا فهل من معنى لأن نشير إلى أن الانتخابات الحرة في كل الحقول وعلى كافة الأصعدة، بدءاً من انتخاب رئيس الجمهورية واختياره من بين عدد من المرشحين، وانتهاء بالانتخاب في أصغر خلية اجتماعية، مروراً بانتخاب مجلس الشعب وسائر المنظمات الأخرى، هذه الانتخابات صارت كمن يطلب لبن العصفور؟ وفي هذه الحال، هل هناك معنى أيضاً لأن نتحدث عن سيادة الشعب أو سلطة الشعب أو سيادة القانون، أو تداول السلطة سلمياً...؟ هذه المفردات جميعاً تكاد تصبح ـ إن لم تصبح ـ من المنسيّات. ليس لأنها لم تعد قائمة في الأصل فحسب، بل لأن قرابة ثلاثة أجيال لا يعرف عنها شيئاً يستحق الذكر. إن لم نقل إنه لم يسمع بها في الأصل، حتى وقت قريب جداً وفي نطاق لا يتجاوز بضعة آلاف في أحسن الأحوال.

على الصعيد الاجتماعي ـ السياسي الراهن، لا بدّ من الإشارة كذلك إلى ما يمكن تسميته سمة خاصة تتعلق بالحالة الاجتماعية للنخبة الحاكمة وللمفاصل الرئيسية في المؤسسة العسكرية والأمنية. إنها سمة تميّز إلى حد ما النظامين السياسيين الشموليين في سورية والعراق، على الرغم من التفاوت الملموس بينهما. وهنا أيضاً أفضل إيراد شهادة لباحث اجتماعي وناشط سياسي من داخل فلسطين المحتلة (حظي ويحظى باستقبال مشرف واحتفاء كبير من قبل أعلى مستويات السلطة في سورية، الأمر الذي يعني أنه من الصعب عدم أخذ شهادته على محمل الجدّ بحجة أنه حاقد أو ناقم أو مغرض أو عميل.. الخ). إنه الدكتور عزمي بشارة الذي يقول: “ولكن بعد انهياره (يقصد الخطاب السياسي القومي الوحدوي) تبين أن الدولة السلطوية في العراق وسورية تعتمد بشكل أساسي على ولاء الضباط وقيادات الحزب من أبناء الأقليات، وقد عقّد هذا الواقع عملية الدمقرطة بشكل حاد..”. يضيف أيضاً لتفسير ما سبق: “.. كما أنه في واقع الدولة التسلطية لا تتولى الأقلية الحكم بل نخبها..”(7).

والآن إذا صحّت هذه الشهادة فلا معنى لعدم أخذ الموضوع بعين الاعتبار والبحث المسؤول والمشرّف عن آليات تجاوز ذلك عبر الوسائل الديموقراطية الضرورية. لكن، من الظواهر الدالة والسمات المتخلفة للشمولية ظاهرة التوريث التي رأيناها في كوريا والتي نجد ما يماثلها إلى حد غير قليل في العراق وسورية، وربما غداً في ليبيا ومصر وغيرها. إن هذه الظاهرة تطرح الكثير من الأسئلة الحارقة كما تثير الكثير من القلق والرفض والخوف المشروع. لقد كان منظراً غير مقبولاً على الإطلاق أن نرى سفاحاً مثل رفعت الأسد يعتبر نفسه الوريث الشرعي والأحق بالسلطة في سورية. لو كان رفعت الأسد ينطلق من أنه كان ذات مرة نائباً للرئيس، أو أنه استمر كذلك شكلاً حتى رحيل شقيقه، لكان الأحق بذلك منه النائبان الآخران اللذان كانا وما يزالان على رأس عملهما. وهما، أو على الأقل واحد منهما، أسبق من رفعت الأسد في هذا الموقع. إذن لا بدّ من أن المذكور ينطق في دعواه من شيء آخر، من موقعه داخل العائلة والنخبة الحاكمة. لقد كان انتقال السلطة في سورية إلى الرئيس الجديد والطريقة التي تمّ بها والشخص الذي تمّ الاتفاق عليه مادة مناسبة لهذا الإدعاء، على الرغم من أنه مرفوض بكل المعايير. إن انتقال السلطة هذا من الأب إلى الابن، أياً تكن المبررات والذرائع التي قدمت له، وبشكل خاص الطريقة التي تمّ فيها، يشكل ظاهرة غير صحية، بالإضافة إلى كل ما قيل سابقاً عن إشكاليته الدستورية واستهانته بعقل الشعب وحقوقه.

إن الظاهرة المذكورة، بما في ذلك الإدعاءات بالأحقية التي صدرت عبرها، تحيل الشعب إلى مجرد متفرج لما يجري على المسرح. إلى مجرد شاهد بليد على مستقبله الذي يفرّ من بين يديه وكأنه لا حق له في الأصل ولا رأي ولا إمكانية في تقديم البديل. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الظاهرة مستشرية إلى حد أن الجبهة قد استمرأت، كما يبدو، هذا السيناريو. لذا، صار مشهداً عادياً أن يخلف الأبناء أو الزوجات آباءهم أو أزواجهم في القيادة، لا بل وحتى في المناصب الوزارية التي يمكن أن تسند إلى أحزاب الجبهة. ولأن الظاهرة بهذه الدرجة من الاستشراء والوضوح، فمن غير المعقول ومن الاستخذاء الأخلاقي أن ندير الظهر لها وكأن شيئاً لم يكن، ومهما تكن الذرائع التي تقدم من مثل ضرورة استمرار النهج أو عدم زعزعة الأسس أو الوضع الخ. لأنه حتى إذا قبلنا جدلاً هذه الذرائع، فما الذي يمنع أن يكون الخليفة أحد الأكفاء في الجهاز الحزبي لحزب السلطة وأحزاب الجبهة على حد سواء. أعتقد أنه لن يحاول أحد أن يجادل في هذه الحال بالقول: إنه ليس هناك أكفاء. لأنه كمن يقول ليس فقط إن على هذه الأحزاب السلام، بل وأكثر من ذلك: إن القيادة السابقة مسؤولة عن عدم وجود أكفاء في الأصل. فهل يجرؤ أحد على قول ذلك؟

على صعيد مشترك بين القضاء والنقابات والسياسة نورد بياناً وقع عليه حوالي 70 محامياً يتحدث عن مطالب تدل بشكل واضح على الوضع الذي آل إليه حال القضاء وحال نقابة المحامين. من هذه المطالب إلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات العامة، وإصدار قانون للأحزاب ينظم الحياة السياسية في سورية وصولاً إلى مبدأ تداول السلطة، وإصدار عفو عام عن المعتقلين السياسيين، ومنع القضاة من العمل في السياسة، وتحرير نقابة المحامين من التبعية. من الجدير بالذكر أن هذه النقابة كانت واحدة من العديد من النقابات المهنية التي حلت في عام 1980 وقامت السلطة في حينها بتعيين مجالس إدارتها مباشرة. تلك كانت خطوة دالة في الطريق التي سار عليها النظام في إلحاق النقابات به وإفقادها كل استقلالية. في الوقت نفسه، كان عدد مماثل تقريباً من المحامين قد وقع على مذكرة طالب فيها بالعديد من المطالب المشتركة مع ما سبق على قاعدة ضرورة تطبيق مراسيم العفو بشكل عادل وشامل وغيره.

4 ـ على الصعيد الاقتصادي:

جميع المختصين في هذا الحقل في الداخل والخارج مجمعون على أن هناك أزمة بنيوية في الاقتصاد السوري، بما في ذلك أقطاب السلطة وخبراؤها ومثقفوها، وإن كانت تسميتهم للمسألة تختلف قليلاً أو كثيراً. لقد قيل الكثير في الأسباب الحقيقية للأزمة ومظاهرها والآثار المدمرة لها، لكن ما يهمنا هنا هو ذلك الجانب المتعلق بالشمولية وأحد العوامل التي تولدها. إنه قطاع الدولة الذي كان القاعدة الأساسية لنشوء وتطور ونمو البورجوازية البيروقراطية عبر عشرات الأشكال من النهب القانوني وغير القانوني، والتي لم تعد الآن بخافية على أحد. بل إن السلطة الحاكمة والبيروقراطية الملتفة حولها استخدمت هذه الأشكال بطريقة ناجعة لخلق الأنصار والولاءات السياسية عبر سلسلة من الخدمات العينية التي تشكل في بلد مثل سورية امتيازات حقيقية، بدءاً من المسكن المجاني أو شبه المجاني، وانتهاء بالهاتف المجاني، مروراً بالسيارة الحكومية للاستخدام الشخصي. وهي تشكل مجتمعة تقريباً دخلاً عينياً لا يقل عن 30 ألف ليرة سورية شهرياً إذا حوّل إلى نقد. هذا المثال هو غيض من فيض مما يجري في البلاد ومما يعرفه ويراه ويلمسه باليد ويئن تحت نيره الغالبية العظمى من شعبنا.

عملت البيروقراطية السورية بدون كلل طيلة العقود الثلاثة السابقة على إعادة توزيع الدخل بطريقة تتناقض في العمق مع كل قانون أو مشروعية أو عرف أو تقليد أو منطق. لا بل إنها تمضي قدماً في هذا المضمار حتى الآن على الرغم من كل الضجيج الذي يثار حول الإصلاح. يكفي أن نشير إلى مثال واحد: الشركة أو الشركات الخليوية التي تستولي أو ستستولي على ريع التردد. إن هذا السلوك المنافي لكل شرعة عقلية أو أخلاقية هو الذي أوصلنا اليوم إلى الأفق المظلم (إن لم نقل المسدود).

سأكتفي هنا بالحديث عن قطاع الدولة وعن مواقف مختلفة تتضمن مفارقات حقيقية. فهناك اليوم عدد من هذه المواقف لا تفسر فقط بالانتماء الإيديولوجي أو السياسي أو الاجتماعي. من بينها الموقف الداعم لبقاء هذا القطاع مع بعض الرتوش. ينطبق هذا على بيروقراطية الدولة والحزب والنقابات، وبكلمة البيروقراطية بشكل عام، مع تباينات محدودة تعود إلى الموقع في سلّم البيروقراطية وإلى أسباب أخرى ذات طابع إيديولوجي أو اجتماعي أو سياسي. فالقطاع المذكور كان ولا يزال يشكل رأسمال البيروقراطية الاقتصادي والاجتماعي، والمولّد الحقيقي لامتيازاتها وثرواتها وحضورها الطاغي.

بالمقابل، يدعم اليسار بشكل عام، وبخاصة الدوغمائي منه، وجود هذا القطاع (بالطبع مع ضرورة إصلاحه على الأصعدة كافة وبخاصة التقنية والإدارية منها، ولكن في كل الأحوال من دون إعادة نظر ضرورية في وجوده ودوره). وتدعو إلى تحرير هذا القطاع الفئات البورجوازية بشكل عام، انطلاقاً من واقعه المزري وتكاليفه العالية وخسارته الدائمة. لكن، تتذرع البرجوازية هذه بعيوبه الحقيقية ليس من أجل تجاوزها، بل من أجل الخلاص من القطاع المذكور لإطلاق يدها في اقتصاد البلد، بحيث ينطبق عليها القول: كلام حق يراد به باطل. فالطبقات والفئات الاجتماعية تنطلق من مصالحها ومن رؤيتها لهذه المصالح. كذلك تقف فئات اجتماعية وسياسية أخرى موقفاً يدعو إلى إعادة النظر كلياً بمفهوم قطاع الدولة والدور الذي يجب أن يسند إليه في كل إقلاع اقتصادي أو في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء. مما يعني إمكانية التفكير، ليس في نسف القطاع القائم كلياً، ولا في مجرد إصلاحه، بل في إعادة طرح دوره ككل في سياق التطور التاريخي، بحيث لا بد من قطاع دولة. لكن قطاع دولة مدروس بشكل مسبق في كل عناصره ومقوماته، بدءاً من القطاعات التي يمكن أن يتواجد فيها وانتهاء ببنيته الداخلية.

هذا الموقف الذي يقوم على إعادة نظر نقدية شاملة يقف وراءه، كما أشرت، فئات يسارية ووطنية يجمعها الموقف النقدي والمنفتح، وليس الموقف التقليدي والدوغمائي المعروف الذي يقف مع قطاع الدولة أينما كان وكيفما كان وكأنه الأيقونة المقدسة. وربما يقف وراءه حتى فئات من يسار البورجوازية. في كل الأحوال تقبع المسألة الاجتماعية، والوظيفة الاجتماعية لقطاع الدولة (بالطبع بالإضافة إلى دوره الاقتصادي) في عمق ورحم كل نقاش للقطاع المذكور، مما سيكون له أثر كبير على محتواه ووظيفته ومستقبله. ولأن الأمر كذلك، سواء تمّ التصريح به أم لا، فلا بد من التأكيد على ضرورة إبداع علاقة جدلية بين الدورين الاقتصادي والاجتماعي لهذا القطاع كي يمكنه أن يقوم بدور فعال على صعيد التنمية الشاملة وتجاوز الأفق المظلم والبدء بإقلاع حقيقي بعيد عن المظهرية والأسر الإيديولوجي والمصلحة الأنانية الضيقة من أية جهة أتت.

أود الإشارة هنا إلى أنني لا أعرف حقيقة أين يقف عمال هذا القطاع، صانعوا الثروة الحقيقية فيه والذين ينهب جهدهم على قدم وساق. نظرياً وتاريخياً، من المفترض أن يقف العامل مع قطاع الدولة ومع تعزيزه، إلا أن هذا الافتراض النظري قد لا يتطابق بالضرورة ـ بل قد يختلف كثيراً أو قليلاً ³لما شاهدنا ذلك من قبل في انهيار الأنظمة الشموليةµ عن موقف البيروقراطية العمالية واليسار الدوغمائي المعروف جيداً لنا.

5 ـ على صعيد الإعلام والثقافة:

لا مراء في أن أول الإجراءات التي تقوم بها الأنظمة التسلطية والشمولية هي مصادرة الرأي الآخر، وتسويق الرأي الأحادي. لذا كان من البديهي إغلاق الصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى ذات الطابع السياسي، بل وذات الطابع الثقافي، إذا كان فيها ما يوحي بالسياسة ولو من بعيد. وهذا ما فعلته السلطة السورية على أتم وجه. فليس هناك في سورية، ما قبل الشهور الأخيرة، أية صحيفة سياسية مستقلة. ليس هذا فحسب، بل كانت الصحف والمجلات والكتب الأجنبية والعربية التي يمكن أن تتطرق للسياسية السلطوية سلبياً ممنوعة من الدخول لسنوات طوال، إلى أن تحسن الوضع قليلاً في الفترة الأخيرة. كما كانت الرقابة شديدة على المطبوعات الداخلية بشكل عام، وبخاصة الموضوعات التي تشكل حساسية خاصة للسلطة.

على الرغم من ذلك (وربما بسبب ذلك)، تكاثرت في السنوات الأخيرة وسائل التقاط الفضائيات الخارجية وانفتح المواطنون على العالم بعد إغلاق كثيف دام حوالي ربع قرن. مع ذلك بقي موضوع الأنترنيت يثير جدلاً خاصاً وما يزال محدود الانتشار جداً، ومراقب ومسيطر عليه من قبل الأجهزة الأمنية التي تغلق كل النوافذ التي لا ترتاح لها، سياسية كانت أو تاريخية أو اجتماعية. وتدور الآنـ على الرغم من كل الوعود بزيادة الأعداد وتخفيف قبضة الرقابةـ معركة قديمةـجديدة بين السلطة ومستخدمي هذه الوسيلة. هنا يذكرنا موقف السلطة السورية بموقف ستالين في أوائل العشرينات في روسيا عبر هذه الشهادة المستقاة من صحيفة الحزب الشيوعي (الحليف للنظام) تحت عنوان: الخوف من الثقافة، الخوف من المثقفين، حيث يقول الشاهد: “.. رفض ستالين الاقتراح الذي قدّمه ليون تروتسكي لتعميم خطوط الهاتف في أنحاء الاتحاد السوفياتي الجديد” قائلاً: “إن ذلك بمنزلة ثورة مضادة أي بمجرد أن يستطيع الناس الاتصال بعضهم ببعض تتراجع سلطة الدولة عن احتكار المعلومات والمعلومات هي القوة”(8). فهل نحن على خطأ إذا قلنا إن الأحياء يحذون حذو الموتى، ونحن لا نفعل أكثر من التأكيد من جديد على حقائق الشمولية القديمة؟ لهذا ليس من الغريب أن يجري لدينا ما جرى في ما يتعلق بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وتدفق المعلومات والرقابة على المطبوعات، وسائر الممنوعات التي لا أول لها ولا آخر. إنه الخوف من المثقف، كما يقول عنوان المقال، الخوف من استعادة القطيع حقه في الاجتماع البشري، الخوف من استعادة الرعية لحقوق المواطنة.

إننا أمام خوف مزدوج: من ناحية، خوف كارثي ينخر جسد الأمة من السلطة وممارساتها وبخاصة من أجهزة الأمن التي تغطي كل شيء وتتدخل في كل شيء. ومن ناحية أخرى، خوف سلطوي من الشعب، حتى وهو في حاله هذه. فأي خير يرتجى من هذا الرعب المدمر عند شعب مذعور ومهمش ومنخور من الداخل، وسلطة تعيش هاجس الأمن ليل نهار؟

لم يكن في سورية ـ حتى أيام قريبة ـ سوى صحف السلطة الثلاث: تشرين، البعث والثورة. صحف تحتكر الحقل الإعلامي والسياسي وتتضافر مع الإذاعة والتلفزيون لتسويق الخطاب الرسمي فقط، والذي هو ليس أكثر من خطاب إنشائي ذي بنية إيديولوجية ديماغوجية، تبريرية وتقريظية في آن. تماماً كما كان الحال عليه في البلدان الشمولية سابقاً، وبخاصة “الاشتراكية” منها بما فيها تلك التي لا تزال قائمة حتى اليوم. هذا الخطاب المتهافت موضوعياً، في الشكل والمحتوى، هو الذي تسيّد حتى توحّد. وحتى لا نتهم بالمغالاة والتطرف، نورد هنا شهادة من داخل البيت إلى حد كبير، شهادة رئيس تحرير صحيفة الثورة، الصحيفة التي ينظر إليها على أنها ناطقة باسم الحكومة. يقول السيد محمود سلامة في افتتاحية العدد الصادر في 3 آذار (مارس) 2001 (أي قبل أن يقال من منصبه) ما يلي: “... ربما كان من الضروري أن نعيد على مسامع البعض بأن ربيع دمشق مازال في بداياته، وأن السعي لتحقيق الإجماع والوحدة الوطنية لا ينتمي إلى مجتمع الببغاوات والخطاب الرسمي الأحادي الجانب، بل ينتمي إلى عالم التعددية السياسية والاقتصادية وتعدد الرؤى الثقافية..”(9). فشكراً للسيد محمود سلامة على هذا الاعتراف الواضح من أن الربيع المقصود هو ربيع التعددية.. إن الإجماع والوحدة الوطنية هي في نطاق السعي لأن تتحقق. الأمر الذي يعني أن تشدق السلطة بهما ليس إلا من قبيل ذر الرماد في العيون. إن فرض الأشياء من فوق وبالقوة والخوف أمر يختلف تماماً عن تحقيقها من تحت وبالاقتناع الذاتي العميق.

ولأن الأمر كذلك، فلا عجب أن يدير المواطن السوري ظهره للإعلام السلطوي كلياً وينصرف للبحث عن الإعلام الآخر لاستقاء الأخبار والمعلومات والتحليلات منه، وبخاصة تلك التي تتعلق بالوضع الداخلي في سورية. لقد استطاع الإعلام السوري السلطوي، جنباً إلى جنب مع المدرسة والجامعة وطلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة والاتحاد الوطني لطلبة سورية واستغلال الدين والمسجد وسائر المنظمات والنقابات والمؤسسات التربوية والثقافية، استطاع أداء مهمته على “أكمل وجه” في غسل دماغ وذاكرة الشعب، وبخاصة الأجيال الناشئة. إننا نقف اليوم وجهاً لوجه أمام أجيال لا ذاكرة تاريخية لها، ولا تعرف شيئاً ذي معنى من تاريخ سورية في النصف قرن الأخير. بل تكاد لا تعرف سوى ذلك الذي يريده النظام وبالطريقة والمحتوى اللذين يريدهما. لقد اختزل التاريخ المذكور إلى تاريخ حزب البعث والسلطة السورية خاصة السلطة المشخصة للرئيس السابق. إن أكثر من 75• من الشعب السوري لم يعرف غير هذه الصورة رسمياً. وهو لم يتح له أن يتعرف فعلاً على ما يناقضها، حيث أن الصورة السابقة قدمت له في كل مكان وزمان وفي كل خطاب تقريباً. وقد زاد في الطين بلّة تصفية المعارضة سياسياً وتنظيمياً، مما جعل صوتها خافتاً إلى حد يصعب سماعه.

لقد تعددت وسائل الإعلام والأشكال والمضامين التي كرست فقدان الذاكرة وغسيل الدماغ هذا. فأينما نظرت وحيثما توجهت في سورية ليس أمامك سوى الصور والتماثيل الكاملة والنصفية للرئيس السابق، بدءاً من دفاتر الأطفال، إلى الدوائر والمؤسسات، مروراً بالحوانيت ووسائل الاتصال العامة والخاصة والدور والشوارع والساحات. شمل ذلك المؤسسات الاقتصادية والطبيعية والاجتماعية والإعلامية والثقافية وغيرها التي اتخذت لنفسها اسم الرئيس السابق وامتد الأمر إلى عائلته وبخاصة إلى ابنه الأكبر ووصل إلى حفر الأسماء المذكورة على السفوح المحيطة بالطرقات العامة. بحيث أننا أمام مسلسل إعلامي رمزي كلي الحضور في مخيلة وعيون الشعب على مدى أربع وعشرين ساعة وعلى امتداد ربع قرن على الأقل. وحسناً فعل الرئيس الجديد بإزالة اللافتات القديمة الكبيرة من الشوارع ويأمل الشعب (مهما يكن هذا الأمل محدوداً) أن تمتد هذه الإلتفاتة لتشمل كل المظاهر والأسماء والممارسات التي من شأنها أن تكرّس بهذا القدر أو ذاك أسطورة الزعامة وعبادة الفرد.

لم يقف الأمر عند الظواهر هذه فقط، بل امتد ليشمل كل الاحتفالات والمسيرات، وأسابيع العلم والثقافة وتدشين المنشآت وافتتاح المهرجانات. كلها بدون استثناء من أكبرها إلى أصغرها كانت تقدم في الإعلام الرسمي تحت رعاية الرئيس الراحل إلى حد جعل حضوره (وفيما بعد حضور العائلة) ماثلاً في الأذهان والأعيان مثول البداهات والمسلمّات التي لا تقبل النقاش. فإذا كان من الصحيح أن اللقب الرسمي الذي كان يذكر به (السيد الرئيس وكان يضاف أحياناً المناضل) هو لقب طبيعي ومقبول، إلا أنه حالما يتجاوز الأمر البروتوكول الرسمي كان المجال يفسح لوصف إنشائي تقريظي يصل في مغالاته حدوداً يصعب تصورها أو قبولها. بالأخص، عندما كان البعض يجعل من اللغة وسيلة عاجزة عن الإحاطة بعظمته. مع ذلك إن الأمر لم يقف عند هذه الحدود، فكما يحصل عادة في التاريخ، أعيدت كتابة سيرة حياته وأسقط حاضره على ماضيه بحيث جعلت كل حلقة فيه تؤدي بداهة ومنطقاً إلى الأخرى، وبحيث جعل إنساناً فذاً ومتميزاً بكل المعايير منذ ولادته. قدّم ذلك عبر صور لم يكن من شأنها سوى أن تجعل منه القائد الأول لحزبه ولحركة النضال الوطني في سورية خلال العقود الأربعة الأخيرة.

في الإطار نفسه وصل التعامل مع ابنه البكر وضريحه أبعاداً لا معقولة على الإطلاق، تفتقد إلى المنطق والكياسة عندما حوّل ضريحه إلى محج دائم يفترض أن تؤمه الوفود الرسمية وغير الرسمية، من أعلى المستويات إلى أدناها، من داخل البلد وخارجه، لتقديم فروض الاحترام والتمجيد (إن لم نقل التقديس). لكن من الضرورة أيضاً القول أن هذه المظاهر قد تراجعت بشكل ملموس في العهد الجديد.

في مطلق الأحوال، لم يصل الإعلام السوري الرسمي إلى الأبعاد اللامعقولة والخرافية التي وصل إليها الإعلام الكوري الشمالي أو العراقي في تقديس الزعيم الخالد الأوحد وعائلته. فقد حافظ ولو بشكل خجول على بعض العناصر العقلانية رغم أنه ذهب في المحصلة بعيداً في مستنقع التقديس.

لقد أفتقد هذا الإعلام إلى حد كبير الروح الإنسانية والروح النقدية وروح المواطنة، وبكلمة، الروح الموضوعية والحد الأدنى من المصداقية. ولعل أخطر ما في الأمر هو اختزال التاريخ والوطن والشعب والسلطة في شخص واحد، في حين تفقد كل التوسطات الأخرى المؤسسية والاجتماعية والفردية كل معنى أو قيمة أو حضور. وهي إن وجدت، فإنها تستمد منه الحضور ولكي تخدمه وتفخر بأنها تعيش في عهده وظله، ولكي تنفذ إرادته التي لا ترد ولا تناقش. أخطر ما في الأمر أن كل شيء في الحياة أصبح عطاءً من السلطة المشخصة بامتياز، ومنّة يجب عدم الملل من تكرارها ليل نهار. وهذا يعني ببساطة أن مفهوم وواقع حقوق المواطن وسلطة الشعب قد ذهبت أدراج الرياح. فليس ثمة حقوق تؤخذ بل عطاءات تمنح من فوق لا أكثر ولا أقل. باختصار، لقد تحوّل الشعب في نهاية المطاف إلى رعية وموضوع لفعل الذات السلطوية المشخّصة. وسيحتاج الأمر إلى المزيد من الحرية والحكمة والجرأة والزمن للتدرّب على المواطنة واستعادة الذات الفردية والجمعية على حد سواء. ولأن الثقافة على علاقة وثيقة بالاجتماعي والسياسة والإعلام، فأي ثقافة يمكن تصورها في ظل الأنظمة الشمولية، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات الثقافية أم بها بوصفها تعبيراً عن الوعي والقيم والأخلاق والفن؟

هذه شهادة من الوسط نفسه يتحدث فيها الكاتب والشاعر شوقي بغدادي عن سلبيات اتحاد الكتاب العرب وتحويله “من منظمة ثقافية شيئاً فشيئاً إلى منظمة سياسية تابعة للسلطة في معظم توجهاتها وأفكارها بشكل يحجب إمكانات التنوع في الأفكار والمواقف داخل المنظمة بهدف صهرها كلها برأي واحد وموقف واحد.. ثم يتابع إلى قتل الإبداع ما عدا حالات نادرة..”(10).

المشكلة هي مرة أخرى مشكلة التسييس السلطوي للمنظمات الاجتماعية والثقافية والمهنية. مشكلة التبعية وموت الإبداع. وعندما تكون هذه حال الثقافة فماذا بوسع المرء أن يتوقع سوى طغيان الخطاب الإيديولوجي والديماغوجي والخطاب السياسي الرسمي الأحادي؟ إن الحرية شرط للإبداع، وفي ظل القمع يموت الإبداع. يقول الكواكبي في حديثه عن الاستبداد: “.. وهو مفسد للدين في أهم قسميه أي الأخلاق وأما العبادات منه فلا يمسها لأنها تلائمه في الأكثر...”(11) وقوله: “كذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد والمختصة بما بين الإنسان وربه لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة..”. ويقول: “ترتعد فرائص المستبدين من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية.. الخ”.

انطلاقاً من التاريخ والواقع، أعتقد أن هنالك بالمقابل أشكالاً من الإبداع قد توجد وتزدهر في ظل الشمولية. ازدهر بعضها في الواقع السوري خلال العقود الثلاثة وربما كان السبب في ازدهارها كونها الأشكال التي يمكن أن يرتد الإبداع إليها بحكم الظروف القاهرة. وسيكون على هذه الأشكال أن تتكيف مع هذه الظروف كي تستطيع الاستمرار. فما دام الشعر مثلاً يحيّد النظام السياسي أو لا يشير إليه صراحة فهو قادر على الاستمرار والازدهار كونه الشكل الذي يسمح بالتنفيس عن الداخل. في السياق نفسه تجيء الرواية التي ازدهرت في سورية في العقود الأخيرة سردياً وفنياً والقصة بمختلف أشكالها. لقد تكيفت الرواية مع النظام الشمولي من خلال الابتعاد عن الزمن الراهن والعودة إلى التاريخ. لذلك فلا غرابة أن نكون شهوداً على ازدهار الرواية التاريخية أو رواية اللامكان واللازمان.

إن هذا الهروب إلى الماضي وإن كان مفهوما فهو غير مقبول. فالإبداع في حقل الرواية التاريخية هو في أحد وجوهه نتيجة الشمولية، وفي وجوهه الأخرى يعود إلى الوضع التاريخي المأساوي الذي تمرّ فيه المسألة الوطنية والقومية والاجتماعية. هذا الوضع الذي يحيل إلى الماضي للاستقواء به على الحاضر هو نكوص عانت ولا تزال تعاني منه المجتمعات في مثل هذه الأحوال. وربما كان للبنية الذهنية الوطنية الطاغية للمثقف العربي ـ والسوري منه بخاصة ـ دور في هذه العودة التاريخية، حيث يشكل استخدام سلاح التاريخ عنصراً أكثر من مجرد التكيف مع الشمولية. عنصراً من شأنه تحقيق قدر من الرضى الذاتي الفردي والجماعي على حد سواء مثلما هو ردّ فعل نفسي لا عقلي على الحاضر المهزوم.

مع ذلك (وبسبب ذلك أيضاً) يشكل غياب الرواية الواقعية ـ أو لنقل عدم ازدهارها ـ التي تتحدث عن واقعنا التاريخي الراهن فضيحة حقيقية للكتاب وإدانة صريحة للنظام الشمولي في آن معاً. مع العلم أن ثمة روايات تتحدث عن هموم وشجون ومشكلات الوضع الراهن، لكنها لا تشكل الاتجاه السائد في الرواية أو المشهد الأبرز فيه.

فيما يتعلق بالفنون التشكيلية، من المعتقد أن هذا التكاثر الفطري فيه لا يعود إلى مجرد الهواية، بل ربما هو في جزء منه طريق للتعبير عن الذات في ظل الكابوس القمعي وتقلص المساحات الأخرى المسموح بها. فسورية اليوم تشهد ما يسميه البعض نهضة فنية تشكيلية، في حين يرى آخرون أنها على العكس من ذلك تكاثر سرطاني. لكننا في كل الأحوال أمام حقل غزير الإنتاج ما دام بعيداً عن معارضة الاتجاه الأيديولوجي السياسي السائد للنظام أو ما دام يشير إلى ذلك في أحسن الأحوال بتلميح بعيد جداً.

على صعيد السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة، يمكن رؤية الأمر نفسه بطريقة أو بأخرى. فأفلام اللازمان واللامكان والفانتازيا التاريخية تملأ الفراغ. وتزدهر الدراما السورية على هذا الصعيد بشكل لا يقبل إدارة الظهر له، في حين تواجه الأفلام الواقعية بالصد والإعراض. وقد تبقى في الأدراج سنوات طويلة دون أن يراها الجمهور، مكتفية بأن تعرض في المسابقات العالمية للسينما أو في عروض خاصة داخل الوطن وفي أضيق نطاق قبل أن تلقى مصيرها الذي يعرفه الجميع.

في الفكر والثقافة بشكل عام، ليس من مشكلة كبيرة قول شيء ما مفيد وذو مغزى ما دام الأمر يتعلق بالتاريخ أو الساحات الأخرى أو من منظور نظري صرف. بحيث يمكنك التحدث عن الحرية شكلاً في عالم الآخرين، كما هو الحال في عالم القمع، مادام خارج الحدود. لكن حذار من الوصول بذلك إلى داخل الحدود. وحتى في هذه الحال، يجب التأكد من أن الكاتب محصور في النطاق النظري الصرف دون الإشارة بالملموس وبالمطلق إلى الوضع السياسي القمعي، ودون المطالبة بشيء ما على هذا الصعيد. فالخطاب الرسمي يعتبر النظام الشمولي القائم نظاماً ديموقراطياً شعبياً والحرية متاحة فيه بصفتها الحرية الوحيدة الحقيقة. وعليه، يعتبر النظام وممثليه أنفسهم غير معنيين لأنهم ديموقراطيون وأحرار على طريقتهم، وهي الطريقة الوحيدة الصحيحة لا بل هي الرائدة، وللآخرين أن يفسروا الأمور بطريقتهم. لكن حذار من التصريح، وحذار من العياني والخاص وما يتعلق بالداخل.

لنأخذ على سبيل المثال فن الكاريكاتير السياسي، الذي هو فن نقدي وساخر بامتياز. مع ذلك فإنك عاجز كل العجز أن تجد رسماً كاريكاتيرياً واحداً عن سياسات النظام السوري في الصحف السورية. فالحقل السياسي هو خارج قوس الكاريكاتير، بحيث لا يبقى في هذه الحال إلا الكاريكاتير السياسي عن سلطات الخارج العربية وغير العربية، لينحصر ويزدهر في الداخل في حقل بعض الظواهر الاجتماعية والبيروقراطية وما شابه ذلك.

إن موقف النظام السياسي الشمولي من الثقافة مقارب لما ذكره الكواكبي عن موقف الاستبداد من الدين. فما دامت الثقافة لا تخوض في الحقول التي يعتبرها النظام محظورة أو لا تمس المقدسات أو الحساسيات التي يكرّسها منذ البدء أو عبر الزمن، فإن بوسعها أن تقارب الحقول الأخرى وإن بما يكفي من الحذر والتكيف المطلوبين. لكن ما العمل إذا كانت الثقافة التي تستحق اسمها ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً في صدام لا مفر منه مع الكابوس الشمولي؟ الثقافة بما هي إبداع فكري وفني نقدي وعميق ومفتوح يستهدف إعادة صياغة الحياة في منظور عقلاني وإنساني وديمقراطي يؤسس للقيم الإنسانية الأنبل: الحق، الخير، الجمال، الحب.. الخ. إذا كانت الثقافة كذلك، فإنها في نهاية المطاف معنيّة في جوهرها أن تكون على مسافة أمان كافية من كل سلطة سياسية أياً تكن، فكيف إذا كانت هذه الأخيرة شموليةً؟

بإيجاز، يمكن القول أن الإبداع في ظل الشمولية قد يجد لنفسه متنفساً في حقول معينة، وإن يكن ضيقاً وهشاً ومحفوفاً بالمخاطر. لكن ما عدا ذلك هنالك حقول تتعلق بالفكر السياسي وفلسفة الحكم والآثار الكارثية في المجتمع لطبيعة النظام السياسي ومسائل الحريات والحقوق والممارسات السلطوية وغيره، يشكل الخوض فيها مجازفة غير مأمونة العواقب.

بقي أن نذكّر في النهاية أن البحث هذا يعالج المرحلة السابقة على الوضع الراهن. الأمر الذي يستدعي القول أن عدداً من المحظورات والمخاوف المذكورة أعلاه قد تمّ تجاوزها إلى حد سمح فيه بإطلاق جزئي لحرية القول المقيدة بالعديد من الخطوط الحمراء والمقدسات السلطوية.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ أقصد النظام التوتاليتاري Totalitarian، أي النظام الكليّاني، وقد فضلت استخدام الشمولي بدل الكلياني، لأن العبارة أسهل لفظاً وأدرج استعمالاً.

2 ـ أما فيما يتعلق بتنفيذ أو عدم تنفيذ الأحكام الصادرة عنها فإن السلطة التنفيذية هي من يقرر ذلك ولرئاسة الجمهورية القول الفصل في هذا المضمار بما في ذلك إلغاء هذه الأحكام.

3 ـ أضيفت عبارة الأسلحة الحربية بموجب القانون رقم /36/ تاريخ 26/3/1978.

4 ـ جريدة نضال الشعب، العدد 602، 31/3/2001، ص13. لسان حال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري.

5 ـ هذا لا يعني القول أن السلطة الشمولية الراهنة هي استمرار طبيعي للسلطة التي قامت في 8 آذار، بل إن الفروق بينهما واضحة بما فيه الكفاية. على الرغم من أن هذه الأخيرة قد خرجت من رحم السلطة القديمة ومؤسساتها الحزبية والعسكرية، لكن ليس كل استمرار أميناً للرحم الأصل. هذه الإشارة ضرورية منعاً لاختلاط الأمور وضياع الرؤية المدققة.

6 ـ جريدة نضال الشعب، لسان حال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري، العدد 602، 31/3/2001، ص5.

7 ـ نقلاً عن محاضرة للدكتور عزمي بشارة: (واقع وفكر المجتمع المدني قراءة شرق أوسطية) والتي تشكّل الفصل الأخير من كتابه عن المجتمع المدني بشكل عام. طبعة منشورات مواطن في فلسطين. من الجدير بالذكر هنا أن الطبعة التي نشرت خارج فلسطين لم تسمّ بالاسم الدول المذكورة أعلاه. الأمر الذي يدل على الدرجة التي انحطت إليها الأمانة العلمية لأسباب سياسية. راجع ص 34 من المحاضرة المذكورة.

8 ـ جريدة نضال الشعب، لسان حال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري ـ العدد 602، تاريخ 21/3/2001، ص11.

9 ـ الثورة، دمشق، العدد رقم 1142، الصادر في 3 آذار عام 2001.

10 ـ صحيفة المحرر العربي، العدد رقم 285، من 10 آذار إلى 16 آذار 2001، الصفحة 24.

11 ـ طبائع الاستبداد، دار الشرق العربي، الطبعة الرابعة، ص102.

الفصل الرابع

مدخل لقراءة التعددية في سوريا

عبد الرزاق عيد(*)

المقدمة:

... التعددية كمفهوم فلسفي يذهب إلى أن كل ما هو موجود يتألف من كثرة من الجواهر المتعادلة المنعزلة، التي لا يمكن ردها إلى مبدأ واحدي مفرد، لأن المفهوم الواحدي يقول بأن الأساس وراء كل الوجود مصدر واحد. وقد كانت آراء المذهب التعددي أساس نظرية (الموناد) عند لابينتز، حيث الموناد يشير إلى الوحدة البنائية الجوهرية إلى الوجود. فهو تارة أساس العالم وتارة المصدر الوحيد للوجود، وهو عند لابينتز “جوهر بسيط مغلق لا يقبل التغير”.

فالتعددية والأمر كذلك تستخدم في مجال علم الاجتماع كأسّ لإنكار وجود مبدأ واحد محدد للمجتمع، فهي بذلك تتطلع لتقديم رؤية للعالم تتجاوز فيه الواحدية مادية كانت أم مثالية. فالمادية الواحدية تنطلق من أن المادة أساس العالم، بينما المثالية تعتبر الروح أو الفكرة هي الأساس. وحسب التعريفات الكلاسيكية الماركسية، فإن فلسفة هيغل أكثر الاتجاهات المثالية لمذهب الواحدية اتساقاً، وحيث المادية الجدلية وفق هذه المقاييس تبدأ من الحقيقة القائلة بأن العالم بطبيعته مادي، وأن كل الظواهر في العالم ليست سوى أشكال متنوعة للمادة المتحركة. تمتد هذه المادية في الفلسفة الماركسية إلى الظواهر الاجتماعية أيضاً(1).

وفق هذه الإطلالات النظرية، ستكون التعددية في اللاشعور المعرفي العربي الإسلامي طريدة المحبسين: محبس الرؤية الواحدية الصمدية، حيث كل تعدد شرك ووثنية، ومحبس الإيديولوجية اليسارية (القومية والماركسية). فالقومية تنظر إلى الأمة كوحدة جوهرية، كروح مطلق متعالي فوق المكان والزمان، كموناد روحاني مغلق لا يقبل التغيير. وهو بحكم طبيعته المطلقة الخالدة لا يتجلى إلا في صورة “رسالة خالدة” لأمة عربية واحدة جوهرية الهوية واللسان جوّانية المعرفة، رحمانية الإيمان(2).

أما الماركسية فإنها بعد أن “تتسَفيَت” ويحولها ستالين إلى مجموعة من “الوصايا” في كتابه “أسس اللينينية”، الكتاب الأكثر ذيوعا وانتشارا، ويبدو أنه المصدر الرئيسي إن لم يكن الوحيد لشيوعيي ما بعد تأسيس الكومنترن وبداية جذب الأحزاب الشيوعية العالمية إلى واحدية المركز السوفييتي، فإنها (الماركسية) ما كان لها أن تنتج سوى بعد واحد على المستوى المعرفي ليحل محل الواحدية الدينية أو يساكنها ويحاورها، وفي أكثر الأحيان والحالات يحل فيها حلولا تناسخيا سحرياً. فيغدو التاريخ البشري تجليا لذاته الحتمية في جعله يتحرك كونيا وفق قانون واحد “الصراع الطبقي” والذي سيقود حتمياً في كل زمان ومكان إلى مجتمع الوحدة البشرية التي سيلغى فيها التعدد والتنوع. فوفق القراءة الستالينية للماركسية، ينبغي تأميم التنوع والتعدد البشري (القومي والاثني والديني) لصالح نموذج بشري كوني (روبوت). وعليه، ينبغي إخضاع التاريخ البشري لهذا الهدف الواحدي، ليرغم أن يكون تاريخ البشر ليس إلا تاريخ انتقال منتظم داخل التشكيلات الخمس. فالتعدد في المسارات والتغاير في الخصائص وأساليب التطور والتحول من تشكيلة إلى أخرى هرطقة تمس وحدة التطور البشري!

هذه المقدمة العامة تقتضي منا تقصي النواة الطاردة لمبدأ التعددية فكريا وثقافيا وسياسيا في المجتمع السوري، ومن ثم استجلاء مظاهر حضورها في بعض المحطات التاريخية التي يمكن وصفها بالليبرالية، وبعض الخيرات الهامشية التي خالطت التيارات الفكرية ـ السياسية (الإسلامية ـ القومية ـ الماركسية).

النواة الطاردة إبستميا:

الموسوعة الفرنسية تعرف التعددية ـ بالمعنى العام ـ أنها تعددية الأفكار والاتجاهات، في مجالات متنوعة (سياسية ـ اجتماعية ـ اقتصادية ـ دينية).

على المستوى الفلسفي، تبدأ بتعريفها سلبا، بأنها ضد الواحدية، وحيث الحقيقة تتشكل بوصفها مستقلة وغير قابلة للاختزال إلى مبدأ واحد(3).

يضيف قاموس (Robert) بأنها تنطلق من التركيب المتنوع للكائنات، وإفرادهم، وعدم ارتباطهم بحقيقة مطلقة. وهي النظام السياسي الذي يعتمد عدة وسائل للتوجه (التعدد النقابي). وقاموس (Larousse) يعتبرها مفهوما سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا،... إلخ، يقر بتعددية وتنوع الآراء والاتجاهات.

فلسفياً، هي مذهب لا يقر إلا بكيانات مركبة ومفردة داخل العالم(4).

الموسوعة الفلسفية السوفيتية انتقدتها بوصفها مضادة لوحدة المصدر المادي للوجود، كما أسلفنا، والتعريفات اللاحقة بتأكيدها على التعددية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومن ثم الانطلاق من رفض الحقيقة المطلقة يستدعي الإقرار بالنسبي، والاعتراف بفردية الكائن كذات عاقلة، مالكة لحياتها وبدنها وذهنها. وامتلاك الفرد لذاته وعقله وذهنه سينتج عنه ما يعادله في حقل الممارسة المعرفية، ما نعنيه: حرية التعبير والتفكير التي ستتوج المبادرة الخلاقة، والفرد الحر سيتوج مفهوم “الاعتراض والمغايرة” المؤسس للتعددية الاجتماعية والثقافية، حيث الاختلاف أصل الجدل، والجدل هو أصل الطبيعة وأصل التقدم والابتكار(5).

لا شك أن مجموع هذه المفاهيم تحيل إلى منظومة الحرية الليبرالية، وأن التعددية كمعادل لمفهوم “المغايرة والاعتراض” ستكون ثمار سيرورة طويلة لتاريخ الليبرالية، والتي سيشكل كتاب ستيورات ميل “في الحرية” تتويجا شهيرا لها عالميا وعربيا، كما تدل على ذلك كتابات أحمد لطفي السيد أستاذ طه حسين ومحمد حسين هيكل(6).

إن أول مقاربة ليبرالية عربيا لمفهوم التعددية في صيغة الحرية ومن منظور معرفي “ابستمي” هي مقاربة طه حسين، وذلك في سياق مقارنته بين الشرق والغرب.

فطه حسين يميز بين عقلين “عقل غربي فلسفي” و”عقل شرقي ديني”. وهو إذ يؤسس لنظامين عقليين، فإنه ينشد اقتحام عالم الاجتماع والسياسة لالتقاط التمايز بينهما في كلا العالمين الغربي والشرقي. يقول في كتابه السباق،ابستميا، “قادة الفكر” الصادر سنة 1925: “فالمدن اليونانية شهدت الملكية والجمهورية والارستقراطية والديموقراطية المعتدلة والمتطرفة، التي لا يزال أثرها قوياً في أوربا إلى اليوم، وعرفت هذه المدن حرية الأفراد والجماعات، بينما كان الشرق خاضعا لنظام سياسي واحد لم يتغير ولم يتبدل، وهو نظام الملكية المطلقة المستبدة الذي تفقد فيه الجماعات والأفراد كل حظ من الحرية”(7).

لماذا هذه (التعددية) في أنظمة الحكم وحرية الجماعات والأفراد في اليونان، بينما تسود هذه (الواحدية) أنظمة وبشراً في الشرق؟

“لأن الحياة اليونانية التي خضعت للشعر في أول أمرها، ثم خضعت بعد ذلك للعقل، كانت أخصب حياة عرفها الإنسان في العالم القديم ... فبينما نجد العقل اليوناني يسلك في فهم الطبيعة وتفسيرها هذا الملك الفلسفي الذي نشأت عنه فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس ثم فلسفة ديكارت وكانت وكونت وهيغل وسبنسر، نجد العقل الشرقي يذهب مذهبا دينيا قانعا في فهم الطبيعة وتفسيرها: خضع للكاهن في عصوره الأولى وللديانات السماوية في عصوره الراقية، وامتاز بالأنبياء كما امتاز العالم اليوناني الغربي بالفلاسفة”(8).

هكذا يضعنا طه حسين أمام منظومتين معرفيتين تتشكلان في صيغتين: العقل والشعر، التعددية والواحدية.

فالعقل = الفلسفة = الحرية = النظم السياسية المتنوعة والمتبدلة (ملكية ـ جمهورية ـ أرستقراطية ـ ديمقراطية)، أي التعدد.

أما الشعر = الكهانة = النبوة = الدين = الملكية المطلقة التي لا تتغير ولا تتبدل = الاستبداد أي الواحدية.

لعل مقاربة طه حسين تلك هي من أولى التمييزات في النص العربي للعقل إبستميا بمثابته نظاما للفكر وجهازا للمعرفة. فالعقل ـ والأمر كذلك ـ ليس هو الفكر ذاته، وليس هو المعرفة ذاتها، بل هو الآلية التي تنظم الفكر والمعرفة(9).

انطلاقاً من هذا الفهم الإبستمي لبنية العقل والمجتمع والسلطة، فإن النواة الطاردة للتعدد شرقيا، عربيا، إسلاميا، هي الرؤية الواحدية (الميثية) السحرية للعالم والتاريخ.

الليبرالية/ التعددية:

تستطيع سوريا أن تفخر أنها كانت برجا للأحزاب خلال الأعوام التي سبقت الوحدة مع مصر عام 1958، وبأنها كانت غنية في الحياة السياسية بصورة لا تجاريها فيها أية دولة عربية أخرى. وهكذا فإن سوريا تطرح نموذجا ناشطا لدراسة تداخل القوى والأفكار من مختلف الألوان السياسية وصراعاتها(10).

هل نستطيع العودة بفكرة التعدد وتداخل القوى والتيارات والأفكار إلى قيام الكتلة الوطنية، بوصفها الجامع والموحد لتعدد الإرادرات الوطنية في مرحلة الواجهة مع الاستعمار الفرنسي؟

لقد ضمت الكتلة الوطنية أحزابا منحلة كحزب الشعب دون رئيسه عبد الرحمن الشهبندر ذي النزعة القومية العلمانية الليبرالية وأبرز ممثليها الراديكاليين. وقد يذهب البعض إلى أن تشكل الكتلة كان موجها بصورة غير مباشرة في إحدى جوانبه ضد زعامة الشهبندر الذي سيضطر إلى العيش في المنفى في مصر حتى عام 1937، كما ضمت مع حزب الشعب قسما من أعضاء حزب الاستقلال العربي.

تأسست الكتلة في 19 تشرين 1927، لتكون إيذانا ببداية مرحلة جديدة هي مرحلة النضال السلمي، ونهاية الكفاح المسلح، حيث عقد أنصار الكفاح السلمي مؤتمرا في بيروت سمي بـ “المؤتمر الوطني في بيروت”. ذلك المؤتمر الذي ستتمخض عنه الكتلة الوطنية والتي ستقود الكفاح السلمي من 1928 ـ 1945(11).

إن أهم ما يفيدنا في هذا السياق الإشارة إلى أن الكتلة الوطنية شكلت القاع التاريخي لليبرالية السورية، حيث مع قيامها ينقل مركز ثقل الحركة الوطنية من الأرياف إلى المدن، من جماعات الكفاح المسلح وزعامات الريف إلى أحزاب مدنية وقيادات سياسية تتحدر من أوساط النخب المدنية الموسرة، من شرائح صاعدة باتجاه بورجوازية تجارية وصناعية وفئات وسطى ومثقفين. حيث ستشكل المهاد السياسي تاريخيا لبداية نشوء مؤسسات المجتمع المدني والإقرار بالتعددية والتداول السلمي للسلطة قبل ما عرف بالانقلابات العسكرية، وما بعدها عند ما انحلت الكتلة إلى حزبين كبيرين يتنافسان سلميا على السلطة هما: حزب الشعب والحزب الوطني. وذلك في سنة 1947 بعد الضربة التي تلقتها الكتلة بوفاة سعد الله الجابري 20 حزيران 1947 لأنه كان أكثر رجالها شجاعة واستقامة. وقد تداول رئاسة الوزراء في عهد رئاسة القوتلي مع اثنين من أعضاء الكتلة البارزين هما جميل مردم وفارس الخوري، وذلك ما بين أيلول عام 1943 وعام 1947(12).

مما له دلالة في هذا السياق على الممارسة المدنية للسياسة والإقرار بمبدأ التعدد والتداول أن انفجار الكتلة الوطنية لم يقد إلى مواجهات وإعتقالات وتصفيات كما ستشهد سوريا لاحقا في عهد الشرعية الثورية ومن ثم لم تتم على أساس الإشكالية المركزية التي هيكلت كتاب باتريك سيل (الصراع على سوريا). تلك الإشكالية التي يؤطرها في علاقة الصراع بين حزب الشعب الحلبي العراقي الهوى والحزب الوطني الدمشقي السعودي النزوع. بل إن بدايات التشقق كانت في حلب كما سيقر سيل نفسه، حيث بذور الانشقاق تبدأ بانفصال (رشدي الكيخيا وناظم القدسي) عن سعد الله الجابري(13). والشخصيات الثلاثة ينتمون إلى عائلات حلبية معروفة.

بل إن الصراع السياسي واللجوء إلى الشرعية البرلمانية أو الحكومية تدحض استنتاجات بعض المستشرقين كجاك بيرك القائلة: بأن التمييزات الحادة (الإنشقاقات الإيديولوجية والشخصية) تحل مكان الوطنية الأصلية الطوعية، وذلك في صدد الحديث عن التعددية التي حكمت التجمعات السياسية العريضة التي عرفها العالم العربي،حيث الاندفاعة الوطنية ـحسب تعبيره ـ في أي قطر عربي تميل إلى إيجاد تجمع عريض غير متجانس، مثل “الكتلة الوطنية” في سوريا، و”الوفد” في مصر، و”الاستقلال” في الجزائر، و”الدستور الجديد” في تونس، حيث يتآلف ـ حسب بيرك ـ رجال بماض ومشارب متباينة وراء هدف وحيد هو الاستقلال. لكن النجاحات الأولى، سواء أتت عن طريق التفاوض مع الدولة المحتلة أو الكفاح المسلح ضدها، كانت تشق هذه التجمعات، وهذه الانشقاقات ـ حسب رأيه ـ كانت أيديولوجية وشخصية، وكانت تحل التمييزات الحادة مكان الوطنية الأصلية الطوعية ـ كما أسلفنا(14).

ماكس فيبر يرى أن الثورة الإدارية (البيروقراطية)، حيث تطبيق مبدأ التقسيم الاجتماعي للعمل تطبيقا للعقلانية، هذه الثورة لا تقل عن الثورة الصناعية التي أحلت محل وسائل الإنتاج القديمة الآلات البخارية. وبهذه الصفة يجب أن تعد تحولا جذريا لقوى الإنتاج... حيث النماذج الثلاثة المثالية للسلطة الثلاثية التي يقترحها ـ فيبر ـ أصبحت شهيرة وهي: السلطة القانونية ـ العقلانية، السلطة التقليدية، سلطة الهالة(15).

إن الليبرالية بتأسيسها لسلطة قانونية ـ عقلانية في نسيج الحياة السياسية في سوريا، قد أحدثت ثورة إدارية عميقة، لا يمكن إدراك أهميتها وقيمتها إلا من خلال المقارنة مع صورة السلطة التقليدية ذات الجذور الريفية المتحالفة مع الهوامش الرعاعية لأطراف المدن، التي نكصت بصورة الدولة، إلى ما قبل الدولة الكولونيالية، لتنبعث في صورة الدولة المملوكية أو العثمانية، وفق التشخيص الرهيف لياسين الحافظ. فهو يفضل الدولة المملوكية على الدولة المعاصرة، بأن الأولى استطاعت أن تنهض بأعباء الدفاع عن الأمة أمام اجتياح المغول والتتار والصليبيين، بينما الأخيرة فئوية، تقليدية، شخبوطية، تجمع إليها نموذج سلطة الهالة (الشمولية) للأجهزة الأمنية.

لقد كان على شكري القوتلي الراغب بتجديد انتخاباته، أن ينتهز فرصة وفاة سعد الله الجابري، رئيس الوزراء المعارض لرغبة الرئيس، وذلك بعد انتخابات عام 1947 ليدفع بمشروع قانون لإصلاح المادة 68 من الدستور. الأمر الذي من شأنه أن ترتب على التعديل الدستوري، انهيار النظام البرلماني السوري بعد أربعة عشر شهرا، حتى يأتي خالد العظم من باريس 1948 لينهي أزمة تركت سوريا بلا حكومة أكثر من أسبوعين، وليشكل وزارة من خارج البرلمان في 16 كانون الأول، ثم واجه بعد عشرة أيام مجلسا نيابيا ثائرا. خالد العظم أتى من خارج التشكيلات الحزبية المتصارعة التي أهلته لأن يكون أهم شخصية سياسية في تاريخ سوريا الحديث.

إذن لقد استطاعت الليبرالية السياسية السورية، الكتلة الوطنية، ومن ثم حزب الشعب والحزب الوطني من خلال تأسيسها لنظام إداري عصري وحديث، مستندة إلى سلطة قانونية عقلانية، أن تتيح لرجل لا يستند إلى توازنات الكتل السياسية والنيابية، لتشكيل الوزارة وفي أكثر من مرة بعد أن عهدت له وزارت تقانية (مالية ـ تموين)، انطلاقا من مبدأ الكفاءة لا مبدأ الولاء المهيمن اليوم.

على هذا يغدو من عدم الإنصاف اعتبار الانشقاقات والصراعات، التي شهدتها مرحلة الاستقلال، نوعاً من التمييزات الحادة التي تحل محل الوطنية الأصلية كما يذهب جاك بيرك. ولو أن نظام الحكم الليبرالي يستند إلى هذه التمييزات غير الوطنية، ولا يستند إلى نظام عقلاني قانوني مدني حديث وعصري في بنيته الإدارية والحقوقية، نقول لو كان يستند في انشقاقه وصراعاته إلى العوامل الإيديولوجية والشخصية، والمحلية، لما أتاح للعسكريين انقلاباتهم الأولى، ولا انقلاباتهم الثورية التالية، ولا هيمنة العسكرية الريفية أخيرا وإقصاء هذا التاريخ الطبيعي للمجتمع، وهو ينمو عبر مؤسسات مدنية وحقوقية تستند إلى التوافقات الوطنية والتعددية الحزبية والسياسية وإلى صندوق الاقتراع الذي مسخ إلى صندوق للفرجة لا نرى في داخله إلا برلمانات دمى متحركة.

الليبرالية/ العقل الشقي:

لعل خير نموذج نظري للفكر الليبرالي السوري هو عبد الرحمن الشهبندر. فقد جمع الرجل بين الممارسة النظرية والممارسة العملية من خلال الأدوار السياسية التي أداها بدءا من أول حكومة في عهد فيصل، حيث كان وزيرا للخارجية فيها. ولعل هذا التداخل هو الذي يفسر الوظيفة الإجرائية لكتاباته. فلقد وضع الشهبندر كتابا تحت عنوان “القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي” حيث نشره كمقالات في مجلة المقتطف خلال الثلاثينيات، ثم صدر عن المقتطف في كتاب عام 1936.

إن الوظيفة الإجرائية للكتاب تتمثل بوصفه برنامج عمل تثقيفي يتوجه فيه الخطاب وجهة تعبوية مباشرة، يسعى من خلاله الكاتب أن يبلور تصورا لنظام الحكم المطابق لحاجات المجتمع السوري والعربي. فالمخاطب ليس القارئ السوري فحسب، بل العربي، حيث الكتاب يصدر في مصر وينشر في مجلة مصرية. ولعل أول ما يلفت الانتباه تلك النبرة الواثقة تجاه ممكنات تحقيق المشروع القومي العربي المشرقي على الأقل. وتلك المسألة بحاجة لوقفة خاصة لاستكناه دلالة هذا التنائي التدريجي عن ممكنات تحقيق هذا المشروع، ومن ثم تصلب الكيانات القطرية، إلى الحد الذي أصبح مستقبل الوحدة واحداً من اليوتوبيات التي تزيد العقل العربي شقاء!

إن بعد الشقاء العقلي يتأتى في نص خطاب الشهبندر من خلال هذا النوسان بين التعددية والواحدية، بين التجربة البرلمانية والتجربة الكمالية، بين الإعجاب بالديموقراطية والإنشداد إلى نماذج الاشتراكيات الوطنية (الفاشية والنازية). مما لاشك فيه أن النازية والفاشية لم تكن في زمن إنتاج النص قد كشفت عن كل الويلات التي قادت العالم إليها، لكنها كانت في عملية إنهاضها تتقاطع مع النهضة التركية الكمالية التي يعتبرها (حياة بعد الموت):

فالكمالية تختلف عن الفاشية والنازية “في أنها لم تكن تغلّبا فقط على حكومة من أبناء البلاد يرأسها خليفة تحف به العقائد المتوارثة، بل كانت أيضا انتصارا باهرا في ميدان الحرب على دولة أجنبية يعضدها الحلفاء وفي مقدمتهم انكلتره وإنقاذا للشعب التركي من الاضمحلال حتى إذا كان هنالك شيء يدعى حياة بعد الموت فهو تجدد شباب تركيا بعد الهرم ونهوض أبنائها ينفضون تراب الموت السياسي عن وجوههم”(16).

ويعبر عن إعجابه بـ حربهم التجديدية في كل الميادين الدينية والاجتماعية والتشريعية وتخليهم عن أشد النظم ثباتا ومحافظة، وهي المتعلقة بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث واستبدلوا به أحدث النظم التي نبتت في ديار الغرب مع تعديل طفيف.

بل ويتخذ من التجربة الكمالية نموذجا وحجة “على اللذين يزعمون أن الثورة لا تأتي بطائل”... ويتساءل الشهبندر “فلو أحنى الوطنيون رؤوسهم للخليفة محمد السادس وحكومته وسجلوا على تركيا معاهدة “سيفر” المريعة في إذلالها للترك، فأين يكون الترك اليوم؟ وماذا تنفعهم “عصبة الأمم” المتفسخة؟ ولا يغيب عن ذهن الشهبندر أن هذه التجربة هي تجربة ديكتاتورية، وأنها قد تخسر الانتقادات الجوهرية المخلصة الثمينة التي تصدر من النواب الأكفاء الصالحين المستقلين، ولكنها يعتاض عنها الاتساق وسرعة الإنجاز “وهو المطلوب في الدرجة الأولى في عصر الزعازع والعواصف”. ويضرب مثالا على سرعة الانتقال من الماضي إلى الحاضر، بأن الذي كان يذهب من العرب إلى المشنقة في سنة 1915 وما بعدها بتهمة الخيانة للخليفة صار له زميل يقابله من الترك يذهب إلى المشنقة في سنة 1925 وما بعدها بتهمة الدعوة إلى الخلافة(17).

إذن من الممكن التضحية بالتعدد لصالح الواحد، بالديموقراطية لصالح الدكتاتورية باسم “سرعة الإنجاز”، أي التضحية بالشرعية الدستورية، باسم الشرعية الثورية. هكذا يتحقق الزمن العربي بوصفه حركة اعتماد في المكان. فالشهبندر بأسئلته تلك وكأنه يؤسس لإشكالية النظام السياسي عربيا وسوريا، بل وكأن الرجل بأسئلته هذه يساهم برسم المشهد السياسي ـ الثقافي السوري اليوم، من خلال الدور الذي يضطلع فيه المثقفون في اقتناص الحيزات الممكنة للحوار بأمل فك رقبة المجتمع وإطلاق سراحه بعد عشرات السنين من احتكار السلطة باسم الشرعية الثورية.

في الفصل الثاني الذي يلي سيواجهنا تناول الشهبندر للتجربة الكمالية الثورية بإعجاب وافتنان، حيث يضع عنوانا مباشرا في تحديد مقاصده البرنامجية، وهذا العنوان “أصلح أشكال الحكم في العالم العربي”.

يكتب بوضوح وبلا لبس “إن الشكل النيابي الصحيح القائم على الانتخاب الحر ـ جهد الطاقة ـ هو الشكل الذي يجب أن يصر عليه الأهلون”. وهذا الشكل إنما يناسب البلدان ذات “الاستقلال المقيد بالانتداب أو الحماية وغير ذلك من التدخل الأجنبي في شؤونهم”. أما إذا كان القطر العربي متمتعا باستقلاله التام فخير ما يناله أن تتاح له “يد مستبدة عادلة” تنقذه من الفوضى، سيما في البلدان الحديثة العهد بالشؤون الدستورية كبلداننا. وهنا تحضر التجربة الألمانية كمثال على عجز الديموقراطية رغم تفوقها على الغرب نفسه في مقومات الثقافة والحضارة.

عبد الرحمن الشهبندر رجل فكر وعمل، وهو ينطلق في تشغيل جهاز الفكر من إمداده بعناصر الواقع والتجربة. فالتجربة الجزائرية برهنت على صحة التجربة البرلمانية، لأن الناس يستطيعون أن يفرضوا ممثليهم على المستعمر. وعندما ردت الحكومة ممثل الشعب لأسباب تمحّلتها، أعاد الشعب انتخابه من جديد. ولقد أخفقت الحكومة في سوريا إخفاقات عديدة أمام إصرار الشعب على إرادته. فالتعدد والكثرة في ظل الاحتلال أقرب إلى الصحة، “فأصوات الخلق أقلام الحق” بينما الواحدية الاستبدادية ستلجأ إلى المحتل لحماية مصلحتها الفردية.

من خلال التجربة يسوق مقارنة بين لحظتي ما قبل دستور 1908 وما بعده، بأنهم كانوا يعانون حشرجة الموت تحت كابوس السلطان عبد الحميد، وكانوا يظنون أن مجرد إعلان الدستور وإطلاق حرية الانتخاب وترك المنابر للخطباء يتكلمون ستعيدهم إلى الحياة. لكن الواقع أظهر لهم أنه إذا كانت الانتخابات دلت على شيء من حسن الاختيار، لكنها أرسلت بالإجمال إلى مجلس النواب أناسا لا يختلفون عن العوام كثيرا، حولوا قضايا الدولة السياسية الخطيرة إلى البحث في الحجاب وشكل الغطاء وكثافة البراقع. وبذلك فإن البلية كل البلية تحكيم الأكثرية العظمى الجاهلة من سواد الشعب والعامة في النخبة المنتخبة من أبنائه(18).

ما العمل إذن، إذا كان التعدد سيقود إلى العددية الكمية، على حساب النخبة النوعية؟ هنا يتوجه العقل المنشطر تجاه الواحد النوع، الفاعل “عبد العزيز بن سعود”. لكن المثقف القومي الديموقراطي الليبرالي سرعان ما سيصطدم ببداوة (ابن سعود). فهو ليس أتاتورك ولا موسوليني، فلو كان هذا الملك النابغة مسلحا بسلاح التربية الحديثة ومشبعا بروح النهضة التي تسير عليها الأمم الحية ما أضاع هذه الفرصة السانحة لالتفاف زعماء العرب حوله واتخاذهم الاستقلال الذي يتمتع به مركزا لبث الدعاية العربية في أنحاء العالم. ومن أدعى دواعي الأسف أن جميع الجهود التي صرفت لاستنهاضه قد أخفقت(19).

إذا ما الخيار، إذا كان التعدد سيقود إلى هيمنة العدد (الأكثرية الجاهلة) والواحدية لم تقدم له سوى نموذج للدكتاتور البدوي الجاهل والمتخلف؟

هذا السؤال سيعاد طرحه بمستوى نظري رفيع مع ياسين الحافظ، الذي كان يتطلع إلى المصالحة التاريخية بين الموروث التنويري الليبرالي دون عيش الليبرالية كمرحلة اقتصادية، والناصرية كنموذج للثورة القومية، والاشتراكية كأفق للمستقبل.

الماركسية/ التنوير:

في الفترة الزمنية ذاتها سيكتب سليم خياطة من موقع قومي آخر، موقع قومي ديموقراطي يساري متحدر من وسط الحركة الشيوعية السورية اللبنانية ما قبل التمأسس التبعي للكومنترن سنة 1936.

في تلك الفترة كانت مجلة الطليعة اليسارية، المؤسسة بمبادرة من الحزب الشيوعي، تؤسس لعلاقة استمرارية بين فكر النهضة والتنوير العربي، وحركة الاشتراكية العربية التي لم تكن قد أنتجت التمايزات بعد بين التيار الشيوعي ومن ثم البعثي لاحقا. أي في الفترة التي كان فيها رواد الفكر الاشتراكي ينتجون فكرا اشتراكيا تنويريا، نهضويا، مشبعاً بروح وطنية وقومية، قبل التحاق الحزب الشيوعي بالكومنترن وسياسة التحالفات، التي قادت الحزب الشيوعي لاحقاً للدعوة إلى التحالف مع فرنسا المستعمرة باسم مقاومة النازية والفاشية. وفي واقع الأمر لم تكن هذه الأطروحة إلا ثمرة بداية العلاقة التبعية بالسياسة السوفياتية، واستجابة لشعار التحالفات التي كانت تطرحها المدرسة الدبلوماسية الخارجية السوفياتية.

في هذه الفترة ـ فترة الثلاثينيات ـ ذروة حركة التنوير النهضوي العربي وخاتمته مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت مجلة الطليعة تتطلع لمد جسورها اليسارية إلى كبار المفكرين المنورين العرب، طامحة إلى جعل هذه اللحظة بمثابة عمق تاريخي للثقافة الوطنية، قبل أن تؤثم هذه اللحظة على يد الشيوعيين طبقيا، وعلى يد القوميين (البعثيين) قوميا، وعلى يد الإسلاميين دينياً.

لقد طمحت ماركسية سليم خياطة، المستنيرة وطنيا وقوميا، قبل أن تصادر أمميا من قبل الكومنترن، لجعل الماركسية امتداداً مبيئاً لفكر النهضة، وفضاءاً فكرياً منهجياً وليس شعارياً وشعائرياً، كما سيحدث لاحقاً عندما ينتقل الفكر الاشتراكي العربي من مرحلة التأليف إلى مرحلة الترجمة عن دار التقدم. حيث الاستقالة النهائية للعقل الماركسي المحلي عن الإبداع لصالح الرفيق الأممي الستاليني الأكبر.

سليم خياطة لم يكن منخرطا بالفعل السياسي المباشر واليومي كعبد الرحمن الشهبندر. فقد كان يتجنب الانغماس بقضايا الحزب الشيوعي ومشكلاته التنظيمية، كما يحدثنا تلميذه، نيقولا شاوي ـ الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني ـ في مذكراته، التي يقر فيها بأستاذية سليم ودوره الأساسي في استقطابه للحزب الشيوعي، رغم زهده كمفكر بمسائل التنظيم. لذا فقد رد على مسألة تعريب الحزب ردا فكريا وليس باستبدال عنصر غير عربي بعنصر عربي. لقد أراد أن يعيد إنتاج الماركسية منهجا، بيئة، فضاء، طريقة في التفكير، ليرتقي بطرح أسئلته النظرية إلى مستوى يتجاوز عقل المرحلة وسقفها. لذا ضربه المستعمرون الفرنسيون على رأسه ليختل نظام دماغه، لإدراكهم لعبقريته المبكرة، كما ضيعه رفاقه خوفا وحسدا وصغارا، حتى لم يعد بالإمكان معرفة مصير الرجل لأكثر من ربع قرن(20).

يقارن سليم بين عقل الشرق وعقل الغرب بمستوى من التحديد الإبستمي الراهني، كان علينا أن نستخلصه استخلاصا في مقاربتنا لمقارنة طه حسين سالفا، يقول:

“القصد من العقل هو مجموع نظرات واعتقادات الفكر وميول النفس، مع أسلوب عملهما وإنتاجهما في مختلف نواحي الحياة بحسب ما توحي إليهما تلك المجموعة”(21).

يقوم بعملية حفر معرفية باحثا عن لحظة الانقسام الأولى في تلك اللحظة التي انشق فيها الدينان: (التوحيد) العبراني و(التعدد) الإغريقي، عن أصلهما وهو الدين المصري القديم. وعلى هذا فتاريخ العقلين هو تاريخ الصراع بين التعدد والتوحيد، تارة يتغلب هذا، وتارة يتغلب ذاك. فانقلاب التوحيد في الدين المصري شرقا ونزوح التعددية فيه إلى فينيقيا فبلاد اليونان، وعن طريق هذا إلى الغرب، هو نقطة الانطلاق بين عقل الشرق وعقل الغرب.

لسنا في صدد الاتفاق والاختلاف مع سليم حول صحة هذين النسقين الذين يعتبرهما سمير أمين ثمرة نزعة المركزية الأوروبية، التي ترسم خطا مستقيما ليوصلها باليونان، لكن ما يعنينا هو تلك القراءة الدلالية الشيقة التي يقوم بها سليم ليخلص إلى حزمة من المفاهيم التنويرية الضرورية في مواجهة نمط التفكير الواحدي الاستبدادي. يرى سليم أن التوحيد العبراني السامي حصر الحياة جميعها في إله فرد واحد، قاهر، متسلط وغيور، حاكم بأمره، تفنى كل الإرادات في إرادته. على هذا الأساس المفاهيمي يفسر النزعة الجبرية والإغراق في التواكل، وتسليم “الضعيف” جميع أموره إلى القوي. تلك الجبرية المقيمة في جوهر الأديان الثلاث السامية المنشأ: اليهودية والإسلام والمسيحية. من هنا جاء هذا الهوس في استرضاء هذا “الفرد” الرهيب بجميع الوسائل، وبالتالي الإكثار من الصلوات وأنواع العبادات(22).

بينما عند الإغريق تشكلت فكرة “التعدد” بإيجادهم جمعا كبيرا من الآلهة تتوزع فيما بينها السلطات وتختلف عن بعضها بعضا في الوظائف والصفات والمرموزات. مما أدى إلى إندغام الحياة بخالقيها، فصارت خالقة نفسها، الحب والحبيب وآلهة الحب واحد. ليخلص إلى أن اليونان توصلوا بسبب “تعدديتهم” إلى حقيقة لا يكاد الفكر العلمي اليوم أن يتوصل أبعد منها، ألا وهي فكرة أن كل ما يختص بالوجود ضمن الوجود لا خارجه، وأن “دينامية” (القوة المحركة) الوجود هي منه وفيه. مما تقدم نجد أن دين اليونان كان دين الحياة والواقع والطبيعة... فلم تكن هناك غيبيات يتطرف باستعطافها بتطرفه في الالتجاء إلى مؤسسة ذات وظيفة “طبقية” تتألف من الكهنة والأولياء. وهنا يحيل إلى نظرية نضال الطبقات التي تحكم فلسفة منطق التاريخ التي حققها ماركس وذلك في الهامش، دون أن يعرض علينا آراء ماركس ويكتفي بشرحها وتفسيرها، كما سيحدث لاحقا على أيدي مديري المقدس الستاليني الذين سيحولون الماركسية واللينينية إلى أيقونة.

ما أهمية ذلك؟ ليس هدف سليم ممارسة بطر التأمل والتثاؤب فوق جبال الأولمب، بل إن تناوله لمسألة (التعدد) يهدف إلى السير حتى النهاية فيما يترتب على علّيّتها. سببيتها من نتائج، أولها أن هذا العقل التعددي “ألهم العالم بفكرة النظام الجمهوري، على المستوى السياسي، ومهد فيثاغورث سبيل اينشتاين، وإقليدس وأرخميدس سبيل نيوتن وغاليليو. هذا على المستوى العلمي، أما على المستوى الفلسفي فإن نيتشه هو الابن الطبيعي لديوجينيس، وكان سقراط سابق (كانت وتولستوي)”.

إن العقل الماركسي الطليق التعددي لسليم خياطه يتيح له التحرر من الدعوة اللاحقة إلى تحزيب الفلسفة، ومن ثم رمي (نيتشه وكانت) بالرجعية حسب ملخصات كتب الفلسفة السوفياتية، انطلاقا من رحابة عقلية تتفتح على كل الثقافات الإنسانية على المستوى الفردي. وعلى المستوى الوطني والقومي لا يزال العقل العربي بحاجة إلى تنوير (كانت وتولستوي) على طريق استكناه الاشتراكية التي لا يمكن الانتقال إليها من أرضية العقل القروسطي، كما سيجتهد لاحقا ياسين الحافظ، مطورا أفكار عبد الله العروي. ومن هنا تتبدى راهنية سليم خياطة وياسين الحافظ.

سليم الذي قدم أعظم كشف فضائحي للفاشية والنازية في كتابه “حميات في الغرب” في الثلاثينات وحتى اليوم في اللغة العربية، أتاحت له رؤيته التاريخية الجدلية أن يكتشف جوهر الفاشية، التي التبست على العقل القومي الليبرالي لعبد الرحمن الشهبندر. فاعتبرها سليم نوعا من “بعض ظواهر الرجوع إلى التوحيد ـ كالديكتاتورية الفاشستية، المستندة إلى فكرة الحكم المطلق الواحد التي تقوم كأثر من آثار العقل الشرقي الموحد في بلدان الغرب هذه الأيام”(23). ويختم بحثه الشيق هذا في تناول العقل العربي (الموحد)، فيرى سيرته شبيهة بسيرة العقل العبراني، كلما اتصل بالعقل التعددي الإغريقي كلما أعطى نتاجات إبداعية في مجال الفلسفة والشعر، والقص (ألف ليلة وليلة) وفي العلم، حيث كان النور الذي ميز الشرق النابه نوعا ما وقتئذ عن الغرب، الغافل على طول في جهالته التوحيدية. أما في الفنون الصورية النحتية والتمثيلية وفي الموسيقى الهارمونية، فقد وقفت روح التوحيد دونها سدا جاهما لا يخترق. وفي نهاية الأمر، بعد صراع التعددية الطويل في تلافيف العقل العربي، تغلبت الروح التوحيدية وصرعته في أرضه، وها نحن لا نزال حيث كنا منذ ألف سنة ونيف.

الخاتمة ـ من التعددية إلى التوحيد:

هل يمكن استعارة هذا النموذج النظري الذي صاغه سليم لقراءة تاريخ العقل بوصفه تاريخ الصراع بين التعدد والتوحيد، ونطبقه على تاريخ سوريا الحديث، فنقول بدأ العقل السياسي يتفتح على التعدد بعد إعلان دستور 1908، وبعد عشرة قرون من الواحدية، فعاشت البلاد نصف قرن من التعدد، حتى عام 1958 حيث أغلقت المرحلة بالعودة إلى الواحدية من جديد؟

الحقيقة أن هذه الاستعارة وإن كانت مجازية لكنها تنطوي على دلالات عديدة:

يمكن القول أن هذه المرحلة الليبرالية 1908 ـ 1958 التي استندت في شرعيتها إلى العقلانية القانونية، كانت ثمرتها قيام دولة مؤسسات تشريعية وتنفيذية، بدأت تدخل العصر من خلال تحديث بناها الإدارية التي كانت ثورة حسب ماكس فيبر. فكانت المدرسة الحديثة، وتعددية الحزب السياسي، والنقابة، والصحيفة، والتداول السلمي للسلطة، وكل ما من شأنه أن يعزز الطابع القانوني للدولة، وينتج مفهوما جديدا للمواطنة، باعتبار الفرد كائنا حقوقيا قائما في ذاته.

في هذا الفضاء الليبرالي، تشكلت التيارات الثورية، وكان متاحا لها حتى أن تنقلب على هذه الشرعية الدستورية، وبدوافع ونوايا طيبة استدعتها مناخات ثورية عالمية، وفكرة حرق المراحل. الأمر الذي بث في روع الفكر القومي ضرورة ولادة (البطل القومي) كممثل للنخبة القادرة على قيادة شعبها في صورة “المستبد العادل”.

هذه الليبرالية التي ترعرعت تجربة بنائها لنويات المجتمع المدني، والتعددية السياسية والاجتماعية (الحزبية والثقافية والفكرية)، كانت تنتج سيرورتها هذه في ظل الهيمنة الكولونيالية، الكابحة للتطلعات الوطنية والقومية. من هنا كانت الشرعية الثورية تستند إلى إرادة شعبية حقيقية في البداية من خلال (الكاريزما الناصرية) وإلى كاريزما شمولية، من خلال خلفاء عبد الناصر الذين أعادوا سيرته بشكل مأساوي. ويبدو أن من بعدهم سيحقق ثلاثية هيغل حول إعادة التاريخ لنفسه، حيث سيعيدون سيرة أسلافهم بشكل كاريكاتوري.

أمام العودة إلى الواحدية والتغول التدريجي للدولة عبر تنمية الاستبداد، أصبحت اللحظة الليبرالية مثار فتح جرح نوستالجي، وأمام الهزائم الوطنية والقومية وصغار ودناءة الحكام وتحويل الأوطان إلى مزارع، تستعاد اللحظة الناصرية بمثابتها رأسمالا رمزيا ضروريا للكرامة القومية والنزاهة والعفة الطهرانية.

إن احتكار السلطة والتشريع لذلك دستوريا واضمحلال المجتمع بل وتلاشيه من خلال ابتلاع الدولة له، بعد أن تقشرت الدولة من كل أشكال الشرعية، وهبطت إلى مستوى سلطة القرصنة ومجموعة من الطغم اللصقراطية وحولت التعددية الحزبية إلى عدد من نسخ وتناسخ الحزب الحاكم الحامد الشاكر من خلال تعددية كاريكاتورية في صورة “الجبهة الوطنية التقدمية”، غدا الحنين إلى الماضي هو الأفق الوحيد مادام المستقبل على هذه الدرجة من القتامة. وهذا الحنين لم يعد حكرا على العقل الإسلامي وهو يستعيد لحظة البراءة الأولى (لحظة الوحي ـ اللحظة الراشدية)، بل والعقل القومي والليبرالي والماركسي. وذروة المفارقة هو إنتاج حنين مزدوج للتعدد لاستعادة الحرية، والواحدية لاستعادة الكرامة الوطنية والنزاهة. وعلى هذا غدا مناط المستقبل بالنسبة للمجتمع السوري الاستعادة المزدوجة (نوستالجيا) لزمني جمال عبد الناصر (النزاهة القومية) وخالد العظم (النزاهة الليبرالية).

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ راجع الموسوعة الفلسفية ـ م.روزنتال ـ ب.يورين ـ ترجمة سمير كرم ـ مراجعة: صادق جلال العظم ـ جورج طرابيشي ـ دار الطليعة بيروت ـ ط4ـ 1981ـ راجع ص 133 ـ ص 511 ـ ص 572.

2 ـ هذا الخطاب الميتافيزيقي يترأرأ في أعمال رواد الفكر القومي من زكي الأرسوزي ـ ميشيل عفلق ـ قسطنطين زريق في كتابه التأسيسي الصادر في 1942 “معالم الوعي القومي”. ولهذا فقد كانت العلمانية كمفهوم وضعي غريب عن مصفوفاتهم الطيفية الشعرية، رغم أنه مفهوم مشتق من منظومة الوعي القومي. وهو العنصر الأسّ المميز وظيفيا للوعي القومي ـ الأمّويّ ـ المواطنوي في مواجهة مجتمع الملة القروسطي ما قبل قومي. وسيظل الفكر القومي واحدي الجوهر الروحاني، حتى الستينات عندما سيفككه ياسين الحافظ ويعيد إنتاجه. أنظر كتابنا “ياسين الحافظ” نقد حداثة التأخر.

لا شك أن هناك تجربة سباقة في تقشير الفكر القومي من لحائه الميتافيزيقي الشعري، أتت على يد رئيف خوري عندما وضع كتابا نقديا يفند فيها النزعة الرومانسية في كتاب قسطنطين زريق. لكن كتابة رئيف بدت تجربة رائدة لكنها معزولة في سياق تنوع إنتاجه الثقافي والأدبي والشعري. في حين أن ياسين الحافظ أنتج مصفوفة متكاملة في إعادة إنتاج الفكر القومي عقلانيا، علمانيا، ديموقراطيا. يمكن العودة إلى كتابنا “مدخل إلى فكر رئيف خوري” حيث أُفرد فصل لمناقشة هذه الحوارية العقلانية الريادية بين رئيف وقسطنطين منذ بداية الأربعينات.

3 - CD: Encyclopedie - Hachette - 99.

4 ـ راجع مادة “Pluralism”. قاموس “Robert” ولاروس.

5 ـ راجع عبد الله العروي ـ مفهوم الحرية ـ المركز الثقافي العربي ـ ط4 ـ 1988. فصل: الحرية الليبرالية ـ خاصة ص 40ـ 41.

6 ـ المصدر السابق ـ ص 42.

7 ـ طه حسين ـ قادة الفكر، المجلد الثامن ـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ 1973 ـ ص 193.

8 ـ المصدر السابق ـ ص 193.

9 ـ راجع كتابنا ـ طه حسين ـ العقل والدين، بحث في مشكلة المنهج ـ مركز الإنماء الحضاري ـ حلب ـ 1995 ـ ص 82.

10 ـ باتريك سيل ـ الصراع على سوريا ـ ترجمة سمير عبده ـ محمود فلاحة ـ طلاس للدراسات والنشر ـ بدون تاريخ ـ ص 16.

11 ـ د.عبد الله حنا ـ عبد الرحمن الشهبندر (1879 ـ 1940) علم نهضوي ورجل الوطنية والتحرر الفكري ـ الأهالي ـ دمشق ـ 1989ـ راجع ص 129 ـ 133.

12 ـ الصراع على سوريا ـ سبق ذكره ـ راجع ص 47.

13 ـ المصدر السابق ـ ص 48.

14 ـ جاك بيرك ـ عالم العرب السياسي ـ المجلد الحادي عشر ـ دائرة المعارف الفرنسية ـ باريس (1957) عن المصدر السابق ص 47.

15 ـ جان بيير كوت ـ جان بيير مونييه ـ عناصر من أجل علم اجتماع سياسي ـ ترجمة أنطون حمصي ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1994 ـ راجع من ص 312 ـ 318.

16 ـ عبد الرحمن الشهبندر ـ القضايا الاجتماعية في العالم العربي 1936 ـ الطبعة الثانية ـ 1993ـ تحقيق وتقديم محمد كامل خطيب ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1993 ـ ص 86.

17 ـ المصدر السابق ـ ص 89 ـ 90.

18 ـ المصدر السابق ـ 92ـ 95.

19 ـ المصدر السابق ص 94.

20 ـ راجع دراستنا في مجلة “النهج” عدد (7) ـ شباط 1985 ـ تحت عنوان معالم في مسار الفكر الاشتراكي / سليم خياطة، المفكر المناضل، المبدع ـ ص 180 ـ 209.

21 ـ سليم خياطة ـ مجلة الدهور ـ بيروت ـ كانون الثاني 1934 العدد الأول ـ المجلد الثالث عن الأعمال الكاملة ـ الجزء الأول ـ المقالات ـ إعداد وتقديم محمد كامل الخطيب ـ دمشق ـ 1989 ـ ص 89.

22 ـ المصدر السابق ـ ص 90.

23 ـ المصدر السابق ـ ص 94.

 

الفصل الخامس

الأحزاب السياسية في سورية

محمد نجاتي طيارة(*)

في أواخر العهد العثماني:

منذ أواسط القرن التاسع عشر، وفي ظل إصلاحات “التنظيمات” وتفاعلات التثاقف مع الغرب في مجتمع الامبراطورية العثمانية المتأخر والمتعدد الثقافات، بدأ نشاط النخب العربية الشامية بالتعبير عن نزوعات اليقظة القومية. تجلى ذلك في البدء، عبر نشاط إحيائي قامت به حلقات وجمعيات ثقافوية. ثم تطور إلى نشاط سياسي عبر أشكال علنية أو سرية متناسبة مع هوامش الانفراج أو عودة الاستبداد، بخاصة في العهد الحميدي والتتريكي.

في ذلك السياق(1)، حملت المنشورات المعلقة عام 1880 لجمعية بيروت السرية والمحدودة أول بيان مدون عن البرنامج السياسي الاستقلالي للعرب في بلاد الشام. وتلا ذلك نشاط جمعية الشورى العثمانية المنطلقة من القاهرة عام 1897. أما بعد ثورة 1908، فقد تصاعد النشاط العلني لجمعيتي الإخاء العربي العثماني والمنتدى الأدبي، وما لبث أن عاد إلى السرية إثر إعدامات الشهداء الشهيرة. كما امتد إلى المجال العسكري في أنشطة جمعيات كالقحطانية والعهد والعربية الفتاة، حيث شاركت الأخيرتان في التحضير للمؤتمر العربي الأول (باريس 1913) إلى جانب جمعيات إصلاحية وأحزاب أخرى علنية، كحزب اللامركزية الإدارية العثماني، ثم في استعدادات الثورة العربية الكبرى.

في عهد الحكومة العربية ـ الفيصلية:

خلال العهد القصير لتلك الدولة (5 تشرين الأول 1918 ـ 24 تموز 1920)، شهدت سورية نشاطاً سياسياً خصباً وحياة برلمانية، ظهرت خلالهما الأحزاب السياسية التالية(2):

حزب الاستقلال: تأسس في دمشق (5 شباط 1919)، كمظهر سياسي علني لجمعية العربية الفتاة السرية، التي كانت حزباً حاكماً في الواقع، وضمت معظم رجال الحكم، بينهم الأمير فيصل، في حين سميت الهيئة البرلمانية لها بحزب التقدم.

حزب الاتحاد السوري: تأسس في القاهرة عام 1918، بين الأعضاء السوريين من حزب اللامركزية، وهدف إلى تكوين سورية بوحدتها القومية وحكومتها الديمقراطية. ثم أنشأ عبد الرحمن الشهبندر فرعاً له في دمشق خلال العهد الفيصلي.

إلى جانب ذينك الحزبين، تشكلت أحزاب صغيرة كانت محدودوة الدور، كالحزب الديمقراطي المعارض والحزب الوطني الدستوري، المعروف بحزب الذوات، الذي دعا إلى الملكية المقيدة، ووقف مع الملك فيصل في مسايرته للفرنسيين. أما الظاهرة السياسية المتميزة، فكانت في تشكيل اللجنة الوطنية العليا، التي تألفت من مندوبي الأحزاب وممثلي الأحياء، وترأسها الشيخ كامل القصاب، بهدف تنظيم المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين.

في عهد الاستعمار الفرنسي:

بعد احتلال سورية وفرض الأحكام العرفية من قبل سلطات الانتداب الفرنسي، تمت مصادرة الحياة السياسية الوليدة، فلجأ بعض المعارضين السوريين إلى البلدان العربية المجاورة. وبفضل نشاط حزب الاتحاد السوري، المنطلق مجدداً من القاهرة، انعقد المؤتمر السوري العام في جنيف عام 1921. انتهى إلى تشكيل اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني التي تابعت قضايا الاستقلال على الساحة الدولية.

أما في الداخل، وبعد حوالي عام من الاحتلال، أسس بعض المثقفين العائدين منظمات سرية كانت أشبه بالعصب الأخوية، كالقبضة الحديدية أو الحزب الحديدي بقيادة عبد الرحمن الشهبندر في دمشق وبعض المحافظات، وجمعية الكف الأحمر بقيادة سعد الله الجابري في حلب. أدى ذلك النشاط إلى سجن بعض الزعماء في جزيرة أرواد(3).

كما تأسس الحزب الشيوعي السوري على يد يوسف يزبك وفؤاد شمالي وبعض المثقفين وعمال التبغ عام 1924 في قرنايل ـ لبنان. وسرعان ما اندمجت في قيادته عصبة سبارتاكوس الأرمنية والشيوعي اليهودي تيبر(4). تعرض الحزب لحملة اعتقالات ونفي جراء تأييده الكامل للثورة السورية الكبرى، منسجماً بذلك مع استراتيجية الكومنترن، الداعية إلى تحرير المستعمرات. لكن تغير تلك الستراتيجية في مرحلة النضال ضد الفاشية والنازية، دفعه إلى الموافقة على سلب لواء اسكندرون، في إطار تأييد سياسة التفاهم والمعاهدة مع فرنسا ـ الجبهة الشعبية(5)، مما أضاف غربة أخرى على غربة الحزب، الناجمة عن الأصول الأقلياتية لبعض قياداته من جهة، ومفارقة عقيدته الحداثية للعقائد التقليدية الراسخة.

إثر رفع الأحكام العرفية عام 1925، عادت الحياة السياسية. فنشط حزب الاستقلال من جديد، كما ظهر بين عامي 1928 و1934 ما يزيد على خمسة وعشرين حزباً صغيراً، لم يتبق منها أي كيان سياسي لاحقا(6). كان من أبرزها أحزاب: الإصلاح والاتحاد الوطني والأمة الملكي والحر الدستوري. وقد وقف معظمها على يمين الكتلة الوطنية، بينما وقف على يسارها أنصار الشهبندر من الاتحاد الوطني العام وتحولاته مع الجبهة الوطنية المتحدة إلى الهيئة الشعبية. لكن أهم الأحزاب الجديدة كانت التالية:

حزب الشعب: تشكل عام 1925، نتيجة لتوحيد وفدي دمشق وحلب، اللذين طالبا المفوض السامي بحرية التعبير وتحقيق أماني البلاد في الاستقلال. ضم بين صفوفه نخبة من المثقفين وملاك الأراضي واعتبر أول تجمع منظم للبرجوازية السورية بعد الاحتلال(7). كان أهم منافسي حزب الاستقلال، كما اكتسب شعبية واسعة بتأثير كاريزما زعيمه عبد الرحمن الشهبندر. كانت مشاركة الأخير مع بعض زعماء الحزب في الثورة السورية الكبرى، سبباً في حل الحزب وملاحقة أعضائه.

الكتلة الوطنية: بعد خمود الثورة السورية الكبرى (1925 ـ 1927) وتفاقم الخلافات بين الوطنيين السوريين، من علمانيين ذوي ميول هاشمية وإسلاميين ذوي ميول سعودية، خصوصاً في إطار المؤتمر السوري الفلسطيني(8)، قام هاشم أتاسي بالدعوة إلى مؤتمر وطني عام في بيروت. تمخض المؤتمر عن ولادة الكتلة الوطنية التي ضمت أطرافاً من حزبي الاستقلال والشعب، متفادية الزعيم الشهبندر ومن شارك في الثورة المسلحة، ومتعاونة في ذلك مع التساهل الفرنسي. لكن الكتلة الوطنية بقيت مجرد اجتماع سياسي موسمي، ولم تتطور إلى مستوى الحزب السسياسي المنظم حتى عام 1932، حيث أقرت قانونها الأساسي الذي عبّر عن نظرتها إلى نفسها كوكيل للأمة(9)، وعكس بوضوح، ضعف دور البرجوازية الناشئة وقوة الدور الإقطاعي في تركيبها(10). لكن الكتلة خاضت، على الرغم من ذلك، نضالاً دستورياً شاقاً ضد سلطات الانتداب، وكانت وراء الإضراب الوطني الكبير لعام 1933، كما عملت على إقرار الميثاق الوطني لعام 1936، وقادت مفاوضات المعاهدة لذلك العام ثم تعديلاتها لعام 1939. أدّت سياسات التفاهم مع فرنسا، مع نتائج اقتطاع لواء اسكندرون، إلى تراجع شعبيتها وانحسار دورها تدريجياً.

عصبة العمل القومي: تولدت عن مؤتمر دعت إلى عقده، في قرنايل بلبنان عام 1933 مجموعة من الشباب المثقف. تميزوا بإصدارهم أول برنامج قومي عربي(11) استهدف العمل من أجل الوحدة العربية الشاملة والسيادة والاستقلال المطلقين. كان مركز العصبة دمشق وترأستها لجنة تنفيذية لها سكرتير عام وفروع في عدة مدن لبنانية وسورية منها الاسكندرون. لقي برنامجها المثالي تأييداً كبيراً بين المثقفين والجماهير، كما تعاظم نموها بفضل ثلاثة مصادر: تنظيم شباب الكتلة الوطنية والحركة الكشفية والمدارس الثانوية الرسمية(12). في حين تميزت بسياستها المتطرفة والمعارضة لسياسة المراحل، أدى رفضها لمعاهدة 1939 إلى انشقاقها. وما لبث “تكتل العصبة الذي جمعته نشوة التطرف” أن تبدد أمام ممارسة المسؤوليات والمناصب. أما موقفها من قضية لواء اسكندرون، فقد تسبب منذ عام 1939 في أكبر الضربات التي تلقتها. وسرعان ما “أخمدت هذه الشعلة القومية، بالسرعة التي توهجت فيها”(13)، لكنها كانت بلا شك أهم مصادر توريث من جاء بعدها، من أحزاب قومية ودعاة قوميين.

الحزب السوري القومي: أسسه سراً أنطون سعادة بين طلابه في الجامعة الأميركية ببيروت عام 1932، ثم بدأ الإعلان عنه ونشر أفكاره عام 1935، فتعرض من ذلك الحين للسجن والملاحقة. انطلق هذا الحزب من وحدة الأمة السورية، التي تحددها البيئة الطبيعية الواحدة، ودعا إلى تطبيق المبادئ الإصلاحية الخمسة(14) التي تقوم، ثلاثة منها على العلمانية، والرابع على إلغاء الإقطاع وتنظيم الإنتاج والعمل، أما الخامس فيرمي إلى إعداد جيش قوي، كان بداية لإعداد أعضاء الحزب، متأثراً في كل ذلك بنماذج الفكر الألماني الناهض حينها. انعكست رؤيته الوطنية في تأييده وحدة سورية الكبرى ومعارضته للمعاهدة مع فرنسا. لكن ذلك لم يخفف من عزلته؛ التي أدى إليها تعارض نزعته الإقليمية مع المشاعر القومية العروبية الواسعة الانتشار حينها.

الإخوان المسلمون: انتقلت دعوتهم من مصر إلى سورية، فتأسست جمعياتهم الأولى تحت أسماء مختلفة في عدة مدن سورية اعتباراً من عام 1936، وأخذت طابع الدعوة الخيرية والثقافية. فأنشأت في عدة محافظات مدارس المعهد العربي الإسلامي و لجاناً متنوعة وداراً للطباعة وصحيفة المنار في دمشق، وشركة للنسيج في حلب(15).

ثم بدأت تجتمع في مؤتمرات قطرية عامة ودورية، تعارفت في ما بينها على التسمي بشباب محمد. وفي مؤتمرها الخامس، المنعقد عام 1944 بحلب، توحدت تحت اسم (الإخوان المسلمون في سورية ولبنان)، وانتخبت لجنة مركزية و د. مصطفى السباعي مراقباً عاماً. فكان هذا المؤتمر بداية التحول من نموذج الجمعية الخيرية إلى نموذج المنظمة الحزبية الحديثة، متزامناً مع تحول التنظيم المصري للجماعة إلى تنظيم إسلامي عالمي(16).

في مراحل ما بعد الاستقلال:

بعد حصول سورية على استقلالها، وجلاء الفرنسيين في عام 1946، شهدت البلاد فترة خصبة من الحياة السياسية الدستورية، على الرغم من تقطعها مع توترات وفترات، كان من أبرزها قيام أربعة انقلابات عسكرية في ما بين 1949 ـ 1951. أما الانقلاب الخامس في1954، فقد عمل بتوافق بين القوى السياسية والعسكرية على هدي ميثاق حمص، والعودة إلى الحياة البرلمانية التي استمرت حتى عهد الوحدة. خلال مجمل مرحلة ما بعد الاستقلال تلك، سيطرت في البداية الأحزاب التقليدية (كالكتلة الوطنية ـ الحزب الوطني، وحزب الشعب)، ثم تراجعت مع غيرها من الأحزاب الناشئة والسلطوية (الحزب التعاوني الاشتراكي ـ حركة التحرير العربية) بالمقارنة مع نمو الأحزاب الأخرى والقوى الجديدة؛ التي تبلورت في المراحل اللاحقة (الوحدة، الانفصال، ما بعد 8 آذار 1963 وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين) وتوزعت على الاتجاهات الرئيسة التالية:

أولاً ـ الاتجاهات القومية:

حزب البعث العربي الاشتراكي: تكوّن حزب البعث العربي نتيجة لاندماج حركة الإحياء العربي بزعامة عفلق والبيطار مع حزب البعث بزعامة الأرسوزي. عقد مؤتمره التأسيسي في دمشق 1947، حيث وضع دستوره الذي كان أشبه بالبيان القومي(17)، واعتبر نفسه “أمة مصغرة للأمة الصافية السليمة الراقية التي كان يريد أن يبعثها. فحاول أن يجسد ذلك في طوره الأول كوحدة تنظيمية قومية التركيب والأهداف”(18). وحين اقتصر نشاطه على أوساط المثقفين والطلاب حتى عام1953، فقد تغير ذلك، عندما اندمج مع الحزب العربي الاشتراكي بزعامة الحوراني؛ الذي أكسبه بنية الفئات المتوسطة والريفية الفقيرة نسبياً من جهة، وصبغة الثقافة الديموقراطية والاشتراكية ذات الطابع الفلاحي من جهة أخرى. فأصبح اسمه بعد الاندماج: حزب البعث العربي الاشتراكي، وأخذ تنظيمه شكلاً هرمياً انتشر في عدة أقطار عربية، بخاصة في العراق.

أما دوره السياسي فقد تعاظم مع دخوله اللعبة البرلمانية، على الرغم من أنه كان يبدأ بالتحالف مع الانقلابات العسكرية لينتهي ضدها. عاكساً بذلك تناقض الايديولوجيا العفلقية عن الحزب؛ التي كانت ترى فيه حزباً قوميا انقلابياً شاملاً، في نفس الوقت الذي كانت تعلن فيه احترام الحريات الأساسية للفرد، وتمسكها بالنضال الليبرالي الديمقراطي(19).

واجه الحزب أول أزماته الداخلية في المؤتمر القومي الثاني، تحت ضغط مشكلتي الزعامة ووحدوية التنظيم، عاكسة بذلك بدء توترات العلاقة بين القطري والقومي في الحزب(20). أما على الصعيد السياسي، فقد ساهم الحزب بفعالية كبيرة في قيام الوحدة السورية المصرية في شباط 1958. استجاب مؤتمره القومي الثالث (أيلول 1959) لقرار حل الأحزاب، بحجة إفساح المجال السياسي لقيام الاتحاد القومي بديلاً عنها. لكن مؤتمره القومي الرابع (آب 1960)، عاد فأدان قرار الحل، وهاجم حكام الوحدة، بعد تفاقم الخلافات بين قادة الحزب وحكم عبد الناصر التي كانت قد خرجت إلى العلن ووصلت إلى حد استقالة الوزراء البعثيين ومهاجمتهم إعلامياً.

مع حدوث الانفصال، تشظى الحقل التنظيمي والسياسي للبعث، فعبّرت عن ذلك صراعات المؤتمر القومي الخامس وما حوله (1962)، حيث برزت تيارات (القيادة القومية، وحدوية، انفصالية، مجموعة جريدة البعث الوحدوية النقدية، التنظيم العسكري)(21).

بعد قيام البعث العراقي وحلفائه بإسقاط نظام قاسم في 8 شباط 1963، تمكن البعث السوري وحلفاؤه (الناصريين والمستقلين) من إسقاط نظام الانفصال في 8 آذار 1963، على الرغم من أنه لم يكن يضم في تنظيمه المدني أكثر من 350 عضواً حينها(22). بدأ يومه الأول بإعادة فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية. وسرعان ما آلت الإقصاءات المتبادلة والمناورات بين الحلفاء إلى انفجار التناقضات بينهم إثر فشل مشروع استعادة الوحدة. فأدت حروبهم الداخلية إلى سيطرة تحالف (القيادة القومية والتنظيم العسكري) على السلطة والحزب.

من هنا، حاولت سلطة البعث الهروب إلى الأمام. فرداً على انهيار ميثاق 17 نيسان، لجأت إلى خطاب يساري واستبدلت الوحدة الثنائية بالوحدة الثلاثية، والإلحاح على الطريق الاشتراكي بدلاً من الإلحاح على الوحدة. ثم عادت للعزف على نغمة الديكتاتورية الفردية، وابتزاز عبد الناصر في الموضوع الفلسطيني(23). أما على صعيد الحزب، فقد شهد المؤتمر القطري الأول (آب 1963) ازدياد قوة العسكريين، الذين كانوا العامل الحاسم في ترجيح سيطرة ما دعي بالجناح اليساري. وعندما عقد المؤتمر القومي السادس (تشرين الأول 1963)، الذي أصبح بحق مرحلة فاصلة في تاريخ الحزب، وجدت مختلف الأجنحة في التقرير العقائدي الجديد (بعض المنطلقات النظرية) حصانها الإيديولوجي. فإذ رأى فيه اليسار اشتراكيته العلمية، استراح فيه التنظيم العسكري لموضوعة الجيش العقائدي ودوره في البلدان المتخلفة، ومررته القيادة القومية بشرط أن يكتب له عفلق مقدمة أخرى بديلة(24)، بينما عثر فيه الجميع ـ أخيراً ـ على مبتغاهم السلطوي في نظرية الحزب القائد.

لم يتأخر رد اليمين طويلاً على نتائج المؤتمر القومي السادس. ففي 11 تشرين الثاني 1963 فرض عسكريو العراق قيادة جديدة على الحزب، وطردوا القيادة السابقة خارج البلاد. وما هي إلا أيام قليلة حتى انقلبوا على كامل الحزب وطاردوه في مختلف أرجاء العراق. أما في سوريا، فقد وجدت القيادة القومية فرصتها في المؤتمر القطري الاستثنائي (كانون الأول 1963)، حين تحالفت مع العسكريين وطردت رموز اليسار، ملقية عليهم مسؤولية النكسة العراقية. ثم عملت، في جو متوتر وخلافي، على عقد دورة استثنائية للمؤتمر القومي السادس، دعيت لاحقاً بالمؤتمر القومي السابع (الاستثنائي) ـ شباط 1964، نظراً لغياب المقاطعين من أغلبية أعضاء المؤتمر القومي السادس. فبادرت لدعوتهم، لجنة تحضيرية تمحورت حول حمدي عبد المجيد رئيس المؤتمر، إلى عقد مؤتمر قومي مقابل، دعي بالمؤتمر القومي السابع اليساري ـ آب 1964. وسيكون هذا المؤتمر منطلقاً لتشكل تيار البعث اليساري، ومن ثم حزب العمال الثوري العربي لاحقاً(26).

بعد طرد اليسار، سيطر تحالف القيادة القومية والتنظيم العسكري على السلطة والحزب، فدخل البعث مرحلته الثانية، التي شهدت صراعاً سياسياً وفكرياً بين طرفي التحالف. استمر هذا الصراع حتى قيام حركة 23 شباط 1966؛ التي أصبحت فيها القيادة القطرية مرجعاً نهائياً، وأخرجت تيار القيادة القومية من الحزب ومن سوريا. فانتهت بذلك وحدة الحزب على الصعيد القومي.

بسيطرة القيادة الشباطية، دخل البعث السوري مرحلته الثالثة. وعندما وجد عزلته تزداد مشرقياً وعربياً، أوغل في مزيد من اليسراوية. فاتخذ على صعيد التنظيم شكل منظمة الكادر أمام ضيق جماهيريته، واستبدل بالترييف ضعف قاعدته المدينية، ثم تقرّب من السوفييت داخلياً وخارجياً. كما لجأ عربياً إلى شعار حرب التحرير الشعبية؛ فوجد فيها فرصة لتهريب جيشه النظامي، الذي كان بالأصل قد فقد كثيراً من جاهزيته، المشبهة بخط ماجينو أمام إسرائيل، عبر التصفيات المنهجية لهيئات ضباطه، في الصراعات ضد الناصريين والمستقلين وأجنحة البعث المختلفة(26).

هكذا وجدت إسرائيل فرصتها السانحة لشن عدوان حزيران، بعد أن خضعت مصر الناصرية للابتزاز اليسراوي، فأغلقت مضائق تيران وطلبت سحب البوليس الدولي. وعندما أناخت الهزيمة بثقلها على الأمة العربية، دفعت مفاعيلها ـ بعد أزمة أيلول الأسود ووفاة عبد الناصر ـ إلى تفاقم التناقضات داخل البعث السوري، في ما عرف بأزمة الحزب؛ التي حاول المؤتمر القومي العاشر 1968 ودورته الاستثنائية 1970 الالتفاف عليها. فأدت حصيلة الصراع بين أطرافها إلى قيام الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970، بقيادة اللواء حافظ الأسد. وبذلك دخل البعث السوري مرحلته الرابعة.

بعد أيام من حركته، شكّل الأسد حكومة وحدة وطنية، بدأت بتطبيق سياسة تضامن عربي وعززت التعاون مع السوفييت. أما الحزب فقد حاول إخراجه من عزلته باتجاه المدن، ونحو شكل منظمة الجماهير، فضاعف عدد أعضائه العاملين نحو ثلاث مرات حتى عام 1974(27). وسرعان ما تكرّست زعامة الأسد في المؤتمرين القطري الخامس والقومي الحادي عشر 1971، فسمي قائداً للمسيرة، وأصبح رئيساً في الاستفتاء العام 1972. استكمل التركيب الجديد للمؤسسات السياسية، في جبهة وطنية تقدمية ملحقة ومجلس شعب وأخيراً في دستور دائم، كرّس الحزب قائداً للدولة والمجتمع. وعلى الرغم من محاولته في هذه الأنماط، أن تكون وسطاً ما بين النسق التعددي ـ الليبرالي وبين النسق الأحادي الحزبي، فقد أخذ حكمه طابعاً شخصياً، نظراً لمحافظته “على تركيز هائل للقوى في المركز، وكان في النهاية وحده صاحب القرار”(28).

عبر الأحداث الكبرى اللاحقة: حرب تشرين، الحرب الأهلية اللبنانية، الصراع مع الإخوان المسلمين، حربا الخليج الأولى والثانية، تمكن الأسد من تدعيم نظامه وتوظيف النزوع الاستراتيجي لسورية الكبرى، فأصبح لها دور إقليمي لافت.

أما على صعيد الحزب، فقد أدت سياسة التبعيث وبناء الجيل العقائدي إلى تضخم عدد أعضائه، حتى وصل في عام 2001 إلى مليون وربع عضواً. وارتباطاً مع علاقته المشرعنة بقيادة الدولة والمجتمع، فلم ينتج عن ذلك امتصاص الحقل السياسي للمجتمع، بل نقل صراعات ذلك الحقل إلى داخله، على الرغم من تجليها بأشكال مختلفة، كالجهوية والمناطقية والطائفية ومراكز القوى والزعامات (تنظيم النقباء، مشكلة رفعت الأسد). وبالإضافة إلى عدم تجدد دورة الحياة الداخلية للحزب وتوقف مؤتمراته القطرية لمدة خمسة عشر عاماً، منذ مؤتمره لعام 1985ـ الأمر الذي كرّس استمرار القيادة القطرية لنفس المدة ووزارة الزعبي لثلاثة عشر عاماًـ فقد تحوّل البعث “إلى حزب سلطة هامشي بدلاً من أن يكون حزب مجتمع”(29). أفسح ذلك كله المجال واسعاً لتفاقم ركود اقتصادي وفساد، كانت أهم عناوينه انتحار الزعبي، مقابل تضخم دولة أمنية، كان رمزها يتماهى مع ألقاب المطلق، في حين كان مجتمعها يزداد هامشية وإيغالاً في الخروج من التاريخ.

لكن مع بداية القرن الواحد والعشرين، وبعد رحيل الرئيس الأسد، يبدو أن سورية لم تعد تستطيع البقاء بعيدة عن روح العصر. فقد هبت رياح التغيير، وعقد المؤتمر القطري السابع للحزب في صيف 2000، وعادت دورته الانتخابية، فأصبح الصراع مفتوحاً بين خياري التغيير والاستمرارية، على الرغم من كل محاولات التوفيق بينهما.

الوحدويون الاشتراكيون: بدأت هذه الحركة كتيار داخل قيادات الصف الثاني من حزب البعث، جمعه الاستياء من المواقف الانفصالية لقيادات البعث. وتبلور في تكوين الطليعة الوحدوية الاشتراكية بعيد الانفصال، ثم أخذ اسم حركة الاشتراكيين العرب في المؤتمر التأسيسي (أوائل 1962) الذي حضره خمسون قيادياً كان معظمهم من حلب، انتخبوا سامي صوفان أميناً عاماً للحركة(30).

نمت الحركة سريعاً، نظراً لخبرة أعضائها التنظيمية السابقة، ونادت بالوحدة الفورية، فتمكنت من اكتساب أوسع الحماهير، معززة بدعم الإعلام المصري لها. أصبحت محوراً أساسياً للحركة الوحدوية الناصرية ونشاطاتها، فبلغ عدد أعضائها حوالي 35 ألف عضو عشية سقوط الانفصال(31).

بعد 8 آذار 1963، شاركت في الوزارة وفي الوفد السوري لمباحثات 17 نيسان، كما كانت قوة رئيسة في مختلف تحركات القوى الناصرية وضغوطها. لكن العلاقات بينها وبين البعث بقيت بين مد وجزر، اختلفت عناوينه بين حوار حول العودة إلى الحزب وبين اتهام بالتآمر والعمل ضده. إلى أن شاركت في تأسيس الاتحاد الاشتراكي السوري (1964) ثم انسحبت منه، وعقدت مؤتمرها الثالث (1965)، الذي أقر ميثاقاً ونظاماً داخلياً قدمهما فايز اسماعيل، الأمين العام الجديد. فكان ذلك الانسحاب سبباً في خسارتها الأولى لقسم هام من تنظيمها ومحيطها الشعبي. توالت تلك الخسارة عند تعاونها مع السلطة الشباطية، ثم مع الحركة التصحيحية الذي كان يجد تبريره في حجة النضال الإيجابي. فشهدت الحركة عدة حالات من التصدع تمثّل أخيراً عند مشاركتها في جبهة النظام وحكومته. ذلك إلى جانب شق آخر تشكّل عام 1975 وأخذ اسم الحزب الوحدوي الاشتراكي الديموقراطي، بزعامة أحمد الأسعد، بعد أن كانت قد حملت هي الأخرى اسم حزب الوحدويين الاشتراكيين منذ مؤتمرها

الحادي عشر (1972). وفي الواقع لا يمكن، منذ عودتها للتعاون مع البعث، تمييز فروق مبدئية إيديولوجياً أو سياسياً، سواء بينها وبين البعث أو بينها وبين الحركات الناصرية المنشقة عنها أو الموازية لها، والمشاركة في جبهة النظام.

حزب العمال الثوري العربي: تكوّن هذا الحزب نتيجة لحسم المؤتمر القومي الثامن للبعث اليساري خياراته (1965)، بتأكيد راديكاليته وطابعه الطبقي ووحدويته. وذلك نتيجة تحليله لجذور أزمة الثورة العربية التي رأى أنها كامنة في عجز القيادة البورجوازية الصغيرة(32).

منذ الإعلان عن تأسيسه ورؤيته الخاصة للماركسيةـاللينينية، المستندة على دراسات ياسين الحافظ والياس مرقص، واجه السياسات الحاكمة في كل من سوريا والعراق وانبرى للتحذير من الحلول الانقلابية في مواجهة المأزق السوري المستمر لما بعد تموز 1963. فانتهزت السلطة الشباطية فرصة التوتر الناشبة إثر مؤامرة أيلول 1966، وقامت بمطاردة الحزب واعتقال عدد كبير من كوادره وأنصاره في كامل القطر..

بعد هزيمة حزيران، التي رأى فيها اختباراً كلياً لبنى الأمة(33)، وقف حزب (ع) ضد النزعة اليسراوية ومشتقاتها في حرب التحرير الشعبية والفدائية، المتجلية عملياً في تهريب الجيوش النظامية وبقية طاقات الأمة. وبخاصة عندما طرح مشروع روجرز وأدى موقف عبد الناصر منه إلى هيجان اليسراويين العرب، حيث تميزت قيادة حزب (ع) هنا برؤية صاحية للمسألة، رغم توفيقية فرعه السوري(34).

أما عند قيام الحركة التصحيحية، فقد اتخذ حزب (ع) موقفاً إيجابياً منها، ورحّب بطروحات القيادة القطرية المؤقتة حول إقامة جبهة تقدمية، كما شارك في الحوارات التمهيدية لها. لكنه سرعان ما انسحب منها، عندما لاحظ الإصرار على المسار الإلحاقي لها، والذي أدّى مستقبلاً إلى انشطار القوى المشاركة فيها، وتشرذمها(35).

أتى المجلس القومي الثالث للحزب المنعقد صيف 1973، تحت وطأة استمرار الهزيمة، وتكريسها في انهيار الناصرية، ليشكل منعطفاً جديداً في تناوله لقضايا التأخر والإيديولوجيا، واهتمامه بالسيرورة التاريخية للثورة الديمقراطية، وتنمية الوعي والدراسة الحزبيين.

وحين فاجأت حرب تشرين الجميع، رحب الحزب بنتائجها على محدوديتها ورأى في الوقائع الصغيرة لسلوك المواطن العربي خلال الحرب، تباشير مجتمع مدني جديد(36) طالب بالانطلاق منه. أما تقرير المجلس القطري السوري الرابع 1976، فقد انصب على “اعتبار تحديث وعقلنة وكوننة وعي الانتلجنتسيا العربية مقدمة لابد منها لتعديل ميزان القوى لصالح العرب” (..) “وتعميق وتجذير النقد من السطح السياسي إلى عمارة المجتمع”. استكملت هذه المراجعة أطروحات المجلس القومي الرابع نحو وعي نقدي للهزيمة، التي سيتجلى خطها تباعاً في غلبة الطابع التنويري على الطابع السياسي في نشاط الحزب في كل من سوريا ولبنان. لكن الحزب أصيب برحيل أبرز قادته (ياسين الحافظ) عام 1978. ورغم استمرار جريدته المركزية بالصدور لبعض الوقت، فقد توقفت هيئاته القومية عن الانعقاد حتى عام 1993. عند نشوب أزمة 1979 في سوريا، تصدى لها واقترح “البدائل الديمقراطية والعلمانية التي تتيح ليس فقط تجاوز التكسير المجتمعي المتفجر، بل لأن تأخذ سورية دورها القومي” المطلوب(37). ثم شارك بفعالية في الحوار الوطني الواسع حول الأزمة، والذي سارعت إليه مختلف نخب المجتمع المدني السوري. أثمر أخيراً عن قيام التجمع الوطني الديمقراطي في آذار 1980، فضم (الاتحاد الاشتراكي العربي ـ أتاسي، الحزب الشيوعي السوري ـ الترك، حركة الاشتراكيين العربي ـ عياش، حزب العمال الثوري العربي، حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي)، وتسبب نشاطه بقيام حملة اعتقالات واسعة ضده.

عندما تمكن الحزب من عقد مؤتمره القومي الأول (نيسان 1993)، عمل على توسيع الحوارات وإنضاجها حول التحولات العالمية الجديدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. ذلك حتى مؤتمره القومي الثاني (آب 1994)، الذي تبنّى “الاسترشاد بالماركسية، بوصفها منظومة فكرية سياسية عصرية وكونية، دونما فهم منغلق وبروح نقدية”(38).

هكذا، يقف حزب (ع) اليوم على مشارف القرن الواحد والعشرين، فريقاً ماركسياً صغيراً، فيه من حداثة الانتلجنتسيا أكثر مما فيه من جماهيرية الحزب السياسي، وربما تكون تلك معادلته!

في إطار دراسة الإنشقاقات البعثية، يمكن الإشارة إلى نشوء مشاريع أحزاب لم تعمر طويلاً، كحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي الذي ارتبط بالإرث الشباطي، وحزب البعث العربي الاشتراكي (القيادة القومية) الذي ارتبط بالبعث (القومي) العراقي. وكانت هذه الارتباطات نفسها أحد أسباب عدم استمرارهما!

حركة القوميين العرب: نمت هذه الحركة في سورية امتداداً لنواة كانت قد تولدت في أواخر الخمسينيات بين الطلاب القوميين في جامعة بيروت الأميركية. وأصبحت “نوعاً من أخوية قومية طهرانية” تتبنى شعار (وحدة، تحرير، ثأر) ونظرية المرحلتين: النضال القومي أولاً، والنضال الاشتراكي تالياً. فكانت عقيدتها تكفل “القضاء على التجزئة بالوحدة، وعلى الاستعمار بالتحرير، وعلى إسرائيل بالثأر”(39). لم يكن عدد أعضائها يتجاوز الخمسين حتى عام 1960 في سورية، لكن التزامها الطوعي بالقيادة الناصرية، واعتبارها “الجمهورية العربية المتحدة نواة الوحدة العربية الشاملة وكماشة قوية لمحو إسرائيل”، وضعها في سياق الحركة الجماهيرية الناصرية. فبدأ بذلك انتشارها الواسع والقوي في مختلف أقطار المشرق العربي. و”كان صراعها ضد الانفصال هو المركبة الشعبية التي حولتها من أخوية محدودة إلى تنظيم جماهيري”، بلغ عدد أعضائه عدة آلاف في سوريا. لدرجة أنها سيطرت على قيادة الاتحاد العام للعمال وجندت في صفوفها 1300 عاملاً من أصل 1800 من عمال الشركة الخماسية في دمشق(40). فتمكنت بذلك من تنظيم أخطر عصيان مدني ضد الحكم الانفصالي، وكانت من أكبر المساهمين في جميع الاضطرابات التي قامت ضده.

لكن توترات العلاقة مع حزب البعث، أدت إلى سلبيات التنافس السياسي بينهما، وانعكست على تحالفهما الهش بعد 8 آذار 1963، إلى أن انقلب إلى صراع دموي إثر تسريح الضباط الناصريين وقيام حركة 18 تموز. وتلبية لنداء القيادة الناصرية بتشكيل الحركة العربية الواحدة، أعلنت الحركة حل تنظيماتها في كل من سورية والعراق، من أجل الاندماج في الاتحاد الاشتراكي الذي تشكل في تموز 1964. لكن ذلك الإعلان كان سياسياً فقط، إذ استمرت الحركة في سوريا تنظيمياً. وإثر هزيمة حزيران ومضاعفاتها، وفي سياق المجرى الشعبي الناصري، وتحولاته، بدأت الحركة تتجه نحو منظمة أكثر راديكالية للفئات الوسطى. من هنا، جاء انقسام الحركة حول الموقف من الجبهة المعارضة؛ التي وقع على ميثاقها اثنان من قادتها (هاني الهندي وجهاد ضاحي)، في حين اعتبر الفريق اليساري ذلك الاشتراك “خطوة بورجوازية صغيرة وخاطئة، ودعا إلى الانسحاب من الجبهة، وإقامة حلف طبقي لانقاذ الوطن”(41).

وحيث كانت الحركة تتعرض لحملات الملاحقة والتفكيك، كغيرها من قوى المعارضة السورية، فقد أتت التحولات اليسارية في حركة القوميين العرب لتعلن عن تصفيتها شكلاً ومحتوى في اجتماع اللجنة التنفيذية، الذي دعت إليه الفروع اليسارية (كانون الثاني 1969)(42). فتلاشت في الواقع بعد أن تحولت بمختلف أجنحتها إلى امتدادات للحركة الفدائية.

الاتحاد الاشتراكي العربي: تمخّض هذا الاتحاد عن مؤتمر توحيدي للقيادات الناصرية في تموز 1964، صدر عنه بيان تأسيسي، شدّد على التلاحم العضوي مع الجمهورية العربية المتحدة وقيادتها، وعلى أنه خطوة باتجاه الحركة العربية الواحدة، التي كان يدفع إليها عبد الناصر، كما انتخب نهاد القاسم أمينا عاماً له. وعندما أعلنت التنظيمات الناصرية حل نفسها والاندماج ضمنه، تبين لاحقاً صعوبات تطبيق ذلك، وتجلى في انسحاب الوحدويين الاشتراكيين أولاً ثم حركة القوميين العرب ثانياً. لكن ذلك لم يؤثر على قوة تنظيم الاتحاد، الذي عرف نمواً واسعاً واكتسح جماهير الطلاب والأحياء الشعبية في مختلف المدن السورية، حتى بلغت عضويته عشرات الألوف(43). لكن تعاون المتحدة مع السلطة الشباطية أوقع سياسته المعادية للبعث في ارتباك واضح. كما انعكست نتائج هزيمة حزيران عليه، إثر المراجعة الكبرى التي كان لا بد له من المشاركة فيها. فتشكل داخله تياران، توزعتهما مواقف متباينة بشان التنظيم والسياسة والفكر. الأول تجديدي تجمع حول جمال الأتاسي، والثاني محافظ تجمع حول محمد الجراح. تكرس انشقاقهما بعقدهما مؤتمرين منفصلين في نهاية عام 1968. الأمر الذي ضرب عميقاً في كامل جسد الاتحاد، وشكّل أكبر أزماته. لكن التيار الثاني لم يتمكن لاحقاً من الاستمرار، وسرعان ما تفكك وتلاشى مع مطلع الثمانينيات.

أما التيار الأول، الذي أصبح حزباً وأمينه العام د.جمال الأتاسي منذ ذلك المؤتمر، فقد عبّر في توجهاته التنظيمية كما في مراجعاته وتحليلاته عن تأثراته بالماركسية، وتمييزه بين نهج عبد الناصر القومي الذي التزم به، وبين نظامه الذي انتقده. بعدها توجه للمشاركة في الجبهة المعارضة لعام 1968، فأتى غياب عبد الناصر ومرجعيته، ثم إنقلاب السادات على نهجه ومجيء الحركة التصحيحية، ليدفعه إلى تغيير موقفه من البعث. فشارك في وزارة الأسد الأولى وفي حوارات الجبهة الوطنية التقدمية، إلى أن وافقت لجنته المركزية بأغلبية صوت واحد على ميثاقها(45). لكن الإصرار في نص الدستور الدائم على قيادة البعث للدولة والمجتمع (1973)، أدى إلى انسحابه من الجبهة والوزارة. فانعكس ذلك الموقف عليه داخلياً، في صورة انشقاق، قاده في البداية فوزي الكيالي للحفاظ على التعاون مع البعث والجبهة. ثم تابعه صفوان قدسي، الذي رأى في “تجربة حافظ الأسد استكمالاً لنهج عبد الناصر وإنضاجاً لها”(45). بقي هذا الانشقاق مشاركاً تحت نفس التسمية في الجبهة والوزارة، لكنه لم يتمكن من تمييز نفسه أيضاً، فتعرض باستمرار للضمور والتشرذم، لدرجة مشاركة شق آخر له في الجبهة ذاتها!

هكذا، تأثر حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، بما شهدته الساحة السورية من تراجع الناصرية وتقدم التيار الديني، وأفقدته الإنشقاقات المتتالية وزنه الشعبي وتأثيره الفعال، وما أضافه إلى ذلك طرد مجموعة(الجهاز السياسي) في المؤتمر السادس للحزب (1973). ثم نشوء التنظيم الشعبي الناصري، وحركة أنصار الطليعة العربية، اللذين سرعان ما تراجعا بعد ازدهارهما السريع والديناميكي في أوساط الجماهير الناصرية المثقفة والشابة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات. من ثم عادت بعض كوادرهما للعمل في إطار حزب الاتحاد، الذي كان قد تحول منذ ذلك المؤتمر إلى حزب يتبنى التصحيح لا التصادم حتى أواخر السبعينيات. في حينها، وعندما نشبت الأزمة الوطنية المترافقة مع أحداث العنف، تبنى مفهوم الديمقراطية الواسع بدلاً عن مفهوم الديمقراطية الشعبية الضيق(46) وسعى إلى تكوين (التجمع الوطني الديمقراطي 1980) الذي أصبح الأتاسي أميناً عاما له. وكان له دور كبير في التوصل إليه كصيغة عمل جبهوي بدلاً عن صيغة الحركة العربية الواحدة، العزيزة على قلوب الناصريين. لكن ظروف الأزمة واشتداد الاحتقان لم يسمحا بأي دور للبرنامج الوطني الديمقراطي الذي تبناه التجمع حينها. على العكس، فقد تعرض بمختلف قواه، وبخاصة الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي، للأمرّين منذ ذلك التاريخ.

من هنا، انصرفت جهود حزب الاتحاد إلى تطوير وعيه الديمقراطي وتصليب عوده التنظيمي والحفاظ على قواه التي زادت ضعفا وانكماشاً مع الزمن. فتحول بالنتيجة إلى حزب انتظاري يعتمد على ذاكرته الناصرية والدور البارز لزعيمه الأتاسي. لكن مؤتمر الحزب الأخير المنعقد في أوائل 2000، تبنى الخروج إلى العلنية وأضاف إلى اسمه صفة(الديمقراطي)، تمييزاً للحزب وتعبيراً عن نزوعه الأساسي. وفي آذار 2000، عندما رحل الزعيم الكبير د.جمال الأتاسي الذي كان المؤتمر قد أصر على إعادة انتخابه، تحولت مناسبة تأبينه إلى فرصة وطنية ساهمت بمزيد من خروج الحزب والتجمع إلى العلنية والحوار الديمقراطي، اللذين يصر حزب الاتحاد على متابعتهما، بخاصة إثر التغيرات التي حدثت في سورية بعد وفاة الرئيس الأسد. ولاحقاً انتخبت لجنته المركزية حسن اسماعيل عبد العظيم أميناً عاماً للحزب، كما انتخبه التجمع ناطقاً باسمه.

ثانياً ـ الاتجاهات الشيوعية:

الحزب الشيوعي السوري: بعد الاستقلال، استفاد هذا الحزب من الانتصار الكبير للسوفييت ضد النازية. فنما حجمه وتعاظم دوره من خلال مشاركته بمختلف النضالات المطلبية والاجتماعية والوطنية، بخاصة ضد الديكتاتوريات العسكرية. أصبح خالد بكداش ممثله المنتخب في برلمان 1954، بعد أن كان قد تولى الأمانة العامة للحزب منذ عام 1937. ونظراً لتحكم بكداش بالخط السياسي ولتوقف دورة الحياة الداخلية للحزب منذ المؤتمر الثاني عام 1949، فقد وضع الحزب في مجابهة مع القضايا القومية الأساسية. كان أخطرها تأييده لقرار تقسيم فلسطين ومعارضته الوحدة، ثم برقيته الشهيرة المؤيدة للانفصال الذي اعتبره “اتنفاضة شعبية ضد الاستعمار والتحكم الفرعوني”(47). فسمح ذلك بتعرضه لحملات اضطهاد وتنكيل شديدين، كما تسبب بعزلته الكبيرة عن الجماهير الوحدوية.

بعد 1963، أيد الحزب قرارات التأميم، التي كان قد رفضها خلال عهد عبد الناصر، وعانى من استقلال الحزب الشيوعي اللبناني عنه. كما انتظر سنوات من التوتر مع البعثيين حتى أتت السلطة الشباطية وسمحت بتعاون رمزي معه في الوزارة. أما حياته الداخلية فلم تستأنف دورتها حتى عام 1969، حيث عقد المؤتمر الثالث الذي واجه فيه بكداش تياراً راديكالياً نقدياً. فتمسك بسلامة مواقف الحزب ولم يقبل النقد إلا في المسائل التنظيمية(48). لكن معارضيه، بقيادة عضو المكتب السياسي رياض الترك، فرضوا عليه تمرير مشروع البرنامج السياسي (حزيران 1970) الذي تضمن نقداً لتاريخ الحزب ورؤية لحزب شيوعي عربي من مختلف القضايا القومية والفلسطينية والعمل الفدائي مع توجه إلى الاستقلالية عن السوفييت وإلى الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية. فكان هذا المشروع بداية لصراع داخل الحزب، فاقمه الخلاف حول التعاون مع الحركة التصحيحية واستعداء كتلة بكداش للسلطة والسوفييت ضد تيار المشروع. انفجر الصراع أخيراً ببيان الكتلة الانشقاقي (نيسان 1973) وتابع تفاعله لينتهي رغم كل المحاولات إلى تكريس الحزبين التاليين:

الأول: الحزب الشيوعي السوري، وأمينه العام خالد بكداش، الذي بقي محافظاً على تعاونه مع الحركة التصحيحية، وممثلاُ في الوزارة والجبهة وباقي مؤسسات السلطة منذ ذلك الحين. لكن جسده التنظيمي أصبح أكثر ضعفاً وعزلة، بخاصة بعد أن تركز في أوساط أقلياتية وعائلية، وعانى من انشقاقات متعددة، كان بينها الكتلة التي عملت لفترة تحت اسم: الحزب الشيوعي ـ منظمات القاعدة بقيادة مراد يوسف. أما أهمها فكان انشقاق 1986، الذي تحول إلى حزب شيوعي (ثالث) بقيادة يوسف فيصل، وشارك مثله في جميع مؤسسات النظام السوري. ونظراً لكونه امتلك بعض المبررات المنفتحة إيديولوجياً وسياسياً، فقد تميز عن حزب بكداش ذي اللغة الطبقوية والايديولوجية المتخشبة، واستطاع في المؤتمر السادس (1987) توحيد بعض الكتل المنشقة، وأعطى أملاً بتنمية خط شيوعي منفتح، لم يتأكد عملياً!

الثاني: الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، حيث عقد التيار الذي كان يشكل أغلبية قواعد الحزب ومكتبه السياسي مؤتمره الرابع 1973، وانتخب فيه الترك أميناً أول. وعند انسحاب كتلة عبد الصمد ونعمة وبكري منه، خسر ممثليه في الوزارة والجبهة. لكنه حافظ على حد أدنى من المشاركة في فروع الجبهة، وتجنب توتير العلاقة مع البعث. ذلك إلى عام 1976، حيث أدت معارضته دخول الجيش السوري إلى لبنان وتزايد نقده للسياسة الداخلية إلى الانسحاب من الجبهة، فانتقل بذلك نهائياً إلى موقع المعارضة. مما انعكس على تصليب تنظيمه ووضوح خطه السياسي باتجاه مفهوم الثورة الوطنية الدميقراطية الماركسي. الأمر الذي تجلى في تركيب المؤتمر الخامس 1978 وموضوعاته(49). وعندما طالب بالتغيير الديمقراطي، خلال أزمة 1979 ـ 1980، وشارك في تكوين التجمع الوطني الديمقراطي، تعرض أكثر من غيره لحملات قمع متعددة طالت على مدى عقدين معظم قياداته وقواعده وحولته إلى رموز حزب وخط سياسي. لكن انتهاء الاحتقان والإفراج عن معتقلي الحزب، الذي شمل أخيراً رياض الترك في أواسط 1998، شكّل إنعاشاً للحزب، فأعاد انتخاب الترك وترميم هيئاته. من ثم يمكن ملاحظة مؤشرات عديدة تدل على شروع الحزب بالتجدد واستعادة دوره في الحياة السياسية السورية، التي تشهد بعض ملامح الانفراج والتغيير في أوائل القرن الجديد.

رابطة العمل الشيوعي: انبثقت هذه الرابطة عن مؤتمر عقد عام 1976، وأقر فيه توحيد مجموعة من الحلقات الماركسية الجديدة التي كانت قد ظهرت في جامعتي حلب ودمشق منذ أوائل السبعينيات، على خلفية منظورات ماركسية راديكالية تنتقد الماركسية المسفيتة والرائجة. لعب ناشطون ديناميكيون (مثل فاتح جاموس وهيثم مناع (حتى 1978) وأصلان عبد الكريم) دوراً كبيراً في ذلك التحول وفي إقرار دليلها النظري المسمى بالخط الاستراتيجي، الذي تبنى مفهوم القوميات العربية،وطرح شعار إسقاط النظام(50). مما عرّضها لحملات ملاحقة متكررة خلال عامي 1977 و 1978. وكان لتقلب مواقفها من السلطة عند تفاقم صراعها مع حركة الإخوان المسلمين ومن المعارضة ومن الحزبين الشيوعيين أكبر الأثر في تصدع صفوفها المحدودة(51). ترافق ذلك مع نمو اتجاه سوفيتي التوجه في خطابها، بخاصة إثر تحولها إلى حزب العمل الشيوعي في مؤتمر 1981. فيما بعد حققت بعض الصعود عندما نشطت مع معارضي عرفات، في فترة تسامحت فيها السلطة معها وغابت خلالها المعارضة اليسارية الملاحقة. لكن السلطة عادت إلى ضربها إثر قيادتها لمظاهرة كردية عام 1986، ثم قامت بتفكيكها بشدة لاحقاً. ومنذ ذلك التاريخ لم يعد للرابطة دور محسوس، مع توفر رموز وتحليلات تحاول تجديد هذا الدور مؤخراً(52).

يمكن في إطار الاتجاه الشيوعي أيضاَ ملاحظة نشوء منظمات وحلقات، كان لها بعض التوهج في السبعينيات، كاتحاد الشيوعيين السوريين والمنظمة الشيوعية العربية وغيرها. لكنها جميعاً، وعلى الرغم من الاختلافات بينها، سرعان ما انطفأت أو صفيت ولم تستمر!

ثالثاً ـ الاتجاهات الإسلامية:

الإخوان المسلمون: في الفترة الأولى من الاستقلال، تميّز إخوان سوريا عن منظورات إخوان مصر، فلم يطالبوا بـ “تطبيق الشريعة، بل بحكم صالح يزيل مساوئ الاستعمار”(53). وشاركوا في التنافس الانتخابي، ففازوا عام 1949 بأربعة نواب من خلال تشكيلهم الجبهة الإسلامية الاشتراكية. كان للسباعي، الذي اكتسب لقب الشيخ الأحمر، فضل في نزوعهم نحو حزب ديمقراطي إسلامي اجتماعي. تعاون هذا الحزب مع القوى الوطنية ضد مشروع سورية الكبرى و تقسيم فلسطين، وأيد الإصلاح الزراعي، كما شارك في مقاومة الديكتاتوريات العسكرية. وعلى الرغم من معارضته عبد الناصر منذ قضية الإخوان في مصر، فقد كان موقفه إيجابياً من الوحدة وشارك عملياً في تنفيذ قرار حل الأحزاب، في حين روّجت السلطات لكتاب السباعي (اشتراكية الإسلام). أما في عهد الانفصال، فبينما اتخذت كتلة الإخوان (التعاونية البرلمانية) المكونة من عشرة نواب، موقفاً يمينياً وسطياً من تعديل قانون الإصلاح الزراعي الذي كان في حقيقته تصفية للقانون الناصري، تفادت قيادة الإخوان مواجهة عبد الناصر سياسياً، بل نسقت في جميع الإضرابات مع الناصريين في مواجهة الشيوعيين والاشتراكيين(54). لكن مرحلة ما بعد 8 آذار شهدت توتراً ومواجهات دامية عديدة ما بين الإخوان والبعث. كان من أشهرها: اعتصام حماه 1964، الذي قاده تيار الإخوان الجهادي (كتائب محمد) واستمر 29 يوماً، ثم اعتصام المسجد الأموي الذي شارك فيه الإخوان كأفراد بينما قاده الشيخ حبنّكة 1964. وأيضاً أحداث حماه 1980 التي قادها تنظيم الطليعة المقاتلة المنشق أو المتميز داخل الإخوان وانتهت إلى مأساة، تبعتها عمليات ملاحقة وتفكيك شاملة ضد الإخوان المسلمين ورافقتها سياسة تجفيف منابعهم إلى أمد غير منظور.

هكذا، تنازع في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين السوريين اتجاهان، الأول سلمي إصلاحي تزعمه قادة مثل: المراقب العام الأول مصطفى السباعي وخلفه عصام العطار، والثاني عنفي جهادي تزعمه قادة مثل: مروان حديد وعدنان عقلة. لقد شملت في قواعدها المدينية شرائح متعلمة واسعة على الرغم من استنادها إلى ايديولوجيا تقليدية في مواجهة مشروع الدولة الحديثة. فكان تاريخها تعبيراً آخر عن تناقضات الحداثة العربية ومشكلاتها.

حزب التحرير الإسلامي: نشأ هذا الحزب في الأردن على يدي تقي الدين النبهاني ورفاقه منذ أوائل الخمسينيات. امتد إلى الضفة الغربية، ثم إلى سورية بعد هجرة النبهاني إليها مع اثنين من أعضاء لجنة القيادة في 1954(55). بتأثير الخطاب الفكري المتكامل للحزب والداعي إلى إقامة الدولة الإسلامية، فقد جذب إليه الشباب المتعلم أكثر من الخطاب الإسلامي المباشر والبسيط. لذلك كان نموه المناسب في دمشق وبعض المحافظات السورية سبباً آخر في تحرك الإخوان المسلمين ضده واتهامهم له بشتى أنواع التهم(56). استفاد الحزب من أجواء الخمسينيات الديمقراطية، على الرغم من عدم الترخيص له. لكن عهد الوحدة دفعه إلى العمل السري، فتلاشى صوته ولم يعد مسموعاً حتى أوائل عام 2000، عندما لوحظت عودة جديدة وغامضة لاسمه، أشارت إليها حملة الإعتقالات الواسعة التي شملت المئات من شباب المدن المتعلمين والذين يشاع أنهم شكلوا كوادره وأطيافه.

رابعاً ـ الاتجاهات الإقليمية والمحلية:

الحزب السوري القومي: بعد الاستقلال، تبنى الحزب الفلسفة المدرحية وأصبح اسمه: الحزب السوري القومي الاجتماعي. في عام 1947، أعلن سعادة عن احترام الحزب للكيان اللبناني واعتبار الجامعة العربية تحقيقاً لأهدافه، وأن الحزب أجرى تعديلات في مبادئه شملت ضم باقي العراق وجزيرة قبرص إلى حدود سورية القومية(57). قام بنشاط واسع في تلك الفترة تميز بجوانبه الثقافية في لبنان، نظراً لعدم ترخيصه في سورية. لكن هذا النشاط تلاشى بعد ملاحقته واتهامه بتدبير محاولة انقلاب في لبنان عام 1949، ثم مسارعة سلطة حسني الزعيم لتسليم سعادة إلى السلطات اللبنانية التي بادرت إلى محاكمته عسكرياً وإعدامه.

لكن الحزب استعاد نشاطه في سوريا بعد تغير الحكم، وفاز له نائبان في الجمعية التأسيسية عن دمشق وطرطوس. ثم اتخذ مواقف متقلبة من نظام الشيشكلي، وغير شعبية من الأحلاف(58). زاد في عزلته لجوءه إلى سياسة الاغتيالات، حيث اغتال رياض الصلح في عمان صيف 1950، والعقيد البعثي عدنان المالكي في دمشق نيسان 1955. فكان ذلك إيذاناً باختفائه وانتهاء دوره في سورية حتى عقد التسعينات، حيث لوحظت أنشطة نصف علنية له في السنوات الأخيرة من حكم الأسد الراحل، ومنها تمثيله بعضو في مجلس الشعب (باصيل دحدوح). كما أن هناك مؤشرات على احتمال ضمه إلى الجبهة الوطنية التقدمية في العهد السوري الجديد.

الاشتراكيون العرب: هي حركة انطلقت من تراث الحزب العربي الاشتراكي، الذي كان قد اندمج مع حزب البعث في أوائل الخمسينيات ثم افترق تياره عنه بسبب تأييده للانفصال ومعارضته الشديدة لعبد الناصر. قاد الحركة مجدداً زعيمها التاريخي الحوراني، وبعد اختلافه مع السلطات البعثية المتعاقبة تشرذمت حركته التي اعتمدت على قاعدة حموية قوية وفكر اشتراكي انتقائي. فخرجت منها تحت نفس التسمية مجموعات ثلاث: الأولى، انتقلت إلى صف المعارضة بقيادة اللواء السابق عبد الغني عياش وشاركت في التجمع الوطني الديمقراطي. والثانية، بقيادة عبد الغني قنوت، أيدت الحركة التصحيحية وشاركت في جبهتها، إلى جانب الثالثة، بقيادة عبد العزيز عثمان الذي خلفه ابنه غسان بعد وفاته.

الأحزاب والحركات الكردية: هناك أكثر من عشرين حزباً وحركة ناشطة في الأوساط الكردية السورية، بخاصة في منطقة الجزيرة. جميعها غير مرخصة، وبعضها امتداد لأحزاب كردية منطلقة من خارج سوريا كالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وبعضها الآخر محلي كالتجمع الوطني الديمقراطي. وهي مختلفة القوة ومتفاوتة المطالب، لكنها تشترك في التعبير عن الهم السياسي للأقلية الكردية السورية.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ محمد نجاتي طيارة، المرحلة الجمعياتية، الأحزاب والحركات القومية العربية ج1، تنسيق فيصل دراج ومحمد جمال باروت، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2000، ص16.

2 ـ خيرية قاسمية، الحكومة العربية في دمشق، دار المعرف، القاهرة، 1971، ص27.

3 ـ بوعلي ياسين، عصبة العمل القومي، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر مذكور سابقاً، ص52.

4 ـ الياس مرقص، تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي ط1، دار الطليعة، بيروت، 1964، ص16.

5 ـ خالد بكداش، مقدمة لكتاب طريق الاستقلال، مكتب المطبوعات السياسية والاجتماعية، دمشق، 1955، ص21.

6 ـ محمد حرب فرزت، الحياة الحزبية في سوريا بين 1955ـ 1908، دار الرواد، دمشق، 1955، ص116.

7 ـ عبد الله حنا، الحركة العمالية في سوريا ولبنان، دار دمشق، دمشق، 1973، ص210.

8 ـ بوعلي ياسين، مصدر سبق ذكره، ص 54.

9 ـ المصدر السابق، ص57.

10 ـ عبد الله حنا، مصدر سبق ذكره، ص212.

11 ـ محمد حرب فرزت، مصدر سبق ذكره، ص 138.

12 ـ بوعلي ياسين، مصدر سبق ذكره، ص 62.

13 ـ ذوقان قرقوط، تطور الحركة الوطنية في سوريا 1939ـ 1920، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1975، ص 179.

14 ـ محمد حرب فرزت، مصدر سبق ذكره، ص 146.

15 ـ المصدر السابق، ص 146.

16 ـ محمد جمال باروت، جماعة الإخوان المسلمين ما بعد المحنة، سورية، الأحزاب والجماعات والحركات الإسلامية، ط2، ج1، تحرير فيصل دراج وجمال باروت، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2000، ص 255.

17 ـ بوعلي ياسين، حزب البعث العربي الاشتراكي، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر مذكور سابقاً، ص 222.

18 ـ باروت، حزب البعث القومي، المصدر السابق، ص 361.

19 ـ باتريك سيل، الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، دار الساقي، لندن، 1988، ص 85.

20 ـ مصطفى دندشلي، مساهمة في نقد الحركات السياسية في الوطن العربي، ط1، ج1، دار الطليعة، بيروت، 1979، ص 186.

21 ـ انظر: دندشلي، المصدر السابق، ص 315. وهاني الفكيكي، أوكار الهزيمة(تجربتي في حزب البعث العراقي)، ط1، رياض الريس، لندن، 1993، ص 206.

22 ـ دندشلي، مصدر سبق ذكره، ص 330.

23 ـ طيارة، مصدر سبق ذكره، ص 510.

24 ـ كتب ياسين الحافظ التقرير بصيغته الأولى، وذكر فواز طرابلسي أن لجنة ضمته مع جبران مجدلاني، برئاسة ميشيل عفلق، لاستبدال مقدمتها. لكن عفلق تهرب من اجتماعات اللجنة وكتب وحده المقدمة البديلة. انظر كتاب الطرابلسي: صورة الفتى بالأحمر، دار الريس، بيروت، 1877، ص 47.

25 ـ طيارة، من اليسارية البعثية إلى حزب العمال الثوري العربي، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر سبق ذكره، ص 518. واعتباراً من هذه الفقرة سنرمز لهذا الحزب بـ (ع) على سبيل الاختصار.

26 ـ القومية العربية، سيل، مصدر سبق ذكره، ص 287.

27 ـ باروت، حزب البعث القومي، مصدر سبق ذكره، ص 430.

28 ـ سيل، مصدر سبق ذكره، ص 287.

29 ـ عبد الرزاق عيد، البعث: حزب سلطة هامشي هل يستطيع التحول إلى حزب مجتمع، النهار 28/9/2000.

30 ـ شمس الدين الكيلاني، الوحدويون الاشتراكيون من الحركة إلى الحزب، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر سبق ذكره، ص 213.

31 ـ المصدر السابق، ص 215.

32 ـ انظر: جماعة من المفكرين، أسباب أزمة الثورة العربية، دراسات عربية، السنة الثانية، العدد 12، بيروت، 1966.

33 ـ ياسين الحافظ، الهزيمة والايديولوجيا المهزومة، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1979، ص 46.

34 ـ طيارة، مصدر سبق ذكره، ص 541.

35 ـ محمد جمال باروت، العقد السياسي السوري، الحياة 31/8/1988.

36 ـ الثورة العربية، الجريدة المركزية لحزب (ع)، أواسط ك1/1973.

37 ـ الثورة العربية، أوائل ت1/ 1979.

38 ـ الوثيقة البرنامجية، المؤتمر الثاني لحزب (ع)، آب 1994.

39 ـ باروت، حركة القوميين العرب، الأحزاب والحركات القومية العربية، ج2، مصدر سبق ذكره، ص9.

40 ـ المصدر السابق، ص13و21.

41 ـ المصدر نفسه، ص 48.

42 ـ المصدر نفسه، ص 58.

43 ـ شمس الدين الكيلاني، الإتحاد الاشتراكي نموذجاً لسورية، المصدر السابق، ص121.

44 ـ المصدر السابق، ص 146.

45 ـ المصدر نفسه، ص 151.

46 ـ المصدر نفسه، ص 152.

47 ـ مرقص، مصدر سبق ذكره، ص 123.

48 ـ محمد جمال باروت، الحركة الشيوعية السورية وأسئلة المصير، الحياة، 5/11/1988.

49 ـ المصدر السابق.

50 ـ باروت، رابطة العمل الشيوعي ومسارها المتعرج، من التألق إلى الانحلال، الحياة 19/11/1998.

51 ـ المصدر السابق.

52 ـ فاتح جاموس، أي حركة سياسية، أي حزب نريد، كيف نبدأ، بدون مكان إصدار ولا دار نشر 6/1/2000.

53 ـ باروت، جماعة الإخوان المسلمين ما بعد المحنة، مصدر سبق ذكره، ص 257.

54 ـ المصدر السابق، ص91.

55 ـ حسام جزماتي، حزب التحرير، الأحزاب والجماعات والحركات الإسلامية، مصدر سبق ذكره، ص 90.

56 ـ المصدر السابق، ص91.

57 ـ محمد حرب فرزت، مصدر سبق ذكره، ص 229.

58 ـ المصدر السابق، ص 263.

 

الفصل السادس

التحولات المجتمعية ودور المنظمات الأهلية

كريم أبو حلاوة(*)

 

يلاحظ المتابع المهتم مسألة تعدد الندوات والمؤتمرات والبحوث التي تعقد حول حاضر ومستقبل المجتمع العربي. إن في ذلك دلالة على انتقال الفكر الاجتماعي من توصيف الواقع وتشخيصه إلى محاولة امتلاكه معرفياً واقتراح الحلول والمداخل التي تفضي للتعامل العلمي والعقلاني مع ظواهره.

غير أن توقف الفكر عند ظاهرة المنظمات الأهلية وتوجيه الأسئلة إليها بغية تسليط المزيد من الأضواء حولها، ليس سوى إشارة ضمنية بأن دور المنظمات الأهلية ومكانتها لم يصلا بعد إلى المستوى الذي تنشده حركة التنمية والتحديث في مجتمعاتنا.

يندرج الاهتمام بالمنظمات الأهلية ضمن خطاب ثقافي عربي أخذ يتنامى بشكل متواصل، تتضافر فيه مفاهيم المجتمع المدني والتعددية ومزايا الحوار الاجتماعي وأهمية الممارسة المجتمعية، لتشكل سمات جديدة. هذه السمات تؤكد النزوع المتزايد للخطاب العربي المعاصر في تبني المبادئ الديمقراطية والإعلاء من شأن المشاركة في قضايا الشأن العام وعدم اقتصار تناولها على النخب.

لا تقل دلالة هذا التحول من الناحية المعرفة أهمية عن دلالته الاجتماعية. فبعد أن تركزت البحوث والدراسات الاجتماعية ـ ولفترة طويلة ـ على الدولة ومؤسساتها والأدوار التي تقوم بها في المجتمع، بزغ اتجاه آخر يدعو إلى الاهتمام بالفاعلين الاجتماعيين سواء كانوا أفراداً، أم منظمات أهلية، أم جماعات مصالح ويتساءل عن دورهم التنموي وحجم مساهمتهم في المشروع المجتمعي.

تهدف هذه الدراسة إلى تحديد الموقع البنيوي للمنظمات الأهلية العربية والدور الذي تقوم به في المجتمع. ذلك ضمن خيار منهجي يطرح التساؤلات حول ملامح هذا القطاع الاجتماعي الحيوي والمكانة القانونية التي يتبوأها، وصولاً إلى مناقشة الأساليب المناسبة لتفعيل عمل هذه المنظمات والتعرف على النشاطات التي تمارسها في سياق مشاريع التنمية.

لا يكتمل التحليل دون الوقوف المتأني عند الصعوبات والعوائق التي تواجه عمل المنظمات الأهلية وتحد من إمكانياتها وتحول دون إسهامها النشط في مواجهة المشكلات التنموية. ذلك عبر تشجيع ومأسسة كل ما يفضي إلى تعظيم المشاركة المجتمعية كضرورة لا غنى عنها في إنجاح المسعى التنموي وديمومته.

فما هي المنظمات الأهلية وما موقعها في البنية الاجتماعية، سواء فيما يتصل بعلاقتها بالدولة ومؤسساتها أو من حيث علاقتها بالمجتمع المدني؟ ما هي الأدوار والوظائف الاجتماعية التي يمكن أن تقوم بها، وإلى أي حد هي مؤهلة وقادرة على القيام بهذا الدور؟.

منذ أكثر من عقد مضى، والاهتمام بالمنظمات الأهلية يتعاظم تدريجياً، سواء على مستوى دراسة بنى المجتمعات المحلية وتنظيمها بعد أن استحوذ النموذج المتمركز حول دور الدولة على النصيب الأعظم من الدراسات السوسيولوجية، أو على مستوى تعاظم الدور الذي بدأت المنظمات والهيئات الدولية توليه لهذه المنظمات بغية إشراك ما بات يعرف بالقطاع الثالث Third sector أو المنظمات غير الحكومية (N. G. Os) في برامج القطاع العام كجزء من استراتيجية تقليص البيروقراطيات الحكومية والارتقاء بدور القطاع الخاص. مما اعتبر مؤشراً على زيادة المشاركة والشفافية في عملية التنمية.

ومع بروز مدرسة التبعية، شهد الفكر التنموي تحولات أساسية يمكن تكثيفها على الشكل الآتي:

1 ـ التحول من نظريات التنمية الخطية إلى نظرية التبعية التي ركزت على تفسير التخلف وتحليل العلاقات الاقتصادية الدولية غير المتكافئة.

2 ـ التحول عن مفهوم الدخل القومي كمقياس للتنمية إلى مشكلات البطالة وسوء توزيع الدخل وإشباع الحاجات الأساسية.

3 ـ الانتقال من التأكيد على المشكلات الاقتصادية المحددة إلى الاهتمام بالمشكلات والقيود العالمية: كالطاقة واستنفاد الموارد والجوع والتلوث والسكان.

4 ـ الانتقال من معاملة البلدان النامية كمجموعة متجانسة المصالح إلى معاملتها كمجموعة متباينة الظروف والمصالح، إلى جانب تلاشي مفهوم انسجام المصالح العالمي وإبداله بمفهوم تعارض المصالح، خصوصاً بين البلدان المتقدمة والنامية.

لقد تضافرت الجهود النظرية لبناء ما سمي آنذاك بالتنمية المستقلة مع التركيز على المشكلات والأزمات التي لا بد للتنمية المستقلة من مواجهتها وهي:

ـ أزمة الهوية: بما تثيره من مشكلة الولاءات المحددة والضيقة مقابل الولاء القومي، والتي تتعاظم عندما يبدأ التعارض بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة.

ـ أزمة الشرعية: تشير إلى مسألة الاتفاق على شرعية الحكم، أي التحول من الأسس التقليدية الموروثة للشرعية إلى أسس أخرى حديثة.

ـ أزمة التغلغل: تتمحور حول مدى وصول الحكومة وسياساتها التنموية إلى أطراف المجتمع، أي إلى استغراق البنية الاجتماعية بأكملها.

ـ أزمة التوزيع: تتصل بالمشكلات الناجمة عن توزيع الدخل القومي ومدى اقترابها من حدي العدالة والتفاوت.

ـ أزمة المشاركة: تعني مدى الاستعداد لإشراك أكبر عدد ممكن من الأفراد والفئات الاجتماعية في العملية السياسية وإدارة شؤون البلاد وتتصل بالدمقرطة.

ـ وأخيراً أزمة الاندماج: التي تعني العمل من أجل التغلب على الفروق الإقليمية والإثنية والدينية للوصول إلى مرجعيات اجتماعية أعلى متفق عليها من الجميع أساسها الولاء للوطن.

مع الانتقادات المتزايدة التي تعرضت لها مدرسة التبعية، والصعوبات العديدة التي واجهت سياسات فك الارتباط وكسر التبعية، وبسبب جملة التحولات الاقتصادية والسياسية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية، وما رافق ذلك من مستجدات تتصل بالعولمة وتجلياتها الاقتصادية والسياسية والعلمية، كان لا بدّ من إعادة النظر نقدياً بمفهوم التنمية. فأتى مفهوم التنمية المستدامة (المستمرة) HUMAN DEVELOPMENT SUSTANABLE الذي ركزت عليه تقارير التنمية البشرية منذ مطلع التسعينات من هذا القرن ليشكل مفهوماً مركباً يأخذ بعين الاعتبار الخبرات التنموية السابقة بشقيها النظري والتطبيقي.

إلا إن ذلك لا يعني أن مفهوم التنمية البشرية المستدامة نهائي ومكتمل وينطوي على حلول للمشكلات التنموية المعقدة. فأشكال “النمو الرديء”، التي تشهدها العديد من المجتمعات اليوم، عديدة ومنها: النمو عديم الشفقة، والنمو بلا مستقبل، والنمو الأخرس، والنمو بلا جذور، وأخيراً النمو بلا فرص عمل. لعل الأزمة التي شهدتها دول جنوب شرق آسيا منذ منتصف عام 1997 وأفقدتها 30 ـ 50• من قيم عملاتها، والتي امتدت لتشمل روسيا وفنزويلا، لعلها ترسم علامات استفهام جدية حول فرص ومستقبل التنمية في زمن العولمة GLOBALISATION. إلى أن برز مفهوم اشمل للتنمية الاجتماعية الاقتصادية يأخذ انعكاس السياسات التنموية على بنى المجتمع وأنشطته الاقتصادية بعين الاعتبار، وصولاً إلى مفهوم التنمية المستدامة الذي تبناه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP في تقاريره السنوية التي يعدها عن واقع التنمية في العالم.

يبحث تقرير التنمية البشرية لسنة 1996 طبيعة ودرجة العلاقة بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية. وفي بادرة غير مسبوقة يتم تحديد مفهوم التنمية البشرية بصورة دقيقة على أنه “توسيع خيارات الناس بتوفير الفرص لهم في مجالات العمل والدخل والصحة والتعليم والحقوق السياسية التي تتكاثف في مفهوم المشاركة”، وذلك عبر اقتراح مؤشر (HUMAN DEVELOPMENT INDEX) دليل لقياس التنمية البشرية المستديمة. أي ربط النمو الاقتصادي بهدف أساسي، هو تحسين نوعية حياة الناس وضمان توزيع أسلم للدخل وحماية البيئة.

يؤكد التقرير على الربط الجدلي بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، بحيث يكون النمو وسيلة والتنمية غاية. في هذا السياق يؤكد التقرير على أهمية المشاركة (PARTICIPATION) بين الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص والمنظمات الأهلية في قضايا إدارة هذه العملية.

إن التغيرات التي يشهدها قطاع العمل الأهلي في العديد من البلدان العربية مؤشر لجملة من تحولات وتغيرات اجتماعية واقتصادية، وبدرجة أقل سياسية بدأت تشهدها هذه البلدان. كما تظهر هذه التغيرات في جزء منها كأثر لاتجاهات عالمية أبرزت تصاعد وزن القطاع الثالث وأهمية المنظمات غير الحكومية في تعاملها مع مشكلات السكان والبيئة والفئات المحرومة والأقل حظاً، إضافة إلى قضايا حقوق الإنسان والمرأة وغيرها. لكن ما هي العوامل والأسباب التي أسهمت في تغيير مكانة القطاع الأهلي في الأقطار العربية، وما حجم الدور الجديد لهذا القطاع؟.

يبين التحليل المتأني للعوامل الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء هذا التحول أن هناك مجموعتان من العوامل: تتعلق أولاهما بالسياسات التنموية التي اتبعتها أغلب الدول العربية بما تضمنته من إخفاقات ونجاحات وبما تكشفت عنه من الثغرات والنواقص، في حين تتصل ثانيتهما بتغييرات البنى الاجتماعية والهيكل السكاني المرتبط بمطالب واحتياجات جديدة ناجمة عن هذه المستجدات.

لقد أسفرت السياسات المالية والنقدية التي اتبعتها غالبية البلدان العربية لمواجهة التضخم وعجز الميزانيات عبر تحرير السوق والاتجاه نحو الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، عن انخفاض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة في قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. مما أدى إلى بروز أهمية دور القطاع الأهلي في تغطية جانب من مطالب السكان وإشباعها. وهو دور طبيعي وضروري من حيث أنه مكمل لدور الدولة من جانب، إضافة إلى الدور المتعاظم للقطاع الخاص من جانب آخر.

وبالتوازي مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي نجم عنها تراجع دور الحكومات في الإنفاق على الخدمات العامة والرعاية الاجتماعية، اتجه عدد السكان في الدول العربية نحو التزايد المستمر (270 مليون نسمة عام 1990) ووصل معدل نمو السكان إلى 2.6 الذي هو من أعلى المعدلات في العالم. يعني هذا أن ثمة احتياجات ومطالب سكانية جديدة لا تستطيع الحكومات إشباعها، خاصة إذا كانت هذه الاحتياجات مرتبطة بمجتمعات فتية تصل فيها نسبة الأعمار دون 15 سنة حوالي 40• من إجمالي عدد السكان. هذا بالإضافة إلى الظروف الاستثنائية التي شهدتها بعض الأقطار العربية بسبب الحروب والكوارث البيئية والطبيعية (مثل لبنان وفلسطين والسودان والصومال). والتي برز فيها دور مهم لمنظمات القطاع الأهلي في تلبية حاجات السكان، حيث استجابت بمرونة عالية للمشكلات والمتغيرات التي شهدتها هذه المجتمعات.

الملاحظ بالنسبة للدول العربية تباطؤ النمو خلال الفترة 1991 ـ 1997 نتيجة أزمة الخليج الثانية وتزايد مديونية الكثير من الدول العربية عموما(1).

تبين المقارنة بين البلدان العربية التي انتهجت سياسة الاقتصاد المخطط والمركزي وبين الدول التي انتهجت سياسات اقتصادية تقوم على اقتصاد السوق والتعددية الاقتصادية إن المجموعة الأولى من الدول ذات الاقتصاد الموجه، وبالرغم من أنها استطاعت توفير بنية اقتصادية تحتية (مشاريع صناعية وزراعية وطرق وخدمات)، إلا أنها لم تنجح في استثمارها بمعايير الكفاءة الاقتصادية. لقد وصلت إلى أزمة انسداد أفق وتباطؤ في النمو الفعلي بسبب البيروقراطية والروتين والفساد وتقييد المبادرة وكبح الاستثمارات. مما يستدعي القيام بالإصلاحات الاقتصادية وإعادة الهيكلية والخصخصة وتنشيط المبادرات الخاصة(2).

أما المجموعة الثانية، فقد عانت معظم بلدانها من مشكلة تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول نتيجة لإجراءات الخصخصة والإصلاحات المالية وضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين. مما أفضى إلى تفاقم ظاهرة البطالة وارتفاع نسبة الفقر. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في الآثار الاجتماعية السلبية لهذه السياسات التنموية والعمل على إيجاد التوازن الصعب بين سياسات التحرير الاقتصادي وبين حاجات المجتمع التنموية ومقتضيات العدالة الاجتماعية، مع ملاحظة الفروق بين البلدان العربية داخل المجموعتين السابقتين.

من هنا يتضح أن الاهتمام بالمنظمات الأهلية باعتبارها إحدى مكونات المجتمع المدني في البلدان النامية لا ينفصل عن التفكير بالقضيتين المركزيتين اللتين تواجههما هذه المجتمعات وهما: قضية التنمية والمسألة الديمقراطية.

لم يعد خافياً التعثر، بل والفشل، الذي وصلت إليه التجارب التنموية لمجتمعات “جنوب العالم” أو ما بات يعرف بالجيل الأول للتنمية، والذي نصب عينيه تراكم رأس المال دون تراكم خبرات البشر وإطلاق إمكانياتهم. عدا عن إهمال بعدين أساسيين من أبعاد التنمية وهما: الاستمرارية من جهة، وجعل البشر غاية هذه التنمية ووسيلتها في الوقت نفسه من جهة ثانية.

في حين يتمثل المظهر الثاني لفشل تجارب البلدان النامية في العجز أو عدم الرغبة في استنهاض المشاركة الشعبية، بحيث بقيت شكلية وغير فعالة في غالبيتها.

ملامح القطاع الأهلي في العالم العربي:

تحاول هذه الدراسة أن تتعرف على السمات الأساسية للمنظمات الأهلية العربية والتي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر. في حين يمتد العمل الأهلي عميقاً في تاريخنا الاجتماعي، تمت ممارسته عبر صيغ متعددة كالوقف والزكاة وغيرها من أشكال العطاء الإنساني الذي بات يشكل قيماً مشتركة بين الحضارات والثقافات والأديان في العديد من مناطق العالم.

تتنوع صيغ التنظيمات الأهلية العربية وتختلف من حيث العدد وتاريخ النشاط وأنواعه. تشير المعطيات المتوفرة إلى وجود 70000 منظمة أهلية عربية، أي وجود عدد ضخم من المبادرات الشعبية التي يمكن تصنيفها، حسب النشاطات التي تقدمها، إلى أربعة أنواع:

ـ أولاً: الجمعيات الخيرية: تضم مجمل المنظمات الأهلية التي تعمل في مجال العمل الخيري بشكله التقليدي الذي يعتمد صيغة مانح وممنوح. تتراوح نسبة الجمعيات الخيرية بين 34• من مجمل المنظمات الأهلية في مصر وتصل في سوريا إلى نسبة 80•، في حين تصل في الخليج العربي إلى 90•. تتراوح بقية النسب في باقي الدول العربية بين هاتين النسبتين، إلا أنها وبالمتوسط العام، الشكل الأساسي لعمل المنظمات الأهلية العربية.

ـ ثانياً: منظمات الخدمة والرعاية الاجتماعية: وهي منظمات أهلية تنشط في مجالات اجتماعية عديدة وتقدم خدمات صحية وخدمات اقتصادية واجتماعية متنوعة للأطفال والمرأة والمسنين والأسرة وغيرها.

ـ ثالثاً: منظمات التنمية: هو نوع جديد من منظمات العمل الأهلي بدأ يتنامى تدريجياً في المجتمعات العربية. يهدف هذا النمط من الجمعيات الأهلية إلى تحقيق التنمية في إطار مجتمع محلي محدد.

ـ رابعاً: منظمات دفاعية: أي منظمات التأثير والرأي (ADVOCACY)، من أمثلتها منظمات حقوق الإنسان والدفاع عن المرأة وحقوقها ومنظمات حقوق المعاقين ومنظمات ظهرت مؤخراً في مصر تعنى بالدفاع عن حقوق الأطفال الذين ليس لهم مأوى، إضافة إلى منظمات الدفاع عن البيئة.

ـ خامساً: منظمات ثقافية متنوعة: كالجمعيات الأدبية واتحادات الكتاب والفنانين وجمعيات الشعر والقصة والرواية... الخ، إضافة إلى منظمات تأهيل وتدريب ومحو الأمية للكبار وغيرها.

المشترك بين المنظمات الأهلية السابقة على اختلاف أنواعها ونشاطاتها أنها غير هادفة للربح أولاً، وهي منظمات غير حكومية ثانياً، وثالثاً تقوم بمبادرات أهلية وشعبية طوعية (غير ربحية) لتلبية حاجات أو مطالب اجتماعية والمشاركة في عملية التنمية.

تحديد مفاهيمي ومحاولة تعريف:

يشير مفهوم المنظمات الأهلية غير الحكومية المعروفة بـ (NGOs) إلى جملة المبادرات الاجتماعية الطوعية التي تنشط في مجالات مختلفة مثل الخدمات الاجتماعية والمساعدات الخيرية وخدمات التعليم والصحة والثقافة. إضافة للاهتمام بشؤون البيئة والتنمية والتدريب المهني وتأهيل النساء وتنمية المجتمعات المحلية والدفاع عن حقوق الإنسان والطفل وغيرها.

يتحدد موقع المنظمات الأهلية بين الدولة ومؤسساتها من طرف والقطاع الخاص الهادف إلى الربح من طرف آخر. ويدلل على اشتراك تنظيمات العمل الأهلي مع مؤسسات المجتمع المدني (CIVIL SOCIETY) بمعناه المعاصر في العديد من الأدوار والوظائف المشتركة. فالمجتمع المدني تعريفاً هو “مجموعة المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية التي تعمل باستقلال نسبي عن الدولة لتحقيق أهداف وغايات متنوعة: سياسية واقتصادية واجتماعية. وينطوي على الأحزاب السياسية، والنقابات، والاتحادات والنوادي الثقافية، غرف التجارة والصناعة، التنظيمات الحرفية والمهنية”. والشرط الكافي والأساسي لقيام هذه الروابط بين الأفراد هو ارتكازها على مفهوم “المواطنة” كبديل للانتماءات التقليدية ما قبل المدينة.

أما من الناحية المفاهيمية، فهناك فرق في حالة المجتمع العربي بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني لا يلحظه المصطلح الإنكليزي (CIVIL SOCIETY) لأنه يوّحد بينهما. إذ أن المجتمع الأهلي قائم على الروابط والتنظيمات الإرثية (PRIMORDIAL ORGANIZATIONS) التي ينتمي إليها الفرد عند الميلاد لاعتبارات مسبقة دون أن يكون له في هذا الانتماء المبكّر المعطى أي هامش من حرية الاختيار. في حين يعرّف سعد الدين إبراهيم المجتمع المدني بأنه “مجمل التنظيمات الاجتماعية التطوعية، وغير الإرثية وغير الحكومية، التي ترعى الفرد وتعظّم من قدراته على المشاركة المجزية في الحياة العامة”(3). وهذا ما يؤكده عالم الاجتماع الألماني “تونيس” عندما يميز استناداً إلى هيغل/ Hegl بين مصطلح (BURGARLLEISCHE GESSLSCHAFT) أي المجتمع المدني الذي يشير إلى أشكال التضامن الاجتماعي الطوعية الحديثة والمبنية على الانتماء الحر والمصلحة، وبين مصطلح (BURGARLEISCHE GEMAINSCHAFT) أي المجتمع الأهلي القائم على أشكال التضامن الاجتماعية الموروثة. أما في الثقافة العربية، فإننا نستخدم مصطلحات متجاورة ومتعددة للإشارة إلى المنظمات الأهلية. فعندما نقول “القطاع الثالث” (THIRD SECTOR) فإننا نقصد تمييزه عن القطاع الحكومي من جهة، وعن القطاع الخاص الهادف للربح من جهة ثانية. وعندما نقول (NON GOUVERNE MENTAL ORGANIZATION) نقصد المنظمات الأهلية غير الحكومية التي تشكل مع التنظيمات الخاصة الهادفة للربح ما يسمى المجتمع المدني عموماً(4).

لعل ما يشكّل فارقاً حاسماً بين المنظمات الأهلية وبين بقية منظمات المجتمع المدني هو السمات الخمس التالية: 1 ـ التطوعية، 2 ـ الاستقلالية وخصوصاً عن الدولة، 3 ـ عدم السعي للربح، 4 ـ عدم السعي إلى الخدمة الشخصية للأعضاء، 5 ـ المشاركة في الشأن العام.

إنها منظمات تتكون بناء على اهتمام عام مشترك، أو بهدف العمل في مجال محدد، ولأغراض تحقيق منافع جماعية (collective Benefits)، أو مساعدة الأفراد والأسر المعوزة وغير القادرة، أو بهدف الدفاع عن قضايا مثل حقوق الإنسان والمرأة والطفولة وغيرها.

تبين المقارنة بين مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية كفاءة الأولى ونجاحها لأسباب عديدة منها:

أ ـ قدرتها على اجتذاب المتطوعين والمنح والهبات المالية، مما يساهم في خفض التكاليف، وذلك بعكس المؤسسات الحكومية.

ب ـ تستطيع مؤسسات المجتمع المدني امتلاك معلومات أفضل بشأن احتياجات المجتمعات المحلية ومعرفة أفضل السبل لتلبيتها، إضافة إلى تحديد الفئات الاجتماعية التي تستحقها. ذلك على خلاف الأجهزة البيروقراطية الضخمة والبعيدة عن معايشة الوقائع وتلمس المستجدات.

غير أن نجاعة كل من القطاعات الثلاثة الحكومي والأهلي والخاص مرهونة بقدراتها على التنسيق والتكامل والحوار فيما بينها لتذليل أية صعوبات يمكن أن تظهر خلال المسيرة التنموية للمجتمع. وحتى في حالات وجود تناقضات أو صراعات قائمة أو محتملةـ وهذا طبيعيـ فإن طرق إدارة الصراع وكيفيات حل التناقض التي تجري في ظل سيادة القانون، هي الضمانة الفعلية لعدم تحول الصراعات إلى قوى سلبية أو هدامة، أو حتى لتخفيها تحت السطح بانتظار أية فرصة للظهور. بصيغة أخرى، لا بد من التعرف الفعلي على طبيعة المشكلات القائمة بين القطاعات الثلاثة السابقة والعمل على معالجتها بشكل جذري يطال أسبابها العميقة، بدلاً من الاكتفاء بتسويتها بشكل مؤقت وعابر. وهذا يضمن ديمومة التنمية ويجنب المجتمع الصراعات العقيمة وغير المثمرة تاريخياً كالصراعات القبلية والمذهبية والعشائرية والإثنية.

الجمعيات الأهلية في سورية ـ دراسة حالة:

للجمعيات والمنظمات الأهلية في سورية تاريخ مديد فأول جمعية تأسست في دمشق تعود إلى عام 1880، وهي جمعية ميتم قريش الخيرية. أي إلى مرحلة ما قبل الاستقلال بفترة طويلة، حيث بدأت الجمعيات على شكل نشاطات أهلية يقوم بها الناس بدافع ذاتي وعلى أساس الشعور بالواجب وعمل الخير.

مع الاستقلال، تطور عمل المنظمات والهيئات الأهلية تبعاً للتغيرات السياسية والاقتصادية، حيث ظهرت تيارات واتجاهات تنادي بالإصلاح الاجتماعي ووضع أنظمة التكافل الاجتماعي والخدمة الاجتماعية. وبعد أن وضعت دراسات عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في سورية سنة 1957 بمساعدة فنية من مكتب العمل الدولي، صدر قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959. ثم تتالت القرارات والمراسيم التي تنظم مواضيع التأمين الصحي وتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة وقواعد إنشاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية. بناء على تلك الأنظمة تم تأسيس العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي قام بها الأهالي وازداد عددها وتعددت أدوارها ووظائفها.

أما المرحلة الأخيرة لتطور الجمعيات الأهلية، فهي مرحلة الإشراف، حيث كلّفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالإشراف على مختلف نشاطات وأعمال الجمعيات والمؤسسات الخيرية وتقديم الدعم المالي والتوجيه لها. وفي عام 1974 تحددت أنظمة الجمعيات ضمن إطار عام يشمل ثلاثة عشر بنداً يتوجب على الجمعيات الأهلية العمل بموجبه.

باعتبار أن الجمعيات في سوريا تتصف بطابع رسمي أو شبه رسمي، فإن العودة إلى الإحصاءات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تبين أن عدد الجمعيات بلغ 4089 جمعية سنة 1994. غير أن هذا الرقم يضم كافة الجمعيات والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والأهلية. في حين بلغ عدد الجمعيات الأهلية بالمعنى الحصري والتي تملك استقلالاً نسبياً عن الدولة 625 جمعية سنة 1998. تنقسم الجمعيات حسب نوع النشاط والأهداف إلى خمس مجموعات:

ـ أولاً: مجموعات الجمعيات الخيرية ويبلغ عددها 240 جمعية، تضم جمعيات المساعدة الخيرية والجمعيات التعليمية الخيرية.

ـ ثانياً: مجموعة الجمعيات الثقافية ويبلغ عددها 127 جمعية، تضم الجمعيات الفنية والأدبية والجمعيات العلمية.

ـ ثالثاً: مجموعات الجمعيات والروابط والاتحادات الاجتماعية والنوادي ويبلغ عددها 203 جمعية وتضم: جمعيات كفالة الأيتام، جمعيات حضانة أطفال الموظفات، جمعيات رعاية المسنين، جمعيات رعاية المعوقين جسدياً والمكفوفين والمتخلفين عقلياً والصم والبكم والنوادي الريفية ورعاية الأطفال.

ـ رابعاً: مجموعة الجمعيات الصحية ويبلغ عددها 26 جمعية.

ـ خامساً: مجموعة الجمعيات التعاونية التي تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ويبلغ عددها 29 جمعية.

لعل هيئات الرعاية الاجتماعية هي من أكثر المنظمات الأهلية إسهاماُ في عملية التنمية البشرية نظراً لما تقدمه في حالة سورية من تأهيل وتدريب وخدمات لفئتي الأطفال والنساء. وكما تبين المعطيات، فإن المتوسط الشهري لعدد المستفيدين من خدماتها خلال السنوات 1990 ـ 1998 يصل إلى 5400 شخص شهرياً، رغم أن نسبة هذه المنظمات لا تتجاوز 18• من إجمالي عدد المنظمات الأهلية في سوريا.

لكن هذه المساهمة الإيجابية هي أحد وجوه العمل الأهلي في سوريا الذي يعاني جملة من المشكلات التنظيمية والقانونية، كما يشكو من قلة المشاركة وانخفاض عدد المتطوعين وخصوصاً بين فئات الشباب. وهذا ما دفع عددا من أعضاء مجلس الشعب (البرلمان) السوري للمطالبة بإعادة النظر في قوانين تشكيل هذه الجمعيات وتسهيل الترخيص لها بهدف التخفيف من الآثار السلبية الناجمة عن التطورات الاقتصادية وتعميق المشاركة الشعبية في التنمية. هذا إلى جانب الصعوبات المالية التي تواجهها هذه الجمعيات(5) في سياق تزايد الاهتمام بالتنظيمات الأهلية، أقام المركز العربي للدراسات الاستراتيجية في دمشق، وبناءً على توصيات مؤتمر التنظيمات الأهلية العربية في القاهرة، عدداً من الدورات التدريبية بهدف تقوية البناء المؤسسي شارك فيها 17 منظمة من سوريا. تم خلال هذه الدورات تدريب المشاركين على أساليب التخطيط والإدارة والقيادة وإعداد مشروعات للجمعيات الأهلية وتنفيذها وأساليب دعمها لتمكنها من الوصول إلى المجتمع بكل فئاته. استمرت هذه الدورات على ثلاث مراحل بالتعاون بين المركز العربي للدراسات الاستراتيجية ومنظمة الهلال الأحمر ومنظمة الاتحاد النسائي في سوريا ومركز التنظيمات الأهلية في القاهرة.

مع ذلك، تبقى مساهمة التنظيمات الأهلية في سوريا في عملية التنمية البشرية على أهميتها أقل من المأمول وتحتاج إلى مزيد من التنسيق والتعاون بين كافة الجهات المعنية بالشأن التنموي. كما ويحتاج تفعيلها إلى مجموعة إجراءات نعتقد أن أهمها هو:

ـ تحديث القوانين الناظمة للعمل الأهلي بما يتوافق مع المستجدات الاقتصادية والاجتماعية ويكفل للمنظمات الأهلية القائمة على المشاركة والتطوع استقلالاً واسعاً في الإدارة والتنظيم ورسم الاستراتيجيات.

ـ توفير الكفاءات البشرية لهذه المنظمات وتمكينها من تحقيق أهدافها في إطار من الشفافية والوضوح، خصوصاً فيما يتعلق بالموارد والتمويل وتوزيع الخدمات على المستفيدين لتجسيد مشاركتها الفعلية في عملية التنمية.

ـ التخلص من المعوقات والمشكلات التي تواجه عمل التنظيمات الأهلية كما بينت المعطيات الميدانية والتي من أهمها: محاولات البعض تحقيق الاستفادة الشخصية، تفشي ظاهرة الشللية والمحاباة في تنفيذ الأعمال عبر الاستعانة بكوادر غير كفوءة اعتماداً على المعارف الشخصية والقرابة، إضافة إلى ما لمسناه من اعتبار أعمال الجمعيات من الأسرار المغلقة التي يجب عدم مناقشتها مع الغير. علما بأن هذه العقبات تتعارض مع الشروط الدنيا التي يجب توفرها لإنجاح عمل الهيئات والمنظمات الأهلية. هذه الشروط تقوم على: وضوح أهداف وغايات الجمعية، وضع قواعد العمل بناء على التخطيط المدروس، تنظيم نشاط المشاركين بعيداً عن رتابة التنظيم البيروقراطي وتعقّد إجراءاته.

ـ بهذا قد تصبح المنظمات الأهلية شريكاً حقيقياً في عملية التنمية والإصلاح الاقتصادي التي تشهدها سوريا والتي تحتاج إلى جهود ومساهمات كل الفئات والقطاعات المجتمعية صاحبة المصلحة الفعلية في التنمية والتحديث.

ظاهرة الجمعيات والمنتديات غير المرخصة:

رغم أن الجمعيات والمنتديات الأهلية في سوريا تتصف بطابع رسمي أو شبه رسمي، إلا أن إيقاف الترخيص لمثل هذه الجمعيات منذ حوالي عشرين عاماً بسبب القوانين العتيقة التي تقادمت ولم تعد تلبي حاجات التطور الاجتماعي، وجراء النظر إلى هذه الجمعيات بوصفها قد تساعد على القيام بنشاطات سياسية معينة، أديا إلى بروز عدد كبير من الأندية والملتقيات والهيئات غير المرخص لها التي انتشرت حتى أواخر العام 1999، على نطاق واسع في دمشق وبقية المدن السورية الكبرى. وهي ذات اهتمامات متعددة: ثقافية وفنية وأدبية ونسوية وشبابية وخيرية وغيرها. من هذه الجمعيات جمعية الدكتور إحسان عمر سنقر الخيرية لمساعدة المحتاجين والفقراء، جمعية مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو، جمعية دار الأيتام التي أسستها أسرة الشلاح وعلى رأسها بدر الدين الشلاح. ذلك إضافة إلى جمعيات نسائية كجمعية المرأة العربية الخيرية التي أسستها السيدة لبيبة حسني في المنطقة الشرقية، إلى جانب جمعية رفع المستوى الصحي في محافظة حلب التي اشتهرت في تشرين الثاني من عام 1996.

لكن الظاهرة الجديدة نوعياً والتي تشهد على الحراك الاجتماعي والثقافي النشط في سوريا، فهي ظاهرة انتشار عشرات المنتديات الأدبية والثقافية التي تضم الشباب والمثقفين والنساء، إلى جانب المنتديات الفكرية والسياسية وبيانات المثقفين.

بغض النظر عن النتائج التي أسفرت عنها هذه الموجة من النشاط الاجتماعي والسياسي والفكري وظهور نبرة متشنجة في بعض الكتابات والردود، فإن التحليل المتأني لهذه الظاهرة يفصح عن مجموعة من الدلالات التي يصعب تجاهلها:

ـ أولى تلك الدلالات تتمثل في ضرورة توسيع هامش الحراك والتعبير الديمقراطي لأعداد متزايدة من الناس تدرك أهمية مشاركتها في مناقشة القضايا والمواضيع التي تتصل بالشأن السوري من مختلف جوانبه وتحاول أن تفعّل مساهمتها في الشأن العام.

ـ أما الدلالة الثانية فهي المتصلة بالتوجهات الجديدة للقيادة السورية برئاسة الدكتور بشار الأسد التي طرحت تصوراتها فيما يخص الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد وتحسين الأداء الحكومي. وهو ما شكّل مظلة رأى فيها أنصار الإصلاح والتجديد مناسبة لقول هواجسهم بصوت عالٍ على صفحات المجلات والصحف العربية والمحلية.

أهم هذه الهواجس: المطالبة بتجديد القوانين وإلغاء الأحكام العرفية وإعادة النظر في مؤسستي القضاء والتعليم، إلى جانب الإجراءات والمراسيم الاقتصادية المتتالية المتعلقة بالبنوك الخاصة والجامعات والإدارة بالأهداف لإصلاح القطاع العام وتشجيع الاستثمار. لكن يبدو أن الخلاف لا يدور على الإصلاح الاقتصادي، إذ من الواضح أنه أصبح قاسماً مشتركاً للحكومة وبقية القوى الاجتماعية، بل هو يتركز حول إمكانية إنجاز إصلاح اقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي أو قبله بفترة طويلة. لكن المؤشرات المتوفرة تشير إلى تحضير ودراسة مجموعة من القوانين المتصلة بتوسيع المشاركة السياسية عبر قانون جديد للأحزاب والمطبوعات يضمن الحق بإصدار الصحف الخاصة.

بغض النظر عن التفاؤل والتشاؤم، يبدو واضحاً أن سورية اليوم تمر بمرحلة انتقالية مفتوحة على ممكنات عديدة، تحددها القوى الاجتماعية وتحالفاتها ومدى نضجها على أرضية تقوية دولة المؤسسات والقانون من طرف، والعمل على احترام الرأي الآخر وحق جميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم في رسم مستقبل سورية بعيداً عن العنف والعنف المضاد. كذلك بعيداً عن الاستبعاد والتهميش واحتكار القول بالشأن العام بوصفه المدخل لتنظيم الصراع الاجتماعي بالسبل السلمية وعلى قاعدة المواطنة التي لا تعني شيئاً إن لم تتسع لمشاركة وأفكار كل الفاعلين الاجتماعيين. فالمصير المشترك يعني المسؤولية المشتركة أيضاً. والضمانة الأهم هي تطوير القوانين واحترامها بما يتناسب مع حاجات مجتمع ديناميكي يتطلع إلى صياغة الغد والتواجد في العالم المعاصر بطاقات واستعدادات مختلف أبناءه.

خاتمة:

لقد اصبح واضحا اليوم لجميع المهتمين بالقطاع الأهلي في سوريا أن الإبقاء على الدور الخيري القديم للجمعيات واعتبارها مجرد وسيط بين المانح والممنوح، عبر تنظيمهما لأدوار العمل الخيري والاكتفاء بتقديم المساعدات إلى المحتاجين، لم يعد يلبي الحاجات الاجتماعية المتجددة. ومع احترامنا للجهد الذي بذلته هذه الجمعيات تاريخيا في تقديم الخدمات الصحية والمعونات المالية للأســر الفقيرة، إلا أن الدور المطلوب منها اليوم يتجاوز توزيع المساعدات وأموال الزكاة والتبرعات على المحتاجين والفقراء.

فالإسهام في معالجة مشكلة الفقر أو البطالة أو الأمية مثلا يتطلب اليوم الارتقاء بعمل الجمعيات لتصبح قادرة على المساهمة الفعالة في عملية التنمية وتشارك في معالجة مشكلات البطالة أو الفقر عبر توفير فرص عمل جديدة مثلاً، أو إتاحة الفرصة لذوي الدخل المنخفض لزيادة إنتاجيتهم. باختصار، إن الأهم هو الانتقال من الأدوار العلاجية للنتائج السلبية الناجمة عن سوء توزيع الدخل، إلى المساهمة في رسم وتنفيذ سياسات وقائية تعيد النظر في آليات وأساليب توزيع الدخل ضمن المجتمع.

كي تتمكن الجمعيات والمنظمات الأهلية المختلفة من تأدية دورها التنموي، سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو تثقيفيا، فإنها تحتاج إلى تحديث القوانين الناظمة لعملها، سواء لجهة علاقتها بالدولة أو لجهة علاقتها بالفئات المستفيدة. وهو ما يتطلب أنظمة وقوانين جديدة تتصل بتنظيم مجالس إدارتها وتحديد الجهات المشرفة على عملها ومصادر تمويلها بما يتناسب مع مهامها الجديدة.

بهذا يمكن للمنظمات الأهلية في سورية والعالم العربي إن تتحول إلى قطاع ثالث وشريك فعلي إلى جانب الدولة والقطاع الخاص في عملية التنمية والتحديث التي تشهدها هذه البلدان. أما الإبقاء على أوضاعها الحالية فهو تجاهل للإمكانات التي تنطوي عليها وهدر لطاقات العديد من الفئات الاجتماعية والتي يصعب الحديث عن تنمية حقيقية دون مشاركتها.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ محمود عبد الفضيل: الخصخصة ومتطلبات التنمية والتوزيع والعدالة الاجتماعية في الوطن العربي، تعقيب على ورقة ياسين سعيد نعمان، المؤتمر السنوي الرابع للمركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2000، ص7.

2 ـ نبيل سكر: الإصلاح الاقتصادي في سورية، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادي الثالثة عشرة التي تقيمها جمعية العلوم الاقتصادية بسورية، دمشق، آذار/ مارس، 2000.

3 ـ سعد الدين إبراهيم (مشرف): دور المؤسسات المهنية والأندية الفكرية في دعم ثقافة المجتمع المدني، حلقات نقاشية، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، القاهرة، 1998، ص16.

4 - BABLO, NOBERTO; GRAMCI AND THE CONCEPT OF CIVIL SOCIETY, IN JOHN CIVIL SOCIETY AND THE STAT LONDON, 1988, P.80.

          وانظر أيضاً:

          هيغل: مبادىء فلسفة الحق، ترجمة تيسير شيخ الأرض، وزارة الثقافة، دمشق، 1974، ص222.1

5 ـ الشرق الأوسط: الجمعيات الأهلية في العالم العربي، العدد 6815، تاريخ 31/8/1997. والجمعيات والهيئات التطوعية في سوريا، محمد سعيد الحلبي، دراسة غير منشورة، 1995.

مراجع عامة:

ـ العمل الأهلي في مصر، سعد الدين إبراهيم، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1998.

ـ الجمعيات الأهلية وأزمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر: إبراهيم محرم وآخرون، تحرير عبد الغفار شكر، دار الأمين، القاهرة، 1998.

ـ محمد حسين باقر: قياس الفقر في دول الاسكوا، نيويورك 1995.

ـ أماني قنديل: المجتمع المدني في العالم العربي، دراسة للجمعيات الأهلية العربية، سيفيكوس، القاهرة، 1994.

ـ كريم أبو حلاوة: إشكالية مفهوم المجتمع المدني، النشأة ـ التطور ـ التجليات، دار الأهالي، دمشق، 1998.

ـ المجتمع المدني ودوره في تطوير الديمقراطية، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992.

ـ المجتمع المدني في الإمارات العربية المتحدة: عبد الخالق عبد الله وآخرون، جمعية الاجتماعيين، الشارقة، 1995.

ـ تقرير التنمية البشرية لعام 1997، منشورات الأمم المتحدة، نيويورك، 1997.

المراجع الأجنبية:

- RICHARD T. INGRAM: TWN BASIC RESPONSIBILITES OF NON PROFIT BOARDS, NCNB. GOVERNANCE SERIES - 1 - WASHINGTON, 1998,

- SELDGMAM, ADAM: THE IDEA OF CIVIL SOCIETY, FREE PRESS, NEWYORK, 1992.

الفصل السابع

الحركة السورية لحقوق الإنسان

هيثم مناع(*)

لمحة تاريخية:

حصلت منذ بداية القرن محاولات فردية للعديد من الأدباء والمفكرين السوريين واللبنانيين للتعريف والإشادة بحقوق الإنسان مثل ترجمة (في 1901 و1908) إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية، وترجمة إعلان الاستقلال الأمريكي عقب دستور 1908 في تركيا وصدور كتاب “حقوق الإنسان وتركيا الجديدة” (1910)، ومع صعود التيار المؤيد للحركة الدستورية في إيران (1906) وتركيا (1908) وما عرف بالنهضة اليابانية (1904 ـ 1905).

بعد هذه التراكمات الأولية، أخذت فكرة الحقوق والحريات حيزا في الخطاب الثقافي والسياسي. فصدر أكثر من دراسة نقدية للاستبداد الحميدي والاستبداد بشكل عام، مثل كتاب “طبائع الاستبداد” للمحامي الحلبي عبد الرحمن الكواكبي الذي اغتيل في مصر عام 1902، كذلك التعريف بما كان يسمى بالتمدن الغربي وشجب محاكم التفتيش في أوربة. كل هذه المخاضات مهدت الطريق للتحرك من أجل الدفاع عن الجماعات المستضعفة عبر الصحف المدافعة عن حقوق المرأة، ولنمو فكرة الجمعيات الأهلية وتجاوز هذه الأخيرة لفكرة العمل الخيري والثقافي العام وخوضها مباشرة أو بشكل غير مباشر في حقوق الأفراد والحريات العامة.

صدر القانون العثماني المتعلق بالجمعيات عام 1909 في بحر الحركة الإصلاحية، كذلك حدث تنظيم للعمل النقابي وفق المهن الجديدة التي دخلت سوق العمل مع ولوج الرأسمالية الغربية المشرق العربي، والتي وافقت السلطات العثمانية على تنظيمها وفق أسس حديثة عام 1912. ثم صدرت توابع محلية له في سورية عام 1918 توجت نضالات استمرت لعقدين من الزمن. لكن مأساة إعدام شهداء أيار (مايو) 1916 من قبل الخلافة العثمانية المحتضرة شكلت ضربة كبيرة لهذا الاتجاه الاجتماعي الديمقراطي.

نجد دفاعا عن هذه الحقوق أيضا في العشرينات والثلاثينات في أوساط المحامين والمثقفين الوطنيين وبعض الأقلام الشيوعية، وفي مقالات العديد من الصحفيين من بلاد الشام وفي المنفى. وفيهما كانت ولادة نقابتي الأطباء والمحامين في أواخر العشرينات ثم بداية الثلاثينات على التوالي. عام 1933 شهد ولادة الاتحاد النسائي العربي في دمشق، ثم عام 1937 (15 أيار/مايو) ولادة رابطة مناهضة الفاشية وكذلك صدور كتاب “حقوق الإنسان: من أين وإلى أين؟”(1) للمثقف العربي رئيف خوري (عن مطبعة ابن زيدون في دمشق). ومع تصاعد النشاط المناهض للفاشية والنازية والمطالبة بالاستقلال عن فرنسا، تشكلت رابطة مناهضة الفاشية والنازية في 1941 وبعدها بعام رابطة الطلبة العرب، حيث كانت كلتاهما تعّرف بجرائم الفاشية وتطالب بالديمقراطية. كما وتعزز نشاط المحامين السوريين بتشكل اتحاد المحامين العرب في دمشق عام 1944.

جاءت النكبة في فلسطين 1948 لتضرب في الصميم الاتجاه الديمقراطي والحقوقي وتعزز في الاتجاهات الوطنية والقومية نهجا تسلطيا لا يعير الديمقراطية كثير اهتمام، حيث أن حق المواطن قد ضاع مع هاجس ضياع الوطن. ورغم إصرار التوجه الليبرالي في المدن على النظام البرلماني التعددي وعلى تجربة 1954 ـ 1958 التعددية، فما كان لدخول الريف الحياة السياسية والجيش سوى أن يهّزل ويضعف التوجه الديمقراطي ويحصر الفكر القومي في سقف فكرة الحزب الواحد المكون من فوق (عبد الناصر) أو من تحت (حزب البعث).

جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان:

(1)

في 1962، وإثر انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة، تشكل في دمشق رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان. جمعية غير حكومية مرخص لها عملا بأحكام المادة (9) من قرار رئيس الجمهورية رقم 1330 لسنة 1958 المتضمن اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة، وهي تعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرجعها الأساسي. ترأسها في ذاك الحين أستاذ الحقوق موفق الدين الكزبري (توفي عام 1999) حيث ضمت نخبة من المحامين والمثقفين. لعبت الرابطة دورا هاما في تبني الجمهورية العربية السورية للعهدين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لم يكن ذلك بالوسائل الدعاوية بقدر ما كان ذلك عبر الاتصالات والعلاقات الشخصية لبعض رموزها بالرئيس الراحل نور الدين الأتاسي ومحيطه. لكن منذ عام 1963 وإعلان حالة الطوارئ، لم يعد بإمكان الرابطة استخدام مقرها بشكل صريح، فاحتضنتها نقابة المحامين في دمشق. في نفس فترة تأسيسها، تشكل في حلب رابطة لحقوق الإنسان، لم تلبث أن توقفت عن النشاط مع إعلان حالة الطوارئ في 8 آذار (مارس) 1963.

منذ نشأة الرابطة، كان النقاش قائما حول برنامجها والصلة بين حقوق الإنسان كما يطرحها الإعلان العالمي وحقوق الإنسان بعلاقتها مع حقوق الشعوب كما طرحها المثقفون اليساريون. تراجعت أهمية هذا الموضوع مع صدور العهدين في 1966 واعترافهما بحق تقرير المصير والعديد من الحقوق الجماعية. وكان من المتفق عليه عند كل أعضاء الرابطة أن الوجود الصهيوني عدواني ومخالف للمبادئ والشرائع الإنسانية الكبرى.

استحوذت شرعية إعلان حالة الطوارئ على اهتمام الرابطة، لكن المد القومي العام وغياب الهم الديمقراطي عن برنامج معظم الأحزاب السياسية قد أثر على “قبول” الرابطة بسياسة الأمر الواقع والدفاع عن ضحايا الاعتقال التعسفي واستقلال القضاء والمحاماة في بيئة سياسية لم تعر الرابطة اهتماما يذكر. فالحزب الشيوعي كان يتخبط في خضم أزمة شقته إلى حزبين، وحركة القوميين العرب تسير نحو فهم لينيني للسياسة والحكم، وحركة الأخوان المسلمين تتبنى أكثر فأكثر نهج سيد قطب مع رفض مبدأ التعددية السياسية، إلى جانب تلقى كل من الحزب الوطني وحزب الشعب ضربة قاضية. أما البعث، وبعد ضربه للضباط الناصريين في صيف 1963، نصّب نفسه حزبا قائدا للثورة والبلاد.

بدأت نويات الخطاب الديمقراطي بالتواجد من جديد مع تفاقم غياب الحريات وتصاعد القمع وتأميم العمل السياسي والأهلي من قبل السلطة التنفيذية. وقد وجهت أولى الضربات للسلطة القضائية التي جرى تهميش دورها عبر زيادة المحاكم الاستثنائية وهيمنة القوانين والمراسيم العرفية والاستثنائية على كل ما هو دستوري. تميزت فترة الجنرال الأسد منذ 1970 بتشخيص السلطة وتركيز السلطات في يده ورسم مؤسسات الدولة على صورته، وإطلاق ذات اليد للأجهزة الأمنية والوحدات العسكرية الخاصة في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وإضافة لإستشراسه بحق الجمعيات الأهلية، أدخل في صلب الدستور الطبيعة الإيديولوجية لكل تنظيم اجتماعي أو نقابي. فعندما أجاز الدستور السوري الحق في تشكيل التنظيمات الجماهيرية في المادة 48 الناصة على: “للقطاعات الجماهيرية حق إقامة تنظيمات نقابية أو اجتماعية أو مهنية أو جمعيات تعاونية للإنتاج أو الخدمات وتحدد القوانين إطار التنظيمات وعلاقاتها وحدود عملها”، عاد وربط في المادة 49 نشاط هذه التنظيمات بأهداف وتوجهات الحزب الحاكم كما يلي: “تشارك التنظيمات الجماهيرية مشاركة فعالة في مختلف القطاعات والمجالس المحددة بالقوانين في تحقيق الأمور التالية:

1 ـ بناء المجتمع العربي الاشتراكي وحماية نظامه،

2 ـ تخطيط وقيادة الاقتصاد الاشتراكي،

3 ـ تطوير شروط العمل والوقاية والصحة والثقافة وجميع الأمور الأخرى المرتبطة بحياة أفرادها،

4 ـ تحقيق التقدم العلمي والتقني وتطوير أساليب الإنتاج،

5 ـ الرقابة الشعبية على أجهزة الحكم”.

لإعطاء فكرة عن التطبيق البعثي لهذا التوجه، نأخذ مثلا على ذلك القانون المنظم لمهنة الهندسة. ففي المادة الثالثة من الفصل الأول الباب الأول نجد: “نقابة المهندسين تنظيم مهني اجتماعي مؤمن بأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية، ملتزم بالعمل داخل الجمهورية العربية السورية وخارجها بالتنسيق مع المكتب المختص في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي”. كما ونجد في البند 13 من المادة الرابعة في الفصل نفسه فقرة حول: “إقامة المؤتمرات والندوات والمحاضرات الهندسية والعلمية داخل الجمهورية العربية السورية وخارجها بالتنسيق مع المكتب المختص في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي”(2).

نتيجة لهذا الضغط الاجتماعي والسياسي، كان رد الفعل المجتمعي ثنائي التعبير:

ـ حركة عنفية تقودها الطليعة المقاتلة لحركة الإخوان المسلمين،

ـ حركة مدنية تقودها النقابات المهنية وتدعمها التعبيرات الوطنية الديمقراطية في البلاد تطالب برفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين والتعددية السياسية وفصل السلطات والإصلاح الدستوري.

قررت الرابطة السورية خوض معركة الإصلاح السياسي وطالبت مع نقابات المحامين والمهندسين والأطباء والصيادلة بتنظيم إضراب من يوم واحد في 31 آذار (مارس) 1980. نجح الإضراب إلا أن السلطة شنت إثره حملة إعتقالات واسعة شملت قرابة ألف نقابي إضافة لقيادة الرابطة السورية لحقوق الإنسان، كما وحّلت كل مجالس النقابات المنتخبة(3). ثم وضعت السلطة حدا لنشاط الرابطة السورية لحقوق الإنسان بحظر نشاطها واعتقال قيادتها ورئيسها واضطر عدد من كوادرها إلى مغادرة البلاد. وفي منتصف عام 1981، صدر القانون 26 تاريخ 13/7/1981 لتنظيم مهنة الهندسة والقانون رقم 39 بتاريخ 21/8/1981 لتنظيم مهنة المحاماة، والقانون رقم 31 تاريخ 16/8/1981 لتنظيم مهنة الطب البشري الخ.

في هذه الفترة نشطت عدة تجمعات في الخارج للدفاع عن المعتقلين السياسيين وضحايا العسف في سورية. ولقد كان للكوادر السورية دورا كبيرا في ولادة لجنة الدفاع عن موفق الدين الكزبري والمحامين المعتقلين (1982) وجمعية حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية في الوطن العربي (1983) والجمعية العربية لحقوق الإنسان في باريس ومجموعة “أفراد أحرار للدفاع عن الإنسان” (1985)، إضافة لتجارب أخرى في جنيف وبغداد وباريس.

(2)

وفي ديسمبر 1989 أعلن في دمشق، وبشكل سري، عن ولادة لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان. منذ أول بيان لها، كان من الواضح أن اختيار الاسم جرى على أساس أن للمنظمة شطر سياسي غير حزبي هو الدفاع عن الحريات الديمقراطية، وشطر حقوقي بالمعنى العام لاهتمامات منظمة العفو الدولية وقتئذ. لقد بدا من مجلة “صوت الديمقراطية” أن التجربة غضة ولا تتمتع بثقافة وخبرة حقوق إنسانية متقدمة. ولعل غياب التواصل الإنساني والثقافي في ظل السلطة التسلطية ما يفسر هذا النقص، حيث التواصل لم يتعد في البدء التجربة الفلسطينية في المنفى. انحصرت النشأة بمجموعتين صداقيتين إحداهما من اللاذقية والثانية من جرمانا(4). وحرصت المجموعة على اعتبار ما أسمته بالدستور الوطني أحد مراجعها الأساسية رغم انتقادات معظم أعضائها لهذا الدستور.

ولا بد من التوقف عند ظروف النشأة داخل البلاد وعلاقتها بهذا الخطاب الذي، من جهة يحاول إعطاء صورة عن احترام الوضع الدستوري، ومن جهة ثانية يحمل شحنة سياسية لا تقل عن أطروحات أحزاب المعارضة العلمانية. فقد ولدت اللجان بعد عامين من حملة الاعتقالات الكبيرة في 1987 التي استهدفت بشكل أساسي حزب العمل الشيوعي وشملت عددا هاما ممن بقي خارج السجن من كوادر الحزب الشيوعيـالمكتب السياسي وعددا هاما أيضا من المعارضة البعثية وأقل من الناصريين. فإذا ما أخذنا بالحسبان وجود قرابة خمسة آلاف معتقل فلسطيني في الحقبة نفسها وآلاف المعتقلين من حركة الإخوان المسلمين، يمكن تقدير مدى الصفعة التي تلقاها المجتمع السياسي في سورية والحاجة الماسة إلى تعبيرات أهلية تذكّر بحقوق الأفراد وأوليات التقدم في أي مجتمع من مثل حق التعبير والتنظم والتواصل المجتمعي المستقل عن قنوات السلطة الحاكمة.

لقد شلت هذه الحملة النشاط السياسي وغيبت مشاريع التغيير وأصبح المطلوب إنقاذ ما تبقى إنقاذه. ورغم العواصف التي هزت العالم وغيرت خارطته السياسية، استطاعت أجهزة الأمن من شل النخبة السياسية السورية، بل حتى تغييبها عن حقها الأولي في مناقشة ما يحدث من حولها. في هذه الظروف التي ترافقت بفك الأسد لعزلته السياسية الدولية نتيجة موقفه في حرب الخليج، كان لا بد من فتح ملف القمع السياسي بالمعنى المباشر للكلمة كممهد أساسي لملف الإصلاح السياسي. وقد عمدت لذلك منذ 1990 وحتى 1995 وركزت في كتاباتي ونضالاتي على تشريح العسف السياسي بمظاهره الرئيسية: الاعتقال التعسفي، التعذيب، الاختفاء القسري أو اللاإرادي، إلغاء أي وجود شرعي للتعبيرات المستقلة أو المناهضة للسلطة مهما كان حجم استقلالها وأسلوب نضالها، نتائج حالة الطوارئ المزمنة الاجتماعية والسياسية والثقافية وشل السلطة القضائية. نال هذا التوجه انتساب أغلبية هامة في الأوساط السورية لحقوق الإنسان ما خلا قلة تطالب بخطاب أقل حدة ونشاط أخف، بينما الأخرى على العكس من ذلك تعتبر من الضروري تعزيز الخطاب الحقوقي بخطاب سياسي للتغيير في رابطة جامعة.

نجح التوجه الذي اخترناه في فتح جملة الملفات الرئيسية للعسف السياسي في سورية على الصعيد العالمي وتمهيد الطريق لفتح ملف الإصلاح السياسي. فقد كان التقييم المشترك في منظمة الخارج منذ 1995 هو أن سورية تعيش نهاية حقبة وأن سلطة حافظ الأسد لم تعد مستقبلية إلا بالمعنى الأمني للكلمة(5). ويمكن القول أن هذا الطرح كان مشتركا أيضا مع عدد كبير من زملاء المنظمة داخل سورية حتى تاريخ الإفراج عن المحامي أكثم نعيسة في 1998 وطرحه فكرة الحوار مع السلطة الأمنية من أجل الشرعية. هذا التوجه، ومهما كانت حصته من البراغماتية، فإن الطريقة التي تمت بها مباشرته، إلى جانب غياب أي نقاش في اللجان حوله، ما كان من شأنه سوى أن يضع العديد من رموز المنظمة الرئيسيين، والذين كانوا من دعائم استمرار اللجان ووجودها عربيا وعالميا خلال ست سنوات، خارج قوس في مسألة بهذا الحجم والأهمية.

عوامل خارجية أيضاً، منها الأزمة مع الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان عقب مؤتمرها في داكار، عقّدت الأمور وأدت إلى تمزيق وحدة المنظمة وحرمانها من أن تكون منظمة كبيرة تعددية أساسية. إلى أن تشكلت في أغسطس 2000، تحت اسم “لجان الدفاع عن حقوق الإنسان”، هيكلية جديدة ضمت جزءا من المجموعة القديمة وعناصر جديدة ما لبث عدد منهم أن تقدم بعد وقت وجيز باستقالته منها.

كان توجه الخارجين من اللجان الربط بين الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان باعتبار أن هذه هي الضريبة التي دفعها نشطاء حقوق الإنسان في كل البلدان التسلطية. حيث لا يمكن المساواة بين القامع والمقموع أو بين دعاة الحرية والمستبدين، كما وأنه ليس هناك من حياد في قضايا الحريات. فالمجتمع السوري بحاجة لرصف طريق الديمقراطية عبر النضال والثقافة، وللقيام بهذه المهمة الحوار الأساسي والجوهري يكون مع المجتمع.

في هذه الأثناء كان يتعزز مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية بعدة رموز هامة ومتعددة المشارب للحركة السورية، مستقطبا حول مجلته الفكرية “مقاربات” أهم الاتجاهات السياسية والحقوقية. كما وازداد نشاط اللجنة السورية لحقوق الإنسان (لندن)، وبدأ التحضير لجمعية سورية لحقوق الإنسان في دمشق. كذلك، جرت اتصالات مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان واللجنة العربية لحقوق الإنسان وتشكلت جمعية أصدقاء المجتمع المدني في نهاية أغسطس (آب) التي أعطت فيما بعد لجان إحياء المجتمع المدني وبيان الألف. ونشط عدد هام من السوريين المنتمين لتنظيم اللجان السابق في اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية. أما المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان الذي أعلن عن تأسيسه المحامي خليل معتوق فقد أغلق وهو في بدايته وتم استدعاء المحامي المذكور من قبل الأمن والتحقيق معه عدة مرات، كما وأوعزت له الجهات الأمنية هذه، حسب قوله، أن ينضم للجان الدفاع عن حقوق الإنسان. وقد قرر السيد معتوق معاودة النشاط دون ترخيص أثناء إعداد هذه الدراسة. كذلك قرر عدد من قدماء الأعضاء في الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان طلب معاودة النشاط باعتبار قرار توقيف الرابطة في 1980 قراراً مخالفاً للقوانين.

(3)

وفي 2/7/2001 وبعد نقاشات مطولة، أعلن أربعون شخصاً من مختلف المحافظات السورية والحساسيات الاجتماعية والسياسية، إثر اجتماع ضمهم في مدينة دمشق، عن تأسيس “جمعية حقوق الإنسان في سورية”. وقد عقدت الجمعية مؤتمرها الأول في 26 تموز/ يوليو 2001 في مكتب المحامي هيثم المالح بدمشق بحضور قرابة ستين شخصية معروفة منها الدكتور أحمد فايز الفواز والدكتور حسان عباس والمناضل السياسي نهاد نحاس وقد انتخب المؤتمر المحامي هيثم المالح رئيسا والمهندس سليم خير بك نائبا للرئيس وكلاهما من الذين اعتقلوا ضمن الحملة على النقابات الحرة في 1980.. وهي مازالت تحت الترخيص ولم تحصل على إذن رسمي بالعمل شأنها شأن أهم المنتديات والجمعيات المستقلة الناشئة. يتميز التكوين الجديد بعدد هام من المحامين والخبراء في ميادين عدة ومن الشخصيات الاعتبارية وقد استقطبت حساسيات مختلفة وتتمتع بتعددية تمثيلية هامة (نورد بيانهم الصحفي الأول في قسم الوثائق من هذا الكتاب).

استنتاجات أولية:

لقد أثبتت تجربة أوربة الشرقية أن الكوادر البيروقراطية التسلطية ليست جاهلة بقواعد التعددية السياسية، لكنها تحاربها حرصا على امتيازات ومواقع تقوم على المحسوبية لا على الكفاءة، وعلى العصبية لا على الانتخاب الديمقراطي. فأعداء الديمقراطية ليسوا دائماً من يجهل أهميتها، وهم غالباً من يعرف نتائجها على الصعيد الفردي والعصبوي. لكن برأينا أن أية أقلية سياسية أو اجتماعية حاكمة ترفض مبدأ الديمقراطية كونها تعني بكل بساطة إقصاؤها عن الحكم. وهذا هو حال العديد من المنظمات السياسية والجمعيات الأهلية، وليس فقط النظم السياسية. إن غياب الديمقراطية هو أيضا جزء من عقلية تآمرية للقيادة وعقلية تسلطية للحكم على كل مستوى من مستويات تنظيم الجماعة البشرية. هذا الشئ لا يغيب عن الجمعيات الأهلية خاصة منها تلك التي تتذرع بالسرية لضرب أي تقليد ديمقراطي للحوار وتحمل كلمات كبيرة تغطي بها ممارسات صغيرة. تذكرني السرية هنا بتجربة التنظيمات الشيوعية في مصر في الأربعينات التي نجد ادعاءات بضمها لأعداد كبيرة، لكن الأمن وحده كان يعرف أن حجم بعضها لم يتجاوز الثلاثين أو الأربعين شخصاً. لقد كانت تعددية هذه المنظمات الدافع الرئيسي لنشاطها المتميز الذي غالبا ما تجاوز عددها وعدتها(6).

مسألة أخرى هامة أيضاً تتعلق بسقف العمل في الخارج. لا شك بأن العمل السري والعمل في المنفى كلاهما وسائل اضطرارية لا وسائل طبيعية. وإن كان من مبتغى للمدافعين عن حقوق الإنسان فهو إلغاء هذين الشكلين اللذين يشبهان التنفس بواسطة زجاجة الأكسجين التي يحتاج الإنسان لها عندما يعجز عن التنفس بشكل طبيعي وعادي. إنه تعبير عن حالة مرضية يعاني منها المجتمع وإن لم يكن سببها.

لقد ألغت الفضائيات ووسائل التواصل الإلكترونية المسافات والحدود وجعلت من في الخارج يمتلك أحيانا معلومات أسرع وأشمل ممن هو في الداخل. إلا أن التواصل المباشر مع المجتمع والكوادر المهتمة بحقوق الإنسان يجعل باستمرار منظمة الخارج وسيلة ضغط وقوة اقتراح ومبادرة ومخزن ثقافي في خدمة الواقعين تحت وطأة القمع والجوع والجري اليومي لحل أبسط أوليات العيش والبقاء. فإن كان من ميزة لتجارب الخارج، فهي في امتلاكها القدرة على خطوة دائمة إلى الأمام بالنسبة لمن هم في الداخل. بالمقابل، ينتفي مبرر وجودها عندما يتقزّم دورها أو عندما تصبح مكبلا للمبادرات وخطوة محافظة ومحدودة نسبة لما هو داخل البلاد. لكن لم تعرف التجارب العالمية تجربة واحدة كان اللاجئون فيها يقومون بتلميع صورة السلطة السياسية التي نبذتهم ووضعتهم أمام خيار الهجرة والسجن، خاصة إذا ما كانت تتابع النهج نفسه الذي نتعرض له.

تعيش سورية منذ وفاة حافظ الأسد مرحلة جديدة لها عدة سمات منها:

ـ صيرورة الخوف أو القلق ربما لأول مرة منذ مجزرة حماه قاسما مشتركا بين الحاكم والمحكوم.

ـ قناعة الجميع بعدم كفاءة رئيس الجمهورية وغياب الشرعية السياسية في قمة السلطة، حسب مفهوم ابن خلدون وماكس فيبر. وبالتالي، تتناهش الأجهزة التي غذاها الأسد الأب على وراثة التركة، فيما يذكرنا بمثل الشاذلي بن جديد في الجزائر حيث تقوّت المؤسسة العسكرية على حساب غياب شخصية الديكتاتور.

ـ الجرأة على طرح الإشكالات الأساسية والتنظم في أوساط اجتماعية عديدة والبحث عن رموز وأسماء لم تتلوث في حقبة التسلط لإعادة تشكيل نويات المقاومة المدنية.

ـ صيرورة الإصلاح والتغيير السلمي من جديد جزءا أساسيا من الخطاب المجتمعي. الأمر الذي يعطي الراهنية والقوة لدفاعنا عن نهج الإصلاح السياسي والمشاركة النظرية والحقوقية في تصور الدستور البديل والمؤسسات الضرورية للانتقال الديمقراطي، ذلك خارج سقف مؤتمر حزب البعث وخطاب التنصيب وغيره.

هذه العوامل جميعا تجعلنا نؤكد على دور نشطاء حقوق الإنسان في الخروج السلمي من سلطة الأقلية العسكرية الحاكمة إلى دولة قانون جديرة بالكلمة تحترم التزامات سورية الحقوقية الدولية وتعيد الاعتبار للوطن والمواطن بآن واحد.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ أعدنا نشر مقاطع هامة من هذا الكتاب في كتاب: طفولة الشيء، المخاضات الأولى لحقوق الإنسان في العالم العربي، منشورات الجمل، 1999. كما ونشرت وثائق أخرى من المهجر في دراسة: الحرية في الإبداع المهجري، دار الأهالي، 2001.

2 ـ انظر محاضرة المهندس سليم خير بك، النقابات المهنية في سورية، 1/7/2001.

3 ـ أمضت كوادر الرابطة خمسة إلى ستة أعوام في السجن وبقي بعض النقابيين 12 عاما ولم يحل أحد للمحاكمة بأية تهمة.

4 ـ رغم دوري القيادي الأول في لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان من 1990 إلى 1998، العام الذي طالبت فيه بتجميد وضعي، لم أكن على علم شخصياً بهذه المعطيات بسبب “السرية” في التعامل حتى داخل اللجان. لقد كنت مع العلنية منذ اليوم الأول لتأسيس فرع الخارج وأول من يصرح بعضويته. وبرأيي، إن التجربة السياسية الشخصية للمؤسسين وغياب الأسماء المعروفة كانا وراء عدم إعطاء موضوع العلنية الأهمية التي يستحق.

5 ـ عبرت في عدة مداخلات مكتوبة ومحاضرات عن هذا التوجه. منها مداخلتي أمام الأكاديمية القومية للعلوم في واشنطن: سورية: نهاية حقبة (بالإنكليزية)، 1996.

6 ـ منذ مداخلتي في الندوة التي نظمتها اللجان ومنظمة العفو الدولية والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان (1993) والتي أكدت بها على ضرورة التعددية التنظيمية في أوساط حقوق الإنسان. كما وتشكل التعددية الحزبية السياسية واحدة من ضمانات الدينامية في المجتمع. أنظر الجزء الثالث من مطبوعات اللقاء المذكور (بالفرنسية).

          الحقيقة أنه منذ استلام الرسائل التي وصلتنا من السجن، لم يعد عندي أوهام كبيرة حول مستقبل وحجم لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكني بذلت المستطاع لتبقى، رغم التمزق الذي تبع حملة الاعتقالات، منظمة متماسكة وشاملة قدر الإمكان للخريطة الجغرافية والاجتماعية والسياسية السورية وخارج التحلقات والمشاكل الشخصية. كان لهذا التوجه أن يؤخر من ولادة أكثر من مبادرة لوجود علاقة ثقة واحترام بمختلف أوساط حقوق الإنسان بما فيها المقربة من حركة الإخوان المسلمين والتجمع الوطني الديمقراطي. أما السؤال الذي طالما طرحته على نفسي وعلى غيري: هل التجربة التونسية هي الأفضل في العالم العربي أم أن أحادية التنظيم كانت وراء ما حل بها من كوارث دفع ثمنه المجتمع أولا والرابطة ثانيا؟ أليست التعددية في التجربة المغربية ظاهرة صحية؟

 

الفصل الثامن

القضاء في التشريع السوري

هيثم المالح(*)

 

مقدمة:

يمثل القضاء الحصن الأخير لحماية الأمة وضمان حقوق وأمن الأفراد والجماعات في علاقتها ببعضها البعض وفي مواجهتها مع السلطة السياسية. وبقدر ما يكون القضاء سلطة قوية مستقلة راسخة تكون حريات الناس وأموالهم وأرواحهم وأعراضهم مصونة محصنه كريمة.

ولو مررنا من أمام مبنى قصر العدل في دمشق لوجدنا عبارة (العدل أساس الملك) تزين واجهته. هذه العبارة التي لم تكن موجودة سابقا حين كان القضاء مستقلا قويا محصنا.

فالعدل أساس الملك وعماده وهو سبيل الناس إلى السعادة وسبيلهم إلى الأمن وقد أمر الله عز وجل به في محكم التنزيل فقال: ýإن الله يأمر بالعدل والإحسان² النحل 9، ýاعدلوا هو اقرب للتقوى² المائدة 8، ýوإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى² الأنعام 152، ýوقل أمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم². الشورى 15، (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين². الحجرات 9، ýوإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل² النساء 508.

والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) حض على العدل وأنذر من الجور بعذاب شديد ومما قاله: “عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة”.

وفي مأثورة لشيخ الإسلام ابن تيميه يقول: “إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى، إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”.

ونادت بالعدل أيضا الشريعة المسيحية فقد جاء في إحدى رسائل القديس بولص الموجهة إلى روما (إن الله عادل، وكل منا يدان بحسب أعماله، إن الله متناهي العدالة).

في الشرائع القديمة نودي بالعدل. فهذا حمورابي يقول (ناداني الإلهان أل وبال، أنا حمورابي، لكي أقوم بما يعود على خير البشر وأجعل الحق سائدا في هذه البلاد، وأقضي على الشرير والفاسق، وأمنع الظالم من الإضرار بالضعيف). وتوزيع العدل خاص بالله العلي القدير فقد قال في كتابه الكريم ýإن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين² الأنعام 57، ýوالله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب² الرعد 41.

كما أنه خاص بالرسل فقد قال تعالى ýيا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله² ص 36.

استعاد القضاة هذه الصفة الإلهية، صفة توزيع العدل بين الناس فغدو ألسنته التي تنطق بالحق وتقول بسيادة القانون، ويحكمون فتنفذ أحكامهم دون أن يتركوا لأحد بعدهم أي مقال لأنها عنوان الحقيقة والصواب، وهم يعصمون المظلوم ويحمون الضعيف، ويحملون الناس على العيش في حياة لا محل فيها للطغيان أو الاستعلاء أو التعسف.

فهل يمكنهم أن يحققوا كل ذلك، أن يشيعوا الطمأنينة بين الناس في أرواحهم وأموالهم وحرياتهم وشرفهم إذا لم يكن الجهاز الذي يؤلفون جزءا من كيانه سلطة قائمة بذاتها مستقلة عن باقي السلطات، لا مؤسسة أو إدارة كباقي مؤسسات الدولة أو إداراتها؟ أوكان القضاة كسائر موظفي الدولة لا حصانة فعلية لهم تعصمهم من الخضوع إلى أي مؤثر خارجي يحول بينهم وبين العمل في إطار الحق و العدالة؟ حصانة تساعدهم على أن يكون ما يقومون به بمنجاة من الخوف من تعسف أو طغيان أو هوى، فيأتي عملهم محققا للعدل مطبقا لسيادة القانون!!

كلا، لن يتمكن القضاة من تحقيق هذا الأمر ولن تتمكن السلطة القضائية من بلوغ هذا الهدف، إذا لم يعترف بالقضاء سلطة مستقلة تقف على قدم المساواة مع باقي السلطات في الدولة. وإذا لم يعترف للقاضي بحصانة تتيح له أن يقف صامدا أمام التيارات الجارفة كافة، فلا ينجرف معها ولا ينساق. فيبقى عزيزا بعيد المنال أيا كان القرار الذي يصدره ما دام منبعثا من ضميره ووجدانه حتى ذلك الذي يغيظ السلطة الحاكمة.

إذا كان القاضي يملك أغلى ما لدى الإنسان، حريته وحياته وماله وشرفه، فإن عمله يختلف عن عمل أي موظف كان، وبالتالي كان لا بد من الاعتراف بأمرين اثنين:

أولهما: استقلال السلطة القضائية.

ثانيهما: استقلال القضاة في عملهم. إذ ما جدوى استقلال القضاة إذا لم يعترف بالقضاء سلطة ذات كيان مستقل؟ وما جدوى استقلال القضاء دون القضاة إذا أقحمنا عليه أشخاصا غير متخصصين تحت ستار أي باعث كان؟ وما فائدة هذا الاستقلال أيضا إذا اعتدينا على حيدة القضاء وزجينا به في خضم السياسة ومتاهاتها فغدا جزءا من إرادة الحاكم؟

فيما مضى من عجالة بينا مكانة القضاء وضرورته لحياة سليمة قويمة فماذا عن القضاء في سورية؟

سنتناول هنا للقضاء في الدستور السوري وفي التشريعات المطبقة، لنقارن بينها وبين ما كان قائما قبل ذلك.

أ ـ حصانة القاضي في التشريع السوري:

لن نعود إلى العقود البعيدة، ولكن سنتعرض لحصانة القاضي بدءا من عام 1961. فقد صدر في هذا العام المرسوم التشريعي رقم 98 تاريخ 15/11/1961 الذي طرأت عليه عدة تعديلات بعد صدوره. بمقتضى هذا القانون وتعديلاته يراد بالحصانة صيانة القضاة من العزل والنقل.

والعزل: الصرف من الخدمة، والنقل: النقل من بلد لآخر أو من وظيفته المحددة في مرسوم تعيينه إلى وظيفة أخرى (م92).

ويتمتع جميع القضاة من حكم ونيابة بالحصانة من العزل (م 1/92) باستثناء القضاة الذين لم يمض على تعيينهم في القضاء ثلاث سنوات (م 1/93).

بما يخص حصانة النقل، فإن جميع القضاة يتمتعون بها (م92) باستثناء:

ـ قضاة النيابة العامة حيث يتم نقلهم بمرسوم يصدر بناء على اقتراح وزير العدل،

ـ وقضاة الحكم الذين لم يمض على تعيينهم في القضاء ثلاث سنوات،

ـ والقضاة الذين طلبوا النقل خطيا،

ـ والقضاة الذين أمضوا ثلاث سنوات فأكثر في الوظيفة المحددة في مرسوم تعيينهم عندما تقضي الضرورة بنقلهم،

ـ والقضاة الذين ينقلون ترفيعا من فئة إلى فئة أخرى،

ـ والقضاة المحكوم عليهم من قبل مجلس القضاء الأعلى بعقوبة أشد من عقوبة قطع الراتب،

ـ ومعاونو القضاة الابتدائيين والشرع والتحقيق (م2/93).

إنه لا يجوز نقل القاضي أو ندبه إلى وظيفة أدنى من فئته (م84) أو نقله إلى ملاك آخر في الدولة إلا بناء على طلبه وموافقة مجلس القضاء الأعلى (م1/85). كما لا يجوز أن يجتمع في محكمة واحدة قضاة حكم أو قضاة نيابة عامة تربطهم ببعضهم مصاهرة أو قرابة من الدرجة الرابعة فما دون. وإذا وقعت مصاهرة أثناء وجود القاضيين في محكمة واحدة، فعلى أحد الفريقين أن يقدم طلبا بنقله وإلا ينقل الصهر (م88). أي أن الصهر يفقد حصانة النقل بالنسبة لهذه الحالة فقط حتى ولو كان يتمتع بها في الأصل. لم يسمح هذا التشريع بإقامة الدعوى الجزائية على القضاة بصدد الجرائم التي يرتكبونها أثناء قيامهم بالوظيفة أو خارجها إلا من قبل النائب العام للجمهورية، بناء على إذن من لجنة قضائية مؤلفة من رئيس محكمة النقض أو اثنين من أقدم مستشاريها. أو بناء على طلب من مجلس القضاء الأعلى عندما يتبين له أثناء محاكمة القاضي المسلكية وجود جرم جزائي. وليس للمدعي الشخصي أن يحرك دعوى الحق العام في هذه الجرائم (م114).

نشير بهذا الصدد إلى قضاة مجلس الدولة، وهو المجلس الذي ينظر في الدعاوى الإدارية. فقد نص القانون رقم 55 لعام 1959 على أن أعضاء مجلس الدولة من درجة مستشار مساعد فما فوق غير قابلين للعزل. أما النواب، فيمكن عزلهم إذا لم يمضوا ثلاث سنوات متصلة في وظيفتهم أو في وظيفة مماثلة لها يتمتع شاغلها بالحصانة فيها. مع ذلك، إذا اتضح أن أحداً من هؤلاء قد فقد الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهما الوظيفة القضائية، أحيل على التقاعد بمرسوم من رئيس الدولة بعد موافقة اللجنة المشار إليها في المادة (64) السابقة. تتألف لجنة التأديب والتظلمات من قضاة من المجلس المذكور برئاسة رئيس المجلس. وقد نصت المادة (66) من القانون (55) على طريقة تأليف اللجنة.

بحسب هذا التشريع ترفع حصانة النقل عن قضاة الحكم متى أريد ترقيتهم من فئة إلى أخرى (وليس من درجة إلى درجة ضمن المدينة). كما وترفع عن القضاة الذين أمضوا ثلاث سنوات فأكثر في مراكزهم عندما تقضي الضرورة بنقلهم. كما أنه يمكن نقل قضاة الحكم إلى ملاك النيابة العامة أو العكس بقرار يصدر عن وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى (م83) دونما حاجة لموافقة القاضي.

إن حصانة القاضي من العزل لا تعني عدم قابلية صرفه من الخدمة على الاطلاق. يمكن أن يتم ذلك إذا صدر قرار عن مجلس القضاء الأعلى بعزله بوصفه مجلسا لتأديب القضاة إذا ارتكب أعمالاً من شأنها أن تشين مسلك القاضي وتعيبه. في هذه الحالة يمكن إيقاع عقوبة العزل بحق القاضي الذي أثبت عجزاً أخلاقياً، ويصدر مجلس القضاء الأعلى قراره بالأكثرية. وعلى هذا، فإن التشريع قد وكّل أمر البت في موضوعات القضاة من تعيين وترفيع ونقل وعزل وتأديب إلى هيئة قضائية صرفة، وهي مجلس القضاء الأعلى. إن تأليفه من سبعة قضاة برئاسة رئيس محكمة النقض أمر يؤكد حصانة القاضي واستقلاله. ويتناول اختصاصه قضاة الحكم والنيابة العامة على حد سواء، باستثناء نقل القضاة الأخيرين الذي يتم بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل فقط دونما حاجة للرجوع إلى مجلس القضاء الأعلى.

لقد أتت تشريعات كثيرة بدءا من القرار رقم 124 تاريخ 15/6/1923 ومن بعده القرار رقم 238 تاريخ 2/6/1928، وكذا المرسوم التشريعي رقم 15 تاريخ 19/10/1946 والمرسوم 80 تاريخ 30/6/1947 والمرسوم التشريعي رقم 19 تاريخ 10/7/1952 والمرسوم التشريعي رقم 133 تاريخ 8/10/1953. وفي عهد الوحدة صدر قانون السلطة القضائية رقم 56 لعام 1959، ثم أعقبه المرسومين التشريعيين رقم 23 و40 لعام 1966. جميع هذه المراسيم تناولت حصانة القضاة وكان آخرها المرسوم التشريعي رقم 32 تاريخ 6/2/1968 الذي سمح فيه للسلطة التنفيذية بأن تصرف كل موظف أكمل الخامسة والخمسين من عمره أو تجاوزت خدماته الثلاثين عاماً، بناء على اقتراح الوزير المختص. وبذا تكون حصانة العزل قد رفعت عن كل قاضي تتوافر فيه إحدى الحالتين السابقتين.

إن الأمر الذي نلاحظه من التشريعات المتقدمة كثرتها. والكثرة تخلق في السلطة القضائية جوا من عدم الاستقرار النفسي والطمأنينة اللذين لا بد منهما للقاضي في عمله. ورفع الحصانة ينعكس أثره على المتقاضين أكثر مما ينعكس على القضاة.

ب ـ السلطة القضائية في الدساتير السورية والنصوص التشريعية الأخرى:

مرت السلطة القضائية بالعديد من الحالات خلال فترة الاستقلال:

أ ـ الدستور السوري لعام 1953:

لقد أضفى الدستور أهمية كبيرة للقضاء وحرص على استقلاليته، فنص في المادة 113 على:

“1 ـ تؤلف المحكمة العليا من سبعة أعضاء يسمى أحدهم رئيسا لها.

2 ـ يشترط في العضو أن يكون:

أ ـ متمتعا بشروط المرشح للنيابة

ب ـ حاملا إجازة الحقوق من الجامعة السورية أو ما يعادلها.

ج ـ متما الأربعين من عمره.

د ـ قد مارس القضاء والمحاماة والتدريس الجامعي، أو أحد هذه الأعمال، مدة لا تقل عن عشر سنوات”.

وفي المادة 118:

“1 ـ يؤلف مجلس القضاء الأعلى من سبعة أعضاء:

أ ـ رئيس المحكمة العليا رئيسا.

ب ـ اثنين من أعضاء المحكمة العليا تختارهما المحكمة.

ج ـ الأربعة الأعلى مرتبة من قضاة محكمة التمييز.

2 ـ يشرف هذا المجلس على شؤون قضاة الحكم المتعلقة بمهمتهم.”

وفي المادة 119:

“لرئيس مجلس القضاء الأعلى ولوزير العدل حق تقديم الاقتراحات بتعيين قضاة الحكم وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وفقا لأحكام القانون. ويبت مجلس القضاء الأعلى في هذه الاقتراحات بقرار يتخذه بالأكثرية المطلقة ويبلغه إلى وزارة العدل لتنفيذه بمرسوم أو بقرار وفقا لأحكام القانون”.

ب ـ في عام 1962، جاء المرسوم التشريعي رقم 120 تاريخ 11/9/1962 فنصت المادة 3 منه على ما يلي: “يلغى نص المادة 65 من قانون السلطة القضائية المشار إليه ويستعاض عنه بالآتي:

يؤلف مجلس القضاء الأعلى على الوجه الآتي:

ـ رئيس محكمة النقض رئيسا.

ـ النواب الثلاثة لرئيس محكمة النقض.

ـ الأمين العام لوزارة العدل.

ـ أقدم مستشاري محكمة النقض

عند غياب رئيس محكمة النقض أو أحد نوابه أو رئيس محكمة الاستئناف يحل محله من يليه في الأقدمية من ملاك محكمته، وعند غياب الأمين العام يحل محله أقدم قضاة الإدارة المركزية”.

ج ـ في الدستور السوري لعام 1973:

فصَل الدستور السوري تحت الباب الثاني سلطات الدولة. فأتى على شرح السلطة التشريعية تحت عنوان الفصل الأول ثم أتى على السلطة التنفيذية تحت الفصل الثاني ونص على أجهزة السلطة التنفيذية بأن صدر رئيس الجمهورية كرأس لهذه السلطة وشرح كيفية ترشيحه وانتخابه من المادة 83 حتى المادة 114.

من دراسة هذه المواد يتجلى لنا أن رئيس الجمهورية يهيمن هيمنة كاملة وتامة على جميع السلطات ويحكم قبضته عليها بشكل لا يدع لها مجالاً للحركة إلا وفق مشيئته. فهو يمثل مركزا أقوى من مراكز بعض الملوك أو الأمراء. إنه مركز مطلق لا معقب لحكمه أو لرأيه. فلذا جاء الدستور مهيئا لسلطة مطلقة للسلطة التنفيذية التي يرأسها رئيس الجمهورية. وإذا كنا لسنا بصدد شرح صلاحيات رئيس الجمهورية، فإنما نتعرض لها حتى يكون انتقالنا لشرح أوضاع السلطة القضائية انتقالا واضحا يسلط الضوء على كافة النواحي التي تحكم هذه السلطة!

لقد أتى الدستور السوري لعام 1973 في الفصل الثالث تحت عنوان السلطة القضائية، في المواد من 132 حتى 138 كما يلي:

ـ المادة 132: “يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى ويبين القانون طريقة تشكيله واختصاصه وقواعد سير العمل فيه”.

ـ المادة 133:

“1 ـ القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.

2 ـ شرف القضاة و ضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس و حرياتهم”.

ـ المادة 134: “تصدر الأحكام باسم الشعب العربي في سورية”.

ـ المادة 135: “ينظم القانون الجهاز القضائي بجميع فئاته وأنواعه ودرجاته ويبن قواعد الاختصاص لدى مختلف المحاكم”.

ـ المادة 136: “يبين القانون شروط تعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم”.

ـ المادة 137: “النيابة العامة مؤسسة قضائية واحدة يرأسها وزير العدل وينظم القانون وظيفتها واختصاصاتها”.

ـ المادة 138: “يمارس مجلس الدولة القضاء الإداري ويعين القانون شروط تعيين قضاته وترفيعهم وتأديبهم وعزلهم”.

ولئن كان الفصل قد جاء تحت عنوان السلطة القضائية، إلا أنه لم يذكر بأن هذه السلطة هي سلطة مستقلة. بل إن المادة 132 قد بينت أن رئيس الجمهورية، وهو رئيس السلطة التنفيذية، يرأس مجلس القضاء الأعلى. ولئن كانت المادة 133 قد بينت بأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، إلا أن هذا النص لا يعود له معنى حين يقحم القضاء في خضم السياسة. فيغدو القاضي حزبيا تابعا لسلطة حاكمة مستبدة وبالأحرى هو جزء في عجلة النظام!

مقدمات أدت إلى نتائج:

إن ما حدث في سورية إنما هو تهيئة كاملة للطلاب بأن يكونوا حزبيين وتأطيرهم بالنظام سواء عن طريق إلزامهم وهم في مرحلة الدراسة الابتدائية لأن ينخرطوا في منظمة “طلائع البعث”، أم حين يصبحون في مراحل الدراسة الثانوية بالانخراط فيما يسمى “شبيبة الثورة”. وإذا واصلوا دراستهم الجامعية ثم تخرجوا من كليات الحقوق أضحى لزاما عليهم حتى يقبلوا في سلك القضاء أو، كي يجدوا عملا لهم، أن يكونوا حزبيين. وبذا تكون مراحل التهيئة السابقة قد أتت على شخصيتهم المستقلة وأضحوا كالعجينة بيد الخباز. وبالتالي، فإن معنى استقلال القاضي في حكمه وشخصيته وآرائه تكون قد أصبحت في مهب الريح، ناهيك عن تدخل الأجهزة الأمنية فوق كل ذلك في تعيين القضاة وإرسال التقارير عنهم. مما يجعلهم خاضعين مسبقا لهذه الأجهزة.

أ ـ استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية:

إذا لم تكن السلطة القضائية سلطة مستقلة تماما عن السلطة التشريعية ـ بأن لا يحجب حق التقاضي عن الناس بأي تشريع وتحت أي مسمى وان لا تلغى الأحكام القضائية أو يعطل نفاذها وبأن لا تمس حصانة العزل أو النقل تحت أية حجة كانتـ لما كان لاستقلال القضاء عن السلطة التشريعية أي معنى. لأنها تستطيع بسط هذه السلطة متى شاءت و تحت ستار النصوص القانونية. وهو الأمر الجلي الواقع في سورية، إذ لا معنى للأحكام القضائية التي تصدر عن القضاء لأن نفاذها رهن بإجازة سلطات أخرى سواء كانت تنفيذية أم تشريعية. ولأن عددا من المراسيم والقوانين صدرت بحجب حق التقاضي أمام العدالة وهي أكثر من أن تحصى.

لو عدنا إلى نصوص قانون السلطة القضائية الحالي لوجدنا أن هذه الحصانة هي حصانة اسمية ووهمية. فقد رفعت حصانة النقل عن قضاة الحكم متى أريد ترقيتهم، وعن القضاة الذين أمضوا مدة ثلاث سنوات فأكثر في مراكزهم عندما تقضي الضرورة بنقلهم. في حين أن التشريعات السابقة لم تكن تسمح بالنقل إلا بموافقة القاضي الخطية حتى لو كان من أجل ترقية (المادة 79 من المرسوم التشريعي رقم 80 لعام 1947 والمادة 96 من المرسوم الإشتراعي لعام 1946). كما أن التشريع الحالي سمح بنقل قضاة الحكم إلى النيابة العامة (مادة 83) دون موافقة القاضي. وبهذا تكون حصانة القاضي ضعيفة وعرضة للسلب.

ب ـ استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية:

إذا لم تكن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية بعدم تدخل هذه السلطة في تعيين القضاة وحماية مرتباتهم وترقيتهم وخضوع القضاة لنظام خاص بالمسئوليتين التأديبية والمدنية وبعدم تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية أو قرارات مجلس القضاء الأعلى، فإن هذه السلطة لا تكون مستقلة استقلالاً تاماً.

إلا أننا لو عدنا إلى نصوص القانون، لوجدنا أن المادة 65 من قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم 98 لعام 1961 المعدلة نص على ما يلي: “يؤلف مجلس القضاء الأعلى على الوجه الأتي:

رئيس الجمهورية ينوب عنه وزير العدل           رئيساً

رئيس محكمة النقض                              عضواً

النائبان الأقدمـان لرئيس محكمة النقض          عضواً

معاون الوزيــر لوزارة العدل                   عضواً

النائب العــام                                   عضواً

رئيس إدارة التفتيش القضائي                     عضواً

إذا تغيب معاون الوزير أو رئيس التفتيش يكمل النصاب مدير إدارة التشريع. وفي حالة غياب أحد الأعضاء الآخرين يكمل النصاب أقدم المستشارين في محكمة النقض.

هكذا أضحى وزير العدل يرأس السلطة القضائية، فضلاً عن أن أكثرية المجلس تابعة لوزير العدل وهم معاون الوزير والنائب العام ورئيس إدارة التفتيش. وبذا لم تعد هذه السلطة سلطة مستقلة وإنما دائرة من دوائر الدولة يديرها وزير العدل.

ومن نافلة القول إننا نجد أن وزراء ليس لهم الخبرة القضائية الكافية يرأسون مجلس القضاء الأعلى الذي يضم قضاة أمضوا عمرهم كله في خدمة القضاء. فكيف يمكن لنا أن نفسر ذلك؟ هل نستطيع أن نقول بأن السلطة القضائية بعد ما تقدم من بحث هي سلطة مستقلة؟ كلا و ألف كلا!!

ج ـ الأقضية الاستثنائية:

لكن كيف تم تجريد القضاء من سلطته المستقلة وتم الاعتداء على حياده من نواح أخرى؟

إن إنشاء الأقضية الاستثنائية أسلوب شاذ من أساليب النظم الشمولية التي لا تقبل اختصاص القضاء العادي في جرائم أو منازعات بعينها. ولا شبهة في أن انتزاع ولاية القضاء العادي في صدد منازعة أو جريمة بعينها يكشف عن انحياز في المعاملة. وإلا فلو كان الأمر أمر احتكام إلى القانون لما كان هناك محل لأن تشكل محاكم أو لجان خاصة وحتى لو لم تعط هذه الجهات سلطات استثنائية يتجاوز بها حدود القانون العام وتنتهك بها ضماناته. إن تأليف هذه المحاكم واللجان بحد ذاته انتهاكا لمبدأ حيدة القضاء، حسب بحث للأستاذ نصري ملا حيدر في مجلة المحامون.

لقد دأب المشرّع في سوريا على إنشاء العديد من المحاكم واللجان الاستثنائية بغرض سلب القضاء اختصاصاته ومنها:

1 ـ المحاكم العسكرية التي وصفها رجال الفقه الدستوري بأنه أسلوب شاذ لا يأتلف مع قيام القضاء العادي كسلطة مستقلة، كما لا يأتلف مع الأسلوب الديمقراطي في الحكم. وقد أتت دساتير عديدة، منها عربية، على منع إنشاء مثل هذه المحاكم.

2 ـ من هذه المحاكم محاكم الميدان العسكرية التي لا تتقيد بأصول ولا بالعقوبات، والقضاة فيها لا يشترط تخرجهم من كلية الحقوق ولا يربطهم بالقانون أية رابطة، والتي يكون من اختصاصها أصلا محاكمة العسكريين في حالات محددة. إلا أن مرسوما تشريعيا قضى بتوسيع صلاحيات هذه المحاكم لمحاكمة المدنيين.

3 ـ من هذه المحاكم كذلك محكمة أمن الدولة العليا المنشاة بموجب المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968 المعدل. يصادق على أحكام هذه المحكمة رئيس الجمهورية الذي له حق تعديلها أو إلغائها. أي أن أحكام هذه المحكمة خاضعة لرقابة السلطة التنفيذية وتصديقها، ولا رقابة عليها لأية جهة قضائية.

4 ـ كما أن القوانين أحدثت لجانا خاصة مثل: لجان تحديد الأجور للعمل الزراعي ولجان تسريح العمال وسواها.

5 ـ محكمة الأمن الاقتصادي والتي لا يوجد لديها ضوابط القواعد القانونية العادية والمحاكمات فيها غير علنية، كما يمنع على المحامين الاطلاع على الملفات. بذلك تغدو أشبه بالأجهزة السرّية.

كل هذه المحاكم الاستثنائية واللجان سلبت القضاء اختصاصه وحصرت عمله في نطاق محدد ونالت من حيدته وهيبته.

خاتمة:

عقب الثامن من آذار 1963، كان من بواكير المراسيم التي أصدرها مجلس قيادة الثورة مرسوم العزل المدني، إذ أتى هذا المرسوم (الذي لا سابقة له) على تشميل بعض الأشخاص بالعزل المدني، ثم جاء مرسوم آخر فاعتبر المعزول مدنيا مصروفا من الخدمة.

شمل هذا المرسوم أحد القضاة، هو الأستاذ أحمد الراشد، الذي انتدب لرئاسة المحكمة العسكرية التي حاكمت من سمي المشتركون في فتنة حلب والتي ذهب ضحيتها عدد من خيرة ضباط الجيش. لقد حكمت المحكمة على المدعو إبراهيم العلي بالإعدام، إلا أن المذكور كان له دور بارز في ما أعقب الثامن من آذار. من هنا يمكن لنا أن نفهم كيف صدر مرسوم العزل المدني، ومعلوم أن القاضي يتمتع بحصانة العزل. فإذا بهذا المرسوم يفتئت على القانون والدستور ويعتدي على قاض قام بعمله عقابا له على حكم أصدره.

في عام 1966 كان كاتب هذه السطور معارا للعمل في القضاء الليبي، فأصدرت السلطة مرسوما تشريعيا قضى برفع الحصانة عن القضاء وتم صرف نحو أربع وعشرين قاضيا كنت أنا منهم. كان منهم أيضاً رئيس محكمة النقض الأستاذ عبد القادر الأسود، أحد أكبر الرجالات القضائية في سورية الذي كان أيام الوحدة رئيسا لمحكمتي النقض السورية والمصرية. شمل المرسوم أيضا الأستاذ الكبير علي الطنطاوي وآخرون. وقد زعم من أصدر المرسوم أن المصروفين من الخدمة غير متوافقين مع الثورة(1).

إن القضاة هم سلطان الحق الذي لا بد منه لسلطان القوة، لأن القوة بدون حق تعني البطش وسلب الحقوق. في حين أن سلطان القوة من أجل الحق هو التقويم للباطل وفعله والإنقاذ للإنسان من التخبط في شريعة الغاب. وحيث أنه لا توجد في الحكومات البشرية سوى قوتين ضابطتين: قوة القانون وقوة السلاح، فإذا لم يتولى قوة القانون قضاة فوق الخوف وفوق كل ملامة وتأثير، فإن قوة السلاح ستسود حتما وبذلك تؤدي إلى سيطرة النظم العسكرية على النظم المدينة(2).

فوق كل ذلك، إن معظم أجهزة الدولة ترفض تنفيذ الأحكام القضائية. ومع أن من يمتنع عن تنفيذ أي حكم قضائي قطعي يقع تحت طائلة المعاقبة القانونية، فإن اجتهاداً قضائياً خاطئاً منحرفاً قضى بعدم جواز مساءلة الوزير الممتنع عن تنفيذ الأحكام القضائية إلا من قبل رئيس الجمهورية (صدر هذا الاجتهاد عن إدارة التسريع التابعة لوزارة العدل).

مما تقدم يتضح لنا كيف انهار القضاء انهياراً كاملاً في سوريا. وبالحقيقة، فإن ثمة اغتيالا تشريعيا منظما لهذا الجهاز القضائي الهام والذي لا غنى عنه في أي مجتمع من المجتمعات. فهو حصن الأمن الأخير لحماية المواطنين في أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وحريتهم. وإنني من منبر الفكر أدعو جميع المسؤولين لتلافي هذا الانهيار.

أليس من المفيد أن نستعرض بعض الإحداثات في قصر العدل والتي تبين أن السلطة التنفيذية ومن يقف وراءها من تنظيمات حزبية قد تغلغلت إلى صميم القضاء وكيانه وسلبته حريته واستقلاله، فلو دخل الواحد منا قصر العدل فهو سيجد:

1 ـ قاعة للفرقة الحزبية

2 ـ قاعة البيعة

3 ـ محكمة الأمن الاقتصادي في الطابق الأخير. وهي مغلقة، وجلساتها تتسم بالسرية، وملفاتها يمنع على المحامي الاطلاع عليها. إنها أشبه بجهاز من أجهزة المخابرات لا علاقة لها بالقانون.

4 ـ صور منتشرة في جدران المحاكم بشكل يخرج القضاء عن هيبته ويحوله إلى معرض للصور بشكل لا يأتلف مع الذوق العام لقصر يسعى لتحقيق العدالة.

أخيراً وليس آخراً، إنني أضع هذه النقاط التي أثرتها سابقا أمام المجتمع بأسره علها تجد أذنا صاغية تعيد للقضاء هيبته وحيدته وتؤمن للقضاة حصانة تحصنهم من خوف السلطان والقلق من المستقبل على أسرهم وعيالهم. بذلك نضمن حصنا هاما من الحصون التي تحمي المجتمع كله من غول الطغيان والعسف والجور ويطمئن الناس على مستقبلهم.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

(1) المرسوم التشريعي رقم 40 موجود في نهاية البحث ضمن الوثائق.

(2)

الوثائق:

المرسوم التشريعي رقم 40

رئيس الدولة

بناء على أحكام قرار القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي رقم 2 تاريخ 25/2/1966 وعلى قرار مجلس الوزراء رقم 334 تاريخ 29/5/1966

يرسم ما يلي:

مادة 1 ـ خلافا لجميع الأحكام النافذة ولا سيما المادة 92 من قانون السلطة القضائية ذي الرقم 98 تاريخ 15/11/1961 وتعديلاته،

يجوز لمجلس الوزراء لمدة أربع وعشرين ساعة ولأسباب يعود تقديرها إليه أن يقرر:

1 ـ صرف القضاة من الخدمة،

2 ـ نقلهم من ملاكهم إلى أي ملاك آخر.

لا يشترط في هذا القرار أن يكون معللا أو أن يتضمن الأسباب التي دعت للصرف من الخدمة أو النقل.

يسرّح القاضي المقرر صرفه من الخدمة أو ينقل بمرسوم غير قابل لأي طريق من طرق المراجعة ولا يختص مجلس الدولة أو الهيئة العامة لمحكمة النقض أو أي مرجع قضائي أو إداري آخر للنظر في الاعتراض أو الطعن بالمرسوم المذكور وتصفى حقوق المسرّح وفقا لأحكام قانون التقاعد.

مادة 2 ـ ينشر هذا المرسوم التشريعي ويعتبر نافذا فور صدوره.

دمشق في 9/2/1386 و 29/5/1966

رئيس الدولة

الدكتور نور الدين الأتاسي

الفصل التاسع

الآثار الاجتماعية والنفسية للمعتقل والحرمان من الحقوق المدنية

محمد عصام دمشقي(*)

 

تقديم:

السجن هو الوسيلة العقابية الأوسع تطبيقاً وانتشاراً. فإذا كان يندرج ضمن آليات الضبط والسيطرة التي تستخدمها الدول والأنظمة لإنتاج وإعادة إنتاج السيطرة السياسية والاجتماعية، فهو يتميز بأنه الآلية التي يتم عبرها العمل المكثف لتحقيق الهدف المذكور. هذه الوسيلة تستخدم لتتويج التوظيف الاجتماعي والسياسي والأمني والوصول به إلى مراميه النهائية: استمرار الحاكم وخضوع المحكوم.

أدى التطور الإنساني والتاريخي والسياسي والأخلاقي والديمقراطي إلى مناقشة دور السجن كوظيفة اجتماعية، ووضعه موضع التساؤل كشكل من أشكال العقوبة: هل ينجح السجن في ردع السجين الذي انتهك القانون عن تكرار فعلته؟ هل يسمح السجن بعناصره: السجّان، علاقات السجناء، نظام السجن، النظرة الاجتماعية ـالأخلاقية له، هل يسمح بإعادة تأهيل السجناء وتحقيق الجانب الثاني من الوظيفة الاجتماعية، الذي هو ردع أفراد المجتمع عن ارتكاب مخالفات وانتهاكات تجر على صاحبها العقاب اللاحق؟.

إن أغلب الإجابات كانت سلبية. فالسجن غالباً ما يخرّج مجرمين استفادوا من خبرات بعضهم وأصبحوا أكثر خطورة. كما أن في نمط علاقة السجين ـ السجّان ما يسبب قدراً كبيراً من التشوه للطرفين، ويفسح المجال خصباً للفساد بينما أفراد المجتمع مستمرون في ارتكاب مخالفاتهم رغم معرفتهم المسبقة (غالباً) لنتائج أفعالهم. الأمر الذي يرجح طغيان عناصر الوضع الاجتماعي والاقتصادي على الدور المتوقع لمؤسسة السجن.

إن دراسة الوظيفة الاجتماعية للسجن مسألة هامة، لم تنل بعدـ خاصة في سوريةـ حقها. وهي خارج مجال بحثنا هنا، إلا بمقدار ما تشكل جزءاً من مرجعية عمومية. ما يهمنا هنا هو السجن السياسي الذي له خصوصية سنحاول معالجتها.

وظيفة السجن السياسي:

يستهدف السجن السياسي إعادة إنتاج السيطرة السياسية للطبقة، الفئة، الحزب، الحكومة الخ... وكبح أو التخلص من المعارضين. ومن الواضح أن هذه الوظيفة ترتبط بالمنظومات السياسية غير الديمقراطية. فإذا وجد السجين السياسي في الدولة الديمقراطية ـ غالباً ما يكون السبب اللجوء للعنف ـ فإن وجوده يحقق وظيفة تخص الدولةـ المجتمع. تخص الإجماع المعبّر عنه في مؤسسات ديمقراطية ودولة قانون وقضاء مستقل، وليس لخدمة سلطة أو حكومة بعينها، ذلك بمقدار ما يزداد الاستقلال النسبي للقانون والقضاء عن السياسة المباشرة وعن المصلحة المؤقتة للحكومات. وحتى التدخل السياسي للحكومات يبدو جزءاً من إعادة إنتاج مجتمعية مقبولة ومفهومة من قبل التكوينات الاجتماعية والسياسية.

أما في المنظومات غير الديمقراطية مهما اختلفت تسميتها: وطنية، اشتراكية، شيوعية، قومية، إسلامية... فإن السجن، مضافاً للآليات الأخرى الأسوأ في بعض المراحل التاريخية (تصفيات، إعدامات، إبادة جماعية...)، هو وسيلة مباشرة لإنتاج السيطرة السياسية لسلطة حاكمة تعتبر نفسها ممثّلة لشرعية تاريخية أو ثورية أو دينية... وتتيح لنفسها بالتالي استخدام كل الوسائل لتأبيد سيطرتها. إن ما يجمع بين أشكال الأنظمة أو المنظومات السابقة، على تباعد أنساقها الايديولوجية، هو اعتماد المبدأ المكيافيللي المعروف ذو الشقين: الغايات التي تبرر الوسائط وإبعاد الأخلاق عن السياسة.

يقول ولهلم رايش في خطابه إلى “رجل الشارع الصغير”: “إنك تعتقد بأن الغايات تبرر الوسائل، حتى تلك الوسائل الدنيئة. إنك تخطىء، فالغاية هي نفسها تعبّد الطريق الذي يوصلنا إليها. كل خطوة تخطوها اليوم هي جزء من حياتك في المستقبل. ليس هناك غايات نظيفة يمكن الوصول إليها بوسائل خسيسة. إن خساسة أو لا إنسانية الطريق الموصل إلى الهدف تجعلك خسيساً أو لا إنسانياً وتجعل الهدف غير ممكن الوصول إليه”(1).

بالنسبة للمنظومات التي لا تعتبر مرجعيتها الأهم الإنسان، الفرد، من السهولة بمكان القبول بإبادة الملايين من الذين يقوضون أو يشوشون على تحقيق المستقبل الشيوعي، أو سجن وإعدام بضعة ملايين أو آلاف من الذي يعارضون التوحيد القومي أو الإصلاح الاجتماعي أو التقدم أو الاشتراكية أو معاداة الإمبريالية...

يقول المفكر القومي نديم البيطار: “لو أن قيادة الدولة الجديدة (يقصد دولة الوحدة بين مصر وسورية) سحقت عند قيامها ـ إعداماً ونفياً وسجناً ـ أربعة أو خمسة آلاف رجل يمثلون هذه الزعامات والقيادات وأعلنت في نفس الوقت القرارات الاشتراكية، ومارست سياسةً تشل وتجمّد وتجرد الطبقات الإقطاعية والبرجوازية الكبيرة من امتيازاتها وتقمع كل نشاط لها قمعاً فعالاً، لما حدث الانفصال”(2).

إن الجانب الخطير والسيء هو أن مثل هذه القناعات ليست حكراً على بعض الحكام أو المفكرين أو السياسيين، بل تمتد لتشمل قطاعات شعبية واسعة، هي المتضرر الأكبر عموماً من هذا النمط من التفكير والممارسة. ذلك بسبب بقاء ما يسميه هادي العلوي “الوجدان القمعي”، “حيث التغير الاجتماعي (ما زال) حتى الآن على درجة من عدم العمق، تمنعه من إحداث تحولات جذرية في سلوك الناس ووعيهم، والذي تغير على هذا الصعيد هو في الغالب الأشكال التي يتجلى بها الوجدان القمعي”(3).

إذن يجب علينا أن نواجه أيضاً ليس عسف الحكام فحسب، بل عسف الجماعات والأفراد الذين يقفون ضد الانتهاك لحقوق الإنسان باعتباره مطبقاً عليهم. لكنهم مستعدون لممارسته ويمارسونه حتى وهم في موقع المعارضة. غير أن المشكلة الأساس لا تزال تكمن في السلطات، لأنها في موقع التأثير والفعل وتمتلك الأجهزة والإمكانات الخ... وهي بدلاً من أن تعمل على “إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة”(4) الذي هو تعريف السياسة عند الكواكبي، فإنها تلجأ للاستبداد “التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى”(5).

نعود للسؤال المطروح آنفاً: هل يحقق السجن مبتغاه في استمرار وإعادة إنتاج السيطرة السياسية؟ بالإمكان الإجابة على مستويين: الأول هو المستوى القريب والمباشر، حيث لا بد من الإقرار بأن السلطات تحقق غاياتها غالباـ باستثناء فترات تاريخية استثنائية يرتد فيها القمع على الحكامـ فتسكت المعارضين وتردع الشعب. فيصبح المجتمع مدجناً، خانعاً، ذليلاً، سلس القياد، مما يمكن الحاكم من الاستمرار في حكمه دون اللجوء بالضرورة إلى إجراءات الردع الشاملة والقوية التي طبقها في فترة من الفترات.

في قصته القصيرة والكثيفة الدلالة “النمور في اليوم العاشر”، يعبّر زكريا تامر بطريقة رائعة عن صيرورة الخضوع. فالنمر السجين لا يطلب منه في البداية أكثر من الاعتراف بأنه جائع ليتم تقديم الطعام له. ثم يطلب منه الامتثال لأمر التوقف عن الحركة، ثم تقليد مواء القطط ونهيق الحمار والتصفيق لكلمة المروض، الذي يعتبره الأخير نفاقاً، يعاقب عليه النمر بإطعامه الحشيش بدل اللحم. “وفي اليوم العاشر اختفى المروّض وتلاميذه، والنمر والقفص، فصار النمر مواطناً والقفص مدينة”(6). أما الخطبة العصماء فكانت: “أيها المواطنون، سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من كل القضايا المصيرية، وهذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدل مهما تآمرت القوى المعادية وبالإيمان سننتصر”(7).

أما على المستوى البعيد والتاريخي، فلا أحد يضمن أن عمق وشمول الإجراءات القمعية يعنيان تأبيدأً لنظام سياسي أو لتغيير تاريخي غير قابل للارتكاس، سواء بشكل سلمي وهادىء أو بشكل عنيف. وهنا تمثل أمامنا بشكل خاص تجارب الدول الاشتراكية السابقة. ولابد أن التجربة التاريخية دفعت وستدفع الحكام لعدم إهمال هذه الحقيقة.

نأتي الآن إلى المستوى الملموس لبحثنا، وهو الذي يرتبط بما أسميته المستوى المباشر والقريب. فلنحاول رصد تأثيرات ظاهرة الاعتقال والسجن ـ المديد غالباً ـ وما رافقهما من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان طالت كل جوانب الحياة في سوريا.

تأثيرات ظاهرة الاعتقال:

رويّ عن رئيس عربي قوله أن في بلده أشخاصاً يرغبون بالجاه وسيؤمن لهم المواقع والمناصب التي ترضي طموحاتهم، وهناك أشخاص يرغبون بالمال وسيؤمن لهم المال، لكن هناك أشخاص لا يرغبون بالمال ولا بالجاه وهؤلاء مصيرهم السجن. إن هذه الرؤية التي تعتمد المبدأ الأزلي: العقوبة ـ الثواب، العقوبة للمعارض والثواب للملتحق، لا تنسينا ما يتضمنه القول السابق من تقدير رفيع للمعارضين بأنهم لا يرغبون بالمال ولا بالجاه. تقدير يتعارض مع محتوى الخطاب السلطوي باتهام المعارضين بأنهم يسعون للسلطة أو يخدمون مصالح خارجية أو داخلية. فلا يبقى سوى أنهم أصحاب برامجـ بغض النظر عن صوابيتها ـ يجب أن تتاح لها فرصة التفاعل مع الوقائع والأفكار والوصول إلى الناس، لتتمكن من تصحيح نفسها ولتتوضح فرصتها الحقيقية في الحياة والتأثير.

إن غالبية أفراد الشعب ولو لم تحصل على الجاه والمال تفضل العيش بأمان ـ إن توفر لها هذا الأمان ـ وتلجأ إلى الحكمة المأثورة شعبياً: “قبّل اليد التي لا تستطيع كسرها وادع— عليها بالكسر”. فعندما يبرز المعارضون قد يتعاطف معهم الشعب أو قسم منه شماتة بالحكومة، لكنه يبقى حذراً، سلبياً، طالما ما تزال السلطة هي الطرف الأقوى.

لهذه القاعدة شواذات طبعاً. ففي سورية، في نهاية السبعينات، بدا أن الوضع قد اختلف عن التوصيف السابق، فاندفعت قطاعات شعبية واسعة لتأييد المعارضين. وإذا كان الدور الأساسي في المعارضة هو للتنظيمات الدينية، فيجب عدم تجاهل حركة ونشاط الأحزاب المعارضة العلمانية ونشاط النقابات (المحامين، المهندسين...) وحركة المثقفين، وعموماً، تململ رجل الشارع غير المسيّس. إن الحراك الحاصل هو بمجمله وضع شرعية وجود واستمرار الحاكم موضع النقاش وربما موضع التغيير.

لقد بدا، لفترة محدودة، أن السلطة أدركت عمق الحركة الاجتماعية، وقبل أن تحسم أمرها تماماً، أجرت قياداتها السياسية محاولات محدودة في المراجعة الذاتية واستمعت إلى آراء الأدباء والمثقفين ومدرسي الجامعة وفكرت في تطوير الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة. لكنها سرعان ما انطوت على نفسها مقتنعة أنها قادرة على تجاوز أزمة البلد بتراث الحزب الحاكم وخبرة القيادة... فلجأت إلى حل النقابات المهنية المعارضة (المحامين، المهندسين، الأطباء) واعتقال بعض رموزها(8) وإعادة تشكيلها بما يكفل أن تكون مؤيدة لها. كما استطاعت من الناحية العسكرية والأمنية، أن تهزم حركة العصيان المسلح في حماة وأن تشلّ النشاط العسكري للجماعات الدينية. فشنت حملات التفتيش الجماعي في المدن وحملات الاعتقال والمداهمة والتهديد. شملت حملات الاعتقال، بالإضافة إلى النقابيين، أعضاء التنظيمات العلمانية المعارضة: حزب العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، حزب البعث الديمقراطي، حزب البعث المرتبط بالنظام العراقي (الذي مارست بعض أقسامه العمل المسلح) وأفراد من الاتحاد الاشتراكي وتنظيمات صغيرة أخرى، كما ولاحقت المعارضين خارج البلد.

لقد تجاوزت السلطة أزمتها، لكنها أسست لأزمة عميقة في المجتمع، أوصلت الناس إلى الخوف. فانسحب أهالي القتلى والمفقودين والمسجونين للملمة جراحهم، وانسحب عامة الناس إلى تأمين لقمة عيشهم، وانكفأ المثقفون إلى إبداعاتهم الخاصة، وتشرّد المعارضون في الدول القريبة والبعيدة، ومن بقي منهم عمل في ظروف جد صعبة دون تأثير معتبر في الواقع السياسي. لقد أصبح بلدنا بلد الخوف.

في التقرير السنوي الأخير الذي صدر للمرة الأولى داخل البلاد للجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية 10/4/2001(9) تقول المنظمة أن عدد السجناء في سورية ـ وفق تقديراتهاـ هو حوالي 800 شخص. بالطبع، لا يمكن معرفة الرقم الدقيق، لكن تقديرات السجناء الخارجين من السجن غالباً ما تزيد هذا الرقم إلى حوالي الضعف. ويعتبر هذا الرقم ضئيلاً إذا ما قورن بعدد السجناء في التسعينات الذي تجاوز السبعة عشر ألفاً.

هذا العدد من السجناء يستحق التوقف عنده، خاصة وأن هؤلاء خضعوا لمحاكم استثنائية وأحكام جائرة ومعظمهم قضى فترات طويلة في المعتقل. فالتحسن الذي طرأ مؤخراً على موضوع الاعتقال والسجن لا يعفينا من ضرورة دراسة هذه الظاهرة وتلمس آثارها السلبية على المجتمع والأفراد. علنا نحذّر الأجيال القادمة من مخاطرها ونساعد في فهمها والسعي للتخفيف من آثارها الكارثية.

كان سجن المزة السجن السياسي الأهم وربما الوحيد في سورية، مع وجود أوضاع استثنائية لسجناء يوقفون في أماكن أخرى من مثل سجون مدنية، معتقلات، فروع، الخ. لاستيعاب الأعداد الكبيرة من السجناء، أعيد افتتاح سجن تدمر للسياسيين، وهو الذي استخدم أيام الاستعمار الفرنسي. أما قبل الثمانينات فلم يستخدم إلا للقضائيين (الفارين من الخدمة الإلزامية). كما استخدمت فروع الأمن المختلفة كسجون مؤقتة (أمضى فيها الكثيرون سنوات طويلة). بعدها تم تدشين سجن صيدنايا العسكري عام 1987، الذي كان فيه نظام التعامل مع المساجين أفضل بعض الشئ، ونقل إليه السجناء الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون من الأحزاب اليسارية، بالإضافة إلى قسم من سجناء تدمر (المحكومين بالبراءة أساساً أو الذين انتهت أحكامهم) من الإخوان المسلمين والبعث الموالي للعراق.

إن الابتهاج بإغلاق سجن المزة العسكري مؤخراً له قيمة رمزية، فحسب، بالنسبة للسجناء خاصة. فعندما أغلق، لم يكن يتواجد فيه سياسيون يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. لكن الابتهاج الحقيقي يحصل بإغلاق سجن تدمر، بل بإيقاف ظاهرة الاعتقال التعسفي.

من المفارقات المعبّرة، أن السجين السياسي يتم التعامل معه بشكل أسوأ من السجين القضائي في جميع النواحي (المكان المخصص، التعامل، الطعام، الشراب، الزيارة، تقديم مساعدات مادية من جمعيات أهلية، السماح بمتابعة الدراسة الجامعية الخ...). ذلك بالتعارض مع العرف القانوني الذي يقتضي تقدير الظرف الاجتماعي والسياسي الذي أدى إلى الجرم السياسي، وبالتالي التعامل مع السجين السياسي على هذا الأساس.

إن المفارقة المذكورة تعني مضاعفة الآثار السلبية لظاهرة السجن عموماً. وبعد أن توسعت الظاهرة وتجاوزت الحالات الفردية التي لها تأثير على عائلة السجين ومعارفه وأصدقائه، وصلت إلى الحد القادر على إحداث خلخلة اجتماعية حقيقية يمكن تلمسها في مناطق عديدة وعند أوساط واسعة من الناس. الأمر الذي يحتاج إلى دراسات ميدانية مختصة من قبل باحثين ومختصين بعلم النفس. لكن ما يعيق ذلك حتى الآن:

1 ـ السلطات الحاكمة التي لا يمكن أن تسمح بفتح هذه الملفات كونها تتعامل مع الموضوع باعتبار غرضه الوحيد فضحها والتشهير بها، إضافة إلى أنها لا تعير أهمية لتأثيرات الاعتقال الاجتماعية.

2 ـ عدم وجود مناخ مطمئن يسمح بأن يقدم المتضررون ما لديهم من معلومات وما عاشوه من تجارب. فإرهاب الحالة التي عاشوها سابقاً لا يزال يلاحقهم بحيث يفضلون التزام الصمت غالباً، أو تقديم معلومات وردية وزائفة. فهم يفترضون أنهم إن فعلوا قد يتعرضون للمساءلة أو الملاحقة، في وقت هم منهكون من تجربتهم المريرة ويرغبون بالاستقرار. كما يعتقد الكثيرون أن تقديم أية معلومات تفضح السلطة سيعيق عملية الإفراج عن بقية المعتقلين.

3 ـ عدم وجود ثقافة أو وعي بأهمية حقوق الإنسان في القطاعات الشعبية عندنا. وفي حال وجد، هو ينحصر في بعض النخب الثقافية والسياسية التي اندفع بعضها ـ خاصة النخب اليساريةـ إلى إيلاء أهمية لهذا الموضوع.

4 ـ عدم ظهور منظمات علنية تكرس نفسها للدفاع عن حقوق الإنسان. فالمنظمة الوحيدة المذكورة آنفاً اعتقلت وشتتت. ورغم أنها عادت للعمل من جديد، بتغاضٍ من السلطة، فهي لا تزال تعمل في إطار غير قانوني وتوزع البيانات على مسؤوليتها.

في ربيع هذا العام 2001، أغلقت السلطات ـ فيما أغلقت من منتديات أخرى تهتم بالإصلاح والديمقراطية ـ “منتدى خليل معتوق لحقوق الإنسان” الذي كان بالكاد قد بدأ نشاطه لنشر وعي وثقافة حقوق الإنسان. علماً بأن نشطاء هذا المنتدى هم من المحامين والمثقفين المتنوعي الاتجاهات الإيديولوجية والسياسية.

أما عن عمل التنظيمات السياسية المعارضة المهتمة بحقوق الإنسان فهو لا يزال يتعثر بسبب التضييق وعدم وجود حريات إعلامية وصحافية. كما أن هذه التنظيمات، وبسبب ما عانته من تغييب قسري طويل عن المجتمع، ضعفت أو انقطعت صلتها بالناس، وخاصة الجيل الجديد. ناهيك عن أن اهتمام هذه المنظمات لا يزال بحاجة إلى تعميق وتطوير يحتاج لكي ينمو إلى مناخ من الحريات الديمقراطية.

5 ـ اعتماد خطاب فكري ـ سياسي عن الخصوصية المحلية والثقافية والوطنية الخ... واتهام الأطر المهتمة بحقوق الإنسان، والذين يتعاونون معهم، بالتحيّز وخدمة سياسات إمبريالية. هذا الخطاب لا يزال سائداً، ليس رسمياً فحسب، بل تتبناه أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، التي ساهمت بصمتها وتواطئها بالتضليل المتعمد وإخفاء الوضع الحقيقي لحقوق الإنسان في سورية وخاصة الجانب الهام من هذه الحقوق (موضوع السجن السياسي)، وذلك انطلاقاً من مواقف إيديولوجية وسياسية. يعبّر هذا الخطاب عن حال قسم كبير من المثقفين السوريين الذي يضعون الديمقراطية ضمن أولوياتهم السياسية.

إن خصوصية أغلب، إن لم نقل كل، دول العالم الثالث لا تقل عن خصوصيتنا. مع ذلك، هناك تقدم ملموس في وضع حقوق الإنسان في دول عربية كالمغرب مثلاً، حيث توجد جمعيات عديدة ناشطة ووزير مختص بحقوق الإنسان وحيث تمت مراجعة وضع السجناء السياسيين وتم التعويض على بعضهم والخ من تطورات تضاعفت في السنوات الأخيرة. وأخيراً في اليمن عينت وزيرة لحقوق الإنسان، وفي البحرين تم الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين وصدر عفو عن المنفيين وسمح لهم بالعودة إلى بلدهم وممارسة نشاطهم من داخل البلد، وغيره من تحسن نسبي هنا وهناك. ما جعل من سوريا في نهاية القافلة بعد أن كانت لعقود خلت في وضع أفضل بكثير مما هي عليه الآن.

رغم المعوقات الآنفة الذكر، سأحاول التعرض لتأثيرات تجربة السجن في ثلاثة محاور: الأول يتعلق بالسجناء أنفسهم والثاني يتعلق بالمجتمع والثالث يتعلق بالسجّان (أجهزة الاعتقال والحبس).

أوضاع السجناء في سوريا:

يقدر عدد السجون التابعة لفروع الأمن في سورية بعشرين، إضافة إلى سجنين أساسيين هما: سجن تدمر السيء الصيت وسجن صيدنايا العسكري. ورغم الإشارة للتحسن النسبي في معاملة المعتقلين، فلا يزال سجن تدمر الرمز الأكثر قسوة وظلماً ويستوجب إغلاقه كما تطالب بذلك منظمة العفو الدولية واللجنة العربية لحقوق الإنسان ومركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية. هناك مشكلات أساسية ما زالت تعاني منها السجون مثل: الازدحام وعدم الرعاية، عدم انتظام الزيارات بل ووجود حالات زيارة كل ستة أشهر، استمرار سياسة العزل الفردي وغياب أية بعثات مراقبة محلية أو عربية أو دولية لتقييم أوضاع السجون.

هناك فروقات في أوضاع السجون والمعتقلات تتعلق بالمكان، وفروقات تخص الفترة الزمنية بذاتها. فالشيء الثابت هو أنه لا يوجد قانون ينظم أوضاع السجناء ويحدد طريقة التعامل معهم. كما أن صلاحيات مدراء السجون وتوجيهات فروع الأمن تختلف من فترة لأخرى ومن سجن لأخر، حسب هذا المدير أو رئيس الفرع أو ذاك. كما يختلف التعامل بين أفراد قوة سياسية وأخرى. بما يؤكد على ما ذكرناه حول المرجعية السياسية في التعامل مع السجناء وعن المصلحة السياسية والأمنية للسلطة ولأجهزتها، التي هي بالتالي أبعد ما تكون عن الارتباط بالمرجعية الإنسانية أو القانونية. إن أي قانون، مهما كان متعسفاً، يضع قيوداً على سلوك السجّان، وهذا الأخير لا يستطيع قبولها.

التعامل الأسوأ عموماً هو ما لوحظ مع القوى الدينية ثم مع بعث العراق. ذلك، دون تمييز بين من استخدم السلاح وبين من لم يستخدمه، وبين من انتمى للتنظيم أو من لم ينتم، بين من له علاقة فعلية بالتنظيم ومن هو قريب أحد المنظمين. فالتدين اعتبر الاحتياط الاستراتيجي للعمل المسلّح، وتم التعامل مع السجناء انطلاقاً من ما يمكن أن يكونوا عليه. بحيث نسف تماماً المبدأ القضائي المعروف المتعلق ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته، المثبت في المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..

من المفارقات المريرة أنه كانت توجد في سجن تدمر مهاجع تسمى “مهاجع البراءة”. بمعنى أن أفرادها قد حكمت عليهم المحاكم الاستثنائية، رغم عسفها المعروف، بالبراءة. لكن لم يفرج عنهم إلا بعد فترات طويلة وربما مات الكثيرون منهم تحت التعذيب في هذا السجن.

قد يبدو التمييز بين القوى السياسية منطقياً فيما إذا اعتبر القانون هو أساس التمييز. لكن حتى أولئك الذين يقومون بأعمال عنف وقتل يجب التعامل معهم بشكل قانوني ولو حكموا بالإعدام، العقوبة الإشكالية التي لا تزال موضع خلاف.

من المفارقات الملفتة للنظر أيضاً، أن الفساد يلعب دوراً إيجابياً في تحسين أوضاع السجناء وتقديم خدمات لهم في بعض الأوقات والظروف. فتحقيق الزيارات الممنوعة أصلاً كان يتم مقابل مبالغ طائلة وهدايا ثمينة لمدير السجن أولاً أو لأقربائه أو لضابط ما في أحد الفروع. وقد كان الأهالي على استعداد لدفع مبالغ طائلة لمجرد التأكد من أن ابنهم موجود على قيد الحياة.. وبين فترة وأخرى كانت تكشف فضيحة في هذا السجن أو ذاك أو هذا الفرع أو ذاك، محورها تواطؤ محققين وعناصر أمن لتقديم خدمات للسجناء مقابل المال. في كثير من الأحيان كان الأهل ضحية ابتزاز مالي مارسه بعض عناصر أجهزة السلطة الذين اتصلوا بالأهالي مدّعين وجود معلومات عن الأبناء المعتقلين.

في محاولتنا لدراسة أوضاع السجناء اخترنا ثلاثة مرجعيات: ـالأولى، قديمة، عمدنا من وراء اختيارها إلى تأكيد جانبين: الأول، أن الاهتمام بأوضاع السجون ليس مجرد بدعة عصرية لأن علاقتها بالجانب الإنساني تؤكد التفكير بها في مراحل تاريخية سابقة، والثاني، أنها ترتبط بما يسمى “الخصوصية المحلية” التي لا تعني بالنسبة للمقتنعين بها سوى تجاهل ما توصل إليه ارتقاء الفكر الإنساني. ـأما المرجعية الثانية، فهي حديثة وعالمية، تعبر عن الارتقاء الإنساني والحضاري. ـوكذلك المرجعية الثالثة، التي تتعلق بحقوق الإنسان عموماً وليس فقط بموضوع السجناء.

المرجعية الأولى: يوردها هادي العلوي في كتابه “فصول من تاريخ الإسلام السياسي”(10) كالتالي: “أبو يوسف قاضي قضاة هارون الرشيد تقدم بخطة لإصلاح السجون، حيث كانت حالة السجون في غاية التردي: الدولة لا تتولى إعالة السجناء وتترك ذلك لأهاليهم، ومن كان فقيراً سمحت له بالخروج مقيداً بالأغلال بحراسة السجانين للاستجداء، وإذا مات السجين لم تدفنه إدارة السجن فيدفنه رفاقه الذين معه، ويدفن السجين بغير المراسيم الدينية كالغسل والتكفين والصلاة. وقد أدان أبو يوسف هذه الأوضاع وقال للرشيد... “إن ابن آدم لا يعرى من الذنوب” وإن ارتكاب الجرم ليس طبعاً فيه بل هو راجع إلى أحد أمرين: “الجهل أو القضاء”، مما يوجب عدم المبالغة في العقوبة بحيث تصبح انتقاماً”.

خطة الإصلاح:

“1 ـ تعيين موظف نزيه يتولى تسجيل أسماء السجناء من الذين لا يملكون مصدراً للعيش،

2 ـ تخصيص مبالغ شهرية تدفع إلى كل واحد من السجناء المسجلين وحدد مبلغ ما يدفع للواحد بعشرة دراهم في الشهر،

3 ـ تأمين كسوتهم ...

4 ـ أما السجين الذي يملك مالاً فالإنفاق عليه يكون من ماله الخاص،

5 ـ النظر في قضايا المحبوسين، فمن استحق منهم عقوبة تأديبية أدّب وأطلق ومن لم يكن عليه شيء أخلي عنه،

6 ـ منع ضرب السجناء،

7 ـ استخدام الوسائل الاعتيادية في التحقيق وعدم تعذيب المتهم لحمله على الإقرار. فمن أقر على نفسه بالتعذيب فإقراره لا يؤخذ به.”

المرجعية الثانية: ترد في “موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان”(11):

“حقوق السجناء في عصرنا صيغت في وثيقة تبناها المؤتمر الأول للأمم المتحدة حول الوقاية من الجريمة ومعاملة السجناء عام 1955 ثم أقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي في أيار 1977.

تنطلق صياغة هذه الحقوق من أن السجين هو أولاً وأخيراً إنسان ولا يحرمه السجن من صفته هذه، وإن الشخص موجود في السجن باعتباره عقوبة وليس من أجل التعرض لعقوبات أخرى. وتقر له بالقواعد النموذجية الدنيا التي لا يجوز الطعن فيها، وهي الحق في الحياة وسلامة الشخص وعدم التعرض للتعذيب أو المعاملة السيئة أو المهينة، الحق في الصحة، الحق في احترام الكرامة الإنسانية، في التنفيذ العادل للقوانين، في عدم التعرض للتمييز والتفرقة من أي نوع كانت قومية أو اثنية أو طائفية أو جنسية أو دينية، الحق في حرية المعتقد والدين، الحق في احترام الحياة العائلية، الحق في التنمية الذاتية”.

أما المرجعية الثالثة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) فنأخذ منها الفقرات التي تعنينا.

دراسة مقارنة:

1 ـ أصل العقوبة:

في النص القديم: “عدم المبالغة في العقوبة بحيث تصبح انتقاماً”.

في النص الحديث: “الشخص موجود في السجن باعتباره عقوبة وليس للتعرض لعقوبات أخرى”.

في سوريا، العقوبة تعتبر انتقاماً وتأديباً، لا ينظمها قانون وتخضع لمزاجيات المحققين والمحاكم الاستثنائية والميدانية. تستمر العقوبة داخل السجن بأشكال فظة كعزل السجناء في زنزانات الانفراد(12)، وحرمان السجين من المحاكمة العادلة ومن ضروريات العيش والتواصل الإنساني مع أهله وعدم التزام السلطة بتطبيق أحكام المحاكم الاستثنائية نفسها. وهذا ما أشرنا إليه سابقاً بوجود “مهاجع البراءة” في سجن تدمر. وحتى أحكام محاكم أمن الدولة، التي تعتبر أكثر قانونية، غالباً ما طبقت مترافقة مع ابتزاز سياسي للمعتقلين، بأن يطلب منهم التوقيع على تعهد سياسي بعدم العمل ضد السلطة، وثم الاحتفاظ بالكثيرين لفترات تزيد عن أحكامهم(13). وكثيراً ما كان تقدير “اللجنة الأمنية”، التي تجري مقابلات مع المعتقلين، هو المقياس للإفراج عن السجين وليس حكمه، سواء كان محكوماً في المحاكم الميدانية أو في محكمة أمن الدولة.

2 ـ الوضع القانوني:

في النص القديم: “النظر في قضايا المحبوسين الخ..”.

في النص الحديث: “التنفيذ العادل للقوانين”.

في سوريا، يوجد الاعتقال العشوائي والاحترازي واعتقال الأقارب والأصدقاء والتوقيف لفترة طويلة دون عرض الموقوف على القضاء. كذلك ما يتعارض مع المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أنه “لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً”، ومع المادتين الثامنة والعاشرة من الإعلان نفسه اللتين تنصان على حق الشخص في اللجوء للمحاكم الوطنية لإنصافه وعلى حقه في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة... نحن هنا لسنا بصدد دراسة قانونية تختص في هذا المجال، لكن يمكننا إجمال الموضوع بالقول بعدم وجود ممارسة قانونية بالأمر بالاعتقال أو بتنفيذه أو بمسؤولية التحقيق مع المعتقل أو معاقبته أو الإفراج عنه. الأمر الذي يخالف بعض فقرات الدستور السوري نفسه ويخالف تطبيق المعاهدات الدولية التي وقعت عليها سورية(14).

3 ـ التحقيق:

في النص القديم: “استخدام وسائل اعتيادية وعدم التعذيب ومن أقر على نفسه فإن إقراره لا يؤخذ به”.

في النص الحديث: “عدم التعرض للتعذيب”.

لقد تفنن الجلادون في استخدام أساليب التعذيب أثناء التحقيق وزاوجوا بين الأساليب القديمة والتقليدية وبين التقنيات الجديدة. إن أشكال وأساليب التعذيب لم تعد سراً وهي منشورة في الكثير من تقارير المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان. بالنتيجة، أدى التعذيب أثناء التحقيق إلى الموت أو إلحاق أضرار جسدية أو عقلية دائمة بالسجين، وفي أحسن الأحوال أدى إلى أضرار جسدية ونفسية مؤقتة. كان التعذيب في كثير من الأحوال لا يستهدف الحصول على المعلومات فقط، بل الانتقام الشخصي والسياسي. إن استخدام التعذيب لا يتعارض فقط مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(15) بل حتى مع القانون السوري نفسه(16).

يمكن القول أخيراً أن القاضي أبو يوسف وضع يده على جانب هام في التحقيق مع السجناء: فكثيراً ما يقر السجين على نفسه ليتخلص من التعذيب الفظ، مع العلم أن هذا الإقرار يستخدم ضده فيما بعد وتطبق العقوبة عليه ولا يؤخذ بالاعتبار أنه اعترف بالإكراه أو تحت الضغط المادي أو النفسي. إن من ينكر اعترافه المنتزع من قبل الأجهزة الأمنية يتعرض لتعذيب جديد تأمر به المحكمة الميدانية حتى الإقرار. كما وتتجاهل محكمة أمن الدولة شكوى المتهم من أن اعترافه أخذ تحت التعذيب وتعتمد بشكل أساسي على التحقيق الذي أجرته الأجهزة الأمنية.

4 ـ التعامل مع السجناء:

في النص القديم: “منع ضرب السجناء”.

في النص الحديث: “عدم المعاملة السيئة أو المهينة وعدم الوضع في زنزانة مظلمة أو الجمع بين العزل الانفرادي وأي نوع من العقوبات التأديبية الأخرى”(17).

إن استمرار التعذيب في السجون لأغراض انتقامية ولإرهاب السجناء والمجتمع هو أمر مألوف في سوريا. ومن التقارير العديدة للمنظمات الدولية نعرض مقتطفاً من تقرير لمنظمة العفو الدولية(18): “نتيجة لإساءة معاملة السجناء بشكل مستمر، فإن أكثرهم في سجن تدمر يعانون بشكل متكرر من تورم الأيدي والأقدام والعيون والوجوه، ومن تسلخ الجلد، ولاسيما الظهر، ومن تكسر الأسنان، ونوبات الإغماء، و أن حالتهم النفسية متدهورة جداً، نتيجة تعرضهم لمثل هذه المعاملة، وبسبب مشاهدة الآخرين أثناء تعرضهم للمعاملة السيئة، أو سماع صراخهم، وعلاوة على تعذيب السجناء السياسيين، وإساءة معاملتهم بشكل دائم، فإنهم يعذبون أيضاً بهدف إرغامهم على التوقيع على بيانات يتنكرون فيها لانتماءاتهم السياسية، ويعلنون تأييدهم لنظام الحكم”.

إن الذين مروا على سجن تدمر يعرفون أن الأمر أسوأ بكثير مما يأتي على ذكره هذا التقرير. فقد أصبحت إهانة السجين وتشويهه متعة السجانين من الشباب الطائشين المغرورين بقوتهم العضلية والتي وجدوا مجالاً لتجريبها على أكياس من لحم ودم بدل أكياس الرمل. فهم من جملة ما يفعلون: يتنافسون في أسرع طريقة لقلع عين السجين بضربة سوط، ويتسلون في مرجحة السجين وإلقائه في الهواء ليسقط على الأرض ميتاً أو مشلولاً أو مكسوراً.

هناك حكايات أغرب من الخيال عن طرق التعذيب والإهانات التي يتبعها السجانون في سجن تدمر خاصة وفي بعض فروع الأمن. ومن ناقل القول أن هناك تعارضا بين التعذيب وبين القانون السوري والأعراف العالمية..

نشر أحد المحامين السوريين منذ فترة دراسة هامة تعرض فيها لما أسماه القانون السري الممنوع نشره. هذا القانون يمنع القضاء السوري من النظر في جرائم القتل والتعذيب التي يرتكبها رجال الأمن والمخابرات(19). وذلك بانتهاك القواعد الدستورية والقانونية التي تحمي المواطن من اعتداءات السلطة، وكذلك بانتهاك لوائح حقوق الإنسان المعروفة والمعاهدات التي وقعت عليها الحكومة السورية. مما يشرّع للتعذيب، سواء في مرحلة التحقيق أو بعد ذلك في السجن ويحمى الجلادين من أية مراقبة أو محاسبة ويهدر دم السجناء الموقوفين. فتصبح حياتهم تحت رحمة أهواء وتقلبات عناصر الأمن والشرطة العسكرية.

5 ـ الصحة:

في النص القديم: لا يوجد تناول مباشر للموضوع.

في النص الحديث: “قسم أثينا”، يتعهد فيه الأطباء “على العمل على توفير أفضل رعاية لصحة المحبوسين في السجن مهما كانت الأسباب بدون تحامل مسبق وفي إطار احترام الأخلاق المهينة نعترف للمسجونين بالحق في الحصول على أفضل رعاية صحية ممكنة”(20).

الرعاية الصحية سيئة عموماً في الفروع والسجون وحتى في أفضل السجون العسكرية كسجن صيدنايا. لكن غالباً ما يرجع الفضل في تحسن صحة السجناء إلى جهود الأطباء من المساجين أنفسهم وللسجناء الذين يدفعون ثمن الدواء ويتحملون كلفة معالجة الأسنان. كما وتتوفر إمكانية لمراجعة أطباء اختصاصيين في المشفى ولإجراء عمليات جراحية.

أما في سجن تدمر، فإن الرعاية الصحية سيئة جداً. فتنتشر الأمراض المعدية كالسل والأمراض الجلدية بشكل واسع ويخضع عرض السجناء على الطبيب إلى مزاج مدير السجن أو مساعد الانضباط أو الرقيب... أما الطبيب فهو غالباً ليس اختصاصياً وعديم الخبرة. وبسبب التعبئة السياسية المتحيزة ضد السجين، يتعامل بعض الأطباء كجلادين وينسون شرف مهنتهم. وفي أحسن الأحوال يحسون بعجز عن تقديم خدمات حقيقية للسجناء بسبب سلوك الإدارة الخاضع للاعتبارات الأمنية قبل الإنسانية، كذلك بسبب الوضع المزري للسجناء. فكيف يشفى مرضى السل الذين —يعزلون في باحة مخصصة لهم، إذا كان نصيبهم الغذائي غير كافٍ والهواء الذي يتنفسونه فاسد ونادراً ما يرون الشمس، بينما يتعرضون للتعذيب الجسدي بشكل مستمر؟

6 ـ المعيشة:

في النص القديم: “تخصيص مبالغ للذين لا يملكون مصدراً للعيش”. و”تأمين الكسوة”.

في النص الحديث: “نظافة الملبس والقيمة الغذائية الكافية في وجبات الطعام وماء الشرب الصالح”(21).

في سوريا، حتى في أفضل السجون، الطعام سيء كماً ونوعا، وغالباً ما تسرق مخصصات السجناء أو تهدر. وإذا كان الفطور في سجن صيدنايا هو بيضة واحدة للشخص، فإنه في سجن تدمر ربع بيضة أو أقل. فالتعلق بالحياة يجعل المساجين هناك يسحقون قشور البيض ليستفيدوا من الكلس الموجود فيها، كذلك يأكلون ما يمكن أكله من العظام وأطرافها. ولا يكتفي جلادوا تدمر بذلك، بل يعتبرون تقديم وجبات الطعام مناسبة إضافية لإذلال السجناء كأن يدوسوا الطعام المقدم للسجناء بأحذيتهم. في حين أن الإنسان السليم عندما يطعم كلباً يترك له من اللحم على العظم أكثر مما يتركه السجانون. كذلك من الأحداث التي لا تفارق ذاكرتي إجبار أحد السجناء على ابتلاع فأرة اصطادها السجانون.

أما حالة الملبس فهي مزرية تماماً، ونادراً ما قدّم اللباس للمساجين. في سجن تدمر، تتم الاستفادة من ملابس الشخص الذاهب إلى الإعدام الذي يذهب عادة بأقل ما يمكن من الملابس ليستفيد زملاؤه من بقايا ملابسه المرقعة أو المهترئة أصلاً.

7 ـ العائلة:

النص القديم: لم يتناول الموضوع.

النص الحديث: “الحق في احترام الحياة العائلية”.

من نافل القول أن إدارات السجون والفروع لا تهتم بهذا الجانب إطلاقاً. بل على العكس تسعى الأجهزة الأمنية للإيقاع بين السجين وأهله بتلفيق اتهامات للسجين وتشويه سمعته أمام عائلته وتحميله مسؤولية وجوده في السجن. كما وتقوم الإدارات بذلك عندما تستدعي الأهالي الذين يحاولون زيارة ابنهم.

8 ـ حرية الاعتقاد:

النص القديم: لم يتناول الموضوع.

النص الحديث: “الحق في حرية الدين والمعتقد”.

لا يحق للسجين في بلدنا أداء شعائره الدينية، وإذا أداها فهو يفعل ذلك سراً. أما غير المؤمن، فلا يستطيع البوح بأفكاره العامة أو مواقفه السياسية، وإذا قام بذلك تطبق العقوبات بحقه. مثلاً، في شهر رمضان تقدم الوجبات وفقا للنظام العسكري في أوقات السحور والفطور، الأمر الذي يعني أن الدولة تقر بحق الصيام، لكن المؤمنين الذين يريدون الصوم، والصلاة خاصة، يتلقون عقوبات في سجن تدمر والفروع. أما في سجن صيدنايا، فقد اختلف الأمر ولم يتعرض المؤمنون إلا لضغوطات بسيطة حيث يجب عليهم فقط عدم الصلاة بشكل جماعي أو في أوقات التفقد اليومي.

9 ـ الطائفية:

النص القديم لم يتعرض للأمر.

النص الحديث: “عدم التعرض للتمييز والتفرقة من أي نوع كانت قومية أو اثنية أو طائفية أو جنسية أو دينية”.

في سوريا تبتز السلطة وتتهم كل من يتحدث عن الطائفية بأنه يثير النعرة الطائفية والتفتيتية في البلد. إن هذا الاتهام الاستباقي لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً. فثمة فرق كبير بين إثارة المشكلة باعتبار أن سوريا تعاني منها، فيتحدث عنها الناس تلميحاً وتصريحاً عندما يطمئنون إلى أن كلامهم لن يجرّ عليهم الاستدعاء أو الاعتقال أو التحويل إلى المحاكمة، وبين الطرح الطائفي المعارض. أكثر من ذلك، يمكن القول أن السلطة تتحمل مسؤولية وجود الوعي الطائفي المقابل. والمشكلة التي كانت محطتها الهامة طائفة رئيس الجمهورية تمتد لتعم توظيف الطائفية. فالنظام اعتمد في أكثر المفاصل العسكرية والأمنية على ضباط وعناصر من الطائفة العلوية، كذلك كانت تركيبة الأجهزة الخاصة كسرايا الدفاع والحرس الجمهوري. إن تفهّم المسألة الطائفية لا يعني القبول برد الفعل الطائفي ولا بالممارسة الطائفية النقيضة. ونحن في سورية نحتاج إلى عمل هادئ وسلمي وجدي لتجاوز هذه المسألة عبر تعديل الصورة القديمة تدريجياً.

إن السؤال هو كيف يمكن للسجين من غير الطائفة العلوية أن يقتنع بعدم طائفية السلطة حين يجد أن مدراء سجون تدمر وصيدنايا والمزة، كلهم من الطائفة العلوية، منذ أكثر من عشرين عاماً، باستثناء مدير قديم لسجن المزة (الذي أغلق). أليس من مغزى في كون معظم مساعدي الانضباط والرقباء من العلويين؟ إدارة من هذا النوع هي التي ساعدت سرايا الدفاع بتنفيذ مجزرة تدمر التي يقدر عدد ضحاياها بين 600 إلى 1000 قتيل. إن المحقق العلوي والعنصر العلوي الذي يأمر بالتعذيب ويمارسه غير قادر على تنحية الشحن الطائفي الذي عبأته به السلطة باعتبارها الحامية لوجوده من خطر “الإخوان المسلمين”. وهذه التعبئة لابد أن تؤثر على مشاعره واللاوعي لديه بالنظر لتربيته وثقافته. من هنا أود أن أنبّه إلى نقطتين:

الأولى، أن أبناء طائفة الأغلبية الموجودين في هذه الأجهزة هم غالباً مأمورين ومنفذين كما ويشعرون أن ولاءهم مطعون به. لذلك يلجأ بعضهم إلى التشدد في تنفيذ الأوامر ليأمنوا عدم اتهامهم بالتعاطف مع أبناء طائفتهم.

النقطة الثانية، أن العاملين في الأجهزة الأمنية والعسكرية من أبناء الطائفة العلوية لا يبدون الحماس نفسه في مواجهة القوى العلمانية المعارضة، خاصة وأنه يوجد فيها عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية وطوائف الأقليات الأخرى.

للإحاطة بموضوع السجناء، لابد من إفراد بعض المعالجات التكميلية:

اعتقال وسجن الأحداث: يوضع الأحداث الذين يرتكبون انتهاكات للقانون عادة في إصلاحيات خاصة، تطبق عليهم اعتبارات قانونية خاصة. أما في سجن تدمر، لم تراع هذه الاعتبارات وخضع تقدير جرم الحدث لمزاج المحكمة الميدانية التي يتهمها بعض السجناء بأنها كبّرت عمر بعض الأحداث لترسلهم إلى المشنقة.

المرأة السجينة: في السجن، يجد رجل السلطة الشرقي، الفاسد، المجال مفسوحاً أمامه لممارسة كل السلوكات المتناقضة للرجل الجائع جنسياً أو الذي لا يشبع رغبته مع زوجته أو الذي تلقى تربية جنسية مشوهة... ولنبدأ من الاعتقال، فنادراً ما احترمت خصوصية البيوت ووجود النساء فيها(22). وإذا تمت هذه المراعاة، فالسلوك فردي وأخلاقي قد لا ينسجم مع التنفيذ العاجل والمباغت لمهمة الاعتقال والمداهمة..

فغالباً ما طال الاعتقال النساء بصفتهن رهائن أو قريبات للمعتقلين أو الفارين، ولم يأخذ بالاعتبار كون المرأة حاملاً أو في حالة النفاس. وعند مداهمة مدينة حماة استبيحت نساؤها وقتل أطفالها.

في التحقيق تخضع المرأة، بالإضافة إلى أساليب التعذيب العامة، لتعذيب يتعلق بجنسها. فقد كانت تتم تعرية النساء وتعذيبهن وتهديدهن بالاغتصاب بل وممارسته فعلاً، في بعض الأحيان، وفقاً لرواية بعض السجينات. كذلك تعليقهن واستخدام الكي على الأرجل والأفخاذ، وإطفاء السجائر في المناطق الحساسة في جسم المرأة، واستخدام الكهرباء أيضاً في هذه الأماكن، وإجبار الأقرباء (الأب، الأخ، الزوج) على التفرّج على تعذيب قريباتهم للضغط عليهم.

إن الحذر من عدم دقة أو مبالغة بعض السجناء يتطلب التحفظ، بانتظار القبول بنتائج تحقيق تجريه جهات محايدةـ علماً أنه لا يبدو أن السلطات يمكن أن تقبل بذلكـ من أجل تحديد حجم الخروقات الفعلية والمسؤولين عنها. وتحديد مستوى المسؤولية الذي تقف عنده التوجيهات التي يعمل العناصر بها وحجم ودور المسؤولية الفردية في هذه الانتهاكات. وهو أمر شائك فعلاً.

السجناء من أبناء الجنسيات العربية الأخرى: إن اعتقال أعداد كبيرة من الفلسطينيين بسبب خلاف سياسي مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد تجاوز خصوصية المسألة الفلسطينية. وحيث أن هذه الإعتقالات تشن باسم الدولة السورية، التي يفترض تمثيلها للشعب السوري، فهي تساهم في تكريس حساسية قطرية تتنافى مع الخطاب القومي وتحمل الشعب السوري مسؤولية يجب أن لا يتحملها. فإذا كنا لا نرغب بإكراه الشعب السوري، فمن باب أولى أن لا نرغب بإكراه الشعب الفلسطيني بسبب خلافات سياسية. وهذا ما يهمنا من الأمر بعد أن تم إطلاق أغلب الفلسطينيين الموجودين في السجون السورية.

الأمر نفسه ينطبق على اللبنانيين، الذين أطلق معظمهم نهاية العام الماضي. لكن الخلاف لا يزال قائماً مع أهالي المعتقلين اللبنانيين حول مصير الآخرين الذين لم يطلق سراحهم. فرغم اعتراف النظام السوري بسيادة الدولة اللبنانية، مارس اعتقال اللبنانيين من أغلب التوجهات السياسية ومن أبناء كافة الطوائف وأخضعهم إلى محاكمات عسكرية صورية. الأمر الذي يسيء أيضاً إلى سمعة الشعب السوري وعلاقته التاريخية بالشعب اللبناني، ناهيك عن تناقضه مع الأعراف الدولية. إن تصحيح العلاقة مع الشعب اللبناني يجب أن يمر بالاعتراف بالانتهاكات التي مورست ضده عموماً، وخصوصاً في موضوع السجناء.

في دراستنا لأوضاع السجناء يلاحظ تجاهلنا لمرجعية الدستور السوري، الذي لم يشكل في أية فترة في سورية، في الثلاثين سنة الأخيرة، نصاً يمكن الاحتكام إليه. إن القوانين الاستثنائية التي يعمل بها والممارسة غير معنيين كلاهما بمدى الانسجام مع الدستور الذي يشكو هو نفسه من تناقضات عديدة ويحتاج إلى إضافات وتعديلات من أهمها: اعتبار العهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ذات مرجعية أقوى من القوانين المحلية.

1 ـ آثار السجن الاجتماعية والنفسية على السجين:

بعد استعراض أوضاع السجناء ننتقل إلى الآثار التي رتبتها هذه المعاناة بالمعاني الاجتماعيةـالنفسيةـ الجنسية على من بقي منهم على قيد الحياة في السجن أو خارج السجن.

في دراسة (لا يتوفر لدي مرجعها، قرأتها في السجن) أجريت تجربة على مجموعة فئران وضعت في حيّز أصغر من الحيّز الذي تختاره عادة لحركتها، وتمت مراقبة سلوكها. من النتائج التي رصدت: ـعصبية وانفعالية واضحة عندهم ناتجة عن ازدحام المكان، ـلجوء الفئران إلى ممارسة الشذوذ الجنسي.

إن تعقيد الجهاز العصبي والدماغي للإنسان يولد معاناة أكبر من معاناة الفئران. السجن هو تلك الغولة التي أكلت الأولاد، كما تقول حسيبة عبد الرحمن في روايتها “الشرنقة”، “ما الذي تغير بالأولاد يا أمي بعد أن أمضوا زمناً في جوف الغولة.. وبعد أن مصت دماءهم..؟؟!”(23).

منذ عدة أشهر، سمعت القصة التالية: جارة تسأل جارتها ـكيف هو حال ابنك الخارج من السجن؟ ـإنشاء الله، ما عم يخربط. وعندما استفسرت الأخيرة أجابتها الأولى أن قريبها الذي أمضى فترة طويلة في السجن “وضعه صعب ومو نفعان”..

إن الخبرات التي يمر بها الفرد تترك أثرها على تكوينه العقلي والنفسي وتظهرها تصرفاته وسلوكاته بشكل واضح. سمعنا عن أشخاص انتحروا بعد مغادرة السجن. لنفترض هنا وجود استعداد مسبق لدى هؤلاء الأشخاص، لكن مع ذلك، لا يمكن نفي دور السجن في إيصال الشخصية إلى حالة التأزم التي قد لا تكون حتمية في منحى تطور الشخصية. وبغض النظر عن الحالات الخاصة، سنقدم بعض الأمثلة المستقاة من الواقع، حيث نعتقد أن المتابعة والبحث في موضوع كهذا في مناخٍ من الحرية سيقدمان نتائج تدعو للتأمل والتعميق.

هالة(24): الخوف من اللون الأحمر، الخوف من الاعتداء (بعد محاولة اعتداء عليها)، محاولة انتحار، الخوف من الإعدام، صدمة نفسية أفقدتها القدرة على الكلام.

أبو زكريا(25): دكتوراه جيولوجيا، لامع علمياً، قلع له أحد السجانين عينه بالسوط، لا يزال يقتنع أن عينه ستشفى، قدم من تدمر، يحمل نزعة الخوف الغريزية بشكل حاد، انطوائي، يجلس ووجهه إلى الحائط، يغطي رأسه ووجهه. بصعوبة وبرعاية صحية واجتماعية تحسن وضعه قليلاً، لكن الحالة الفصامية لا تزال واضحة عنده، وهو لا يزال يعاني من هلوسات ملاحقة وخوف... يحتاج إلى رعاية وغير قادر على خدمة نفسه... أعيد إلى تدمر بعد بقائه عدة أشهر في صيدنايا للمعالجة الطبية ثم لم أعد أعرف عنه شيئاً.

س(26) شخص ريفي يعاني من حالة فصامية، يعتقد أن الجميع يتناولونه بشكل سيء، يتحول أحياناً إلى عدواني، الدواء أوقف تدهور حالته في السجن. أفرج عنه، لكن لا أعرف ما هو وضعه الآن خارجه.

لقد شاهدت وسمعت عن حالات لم يعد لديها أي أثر للتوازن الشخصي والنفسي، لدرجة أن الإدارة كانت مضطرة لعزلها. كما أن بعض الشخصيات التي اضطربت بشكل كبير تم قتلها بعد التعذيب في تدمر.

إذا أردنا الخوض في الآثار الاجتماعية والنفسية التي لا تطيح بالشخصية، بل تبقيها في حدود التغيرات القابلة للإصلاح، أو في حدود إمكانية التكيف من جديد مع المجتمع، فستشمل المعاناة أعداداً كبيرة جداً. بحيث أن معظم الخارجين من السجن بحاجة لإعادة تأهيل نفسي واجتماعي. لكن السلطات لا تفعل شيئاً في هذا المجال بل، وبتطبيقها عقوبة الحرمان من الحقوق المدنية، قانونياً أو فعلياً (دون وجود حكم)، فهي تضيق الخناق على السجناء في مجالات الحياة والعمل والسفر. كما أنها من جهة أخرى، لا تفسح المجال للمنظمات الدولية المختصة لمتابعة أوضاع هؤلاء السجناء ومساعدتهم.

بالرغم من أن الاصطفاء الطبيعي فعل فعله خلال سنوات طويلة، ولم يبقِ إلا على أصحاب البنى الأقوى جسدياً ونفسياً، فإن السجين غالباً ما يكون بحاجة إلى رعاية صحية ونفسية. حيث تشمل قائمة التشوهات النفسية والاجتماعية: توهم المرض، الكآبة، الانطواء، التماهي بالمتسلط، كوابيس الملاحقة، العدوانية، الأنانية، أحلام اليقظة، الخ.

إن الانقطاع عن رؤية الأبناء ونمو هؤلاء بغياب أحد الأبوين، وأحياناً كليهما، يولد معاناة مريرة عند الطرفين. تقول إحدى بطلات رواية الشرنقة من السجينات عن ابنتها: “ما كان ينقص سوى وجه ابنتي الحزينة، عيناها الدامعتان المعاتبتان، كلمات تقرأ خلف كلمات، لماذا هربت مني وتركتني وحيدة.. كلمتها كثيراً اقتنعت أم لا؟ لا أدري. لم ترد أو تبد حركة، كلمة، عاقبتني بلا مبالاتها ورحلت”(27).

أما الغياب عن الأهل فلا يقلّ مرارة. تقول هبة الدباغ في سيرتها الذاتية “كانت لوعة مفارقتي أهلي ومفارقتهم لي أول غصة.. ولم تنفصل صورتي وينأى جسدي عنهم إلا بقوة قوي.. لكن هذا البون المؤقت والفراق المقرر أتبعه غياب قسري قاهر قذف بي في أعماق الظلام وسجن الظلام. ومضى بأكثرهم فانتزعهم من دنيا الشقاء إلى مستقر رحمة الرؤوف الرحيم.. ومشط بالبقية في أصقاع الأرض وصقيع الاغتراب.. فتكدرت الصورة.. وأظلمت الدنيا.. وذوت زهور الأمل من قبل أن تعقد الثمار.. وأنا في غياهب السجون رهينة عن أخي الناشط سياسيا”(28).

بما يخص معاناة السجناء الجنسية، ففي رواية “الغريب” لالبير كامو يحس بطل الرواية بعد بضعة أيام من توقيفه بضغط الحاجة الجنسية الشديد ويسأل السجان الذي يخبره بدوره أن الجميع يشعرون بذلك. لا يزال الخوض في هذا الموضوع المحرم شائكاً، فالخوف من المجتمع لا يسمح بتعامل صريح وواضح معه. لكن حضوره قوي وتأثيره في الشخصية لا يمكن تجاهله مهما تعقدت آليات تأثيره. “إن الطاقة الجنسية التي تعجز عن أيجاد وسيلة لتفريغ شحنتها مباشرة أو بطريقة التسامي ستجد متنفساً لها في التوتر والقلق والأمراض العصابية”(29).

إن معاناة السجناء السياسيين والقضائيين(30) لا يمكن تجاهلها. ورغم الانطباع السائد أن حدة المشكلة هي أقل عند السياسيين بسبب ارتفاع مستوى الوعي والثقافة نسبياً، لكن الخلاف على الأغلب يكون، ليس في حدة المعاناة، بل في أشكال تأثيرها وأنماط السلوك المترتبة عليها.

يهمنا هنا أن نبين دور السجن في دفع السجين إلى ممارسات سلوكات لا تعبر بالضرورة عن وجود استعداد مسبق لديه. ففي الفروع وفي سجن تدمر، ينام السجناء متلاصقين حسب طريقة “التسييف” (أي ينام الشخص على جنبه في عرض لا يتجاوز 30 سم). ولتسهيل النوم، يتم تبادل مواقع الرؤوس والأقدام للاستفادة من المسافة المتاحة بشكل أفضل. إن وجود نسبة كبيرة من الفئات العمرية الشابة، وحالة الحرمان الجنسي، ووجود ضغط نفسي ناجم عن الضرب والتعذيب، وقلة الطعام، وإمكانية الموت أو التشوه في كل لحظة، كل ذلك يدفع إلى تلبية أو محاولة تلبية الرغبة الجنسية بأشكال متنوعة كاملة أو جزئية. ذلك رغم تطبيق الإدارات، التي تنصب نفسها الحارس الأمين على الأخلاق، عقوبة شديدة على الذين يكتشفون وهم يمارسون أحد أشكال تلبية الرغبة.

2 ـ مضاعفات السجن على العائلة والمجتمع:

ليس السجناء وحدهم هم الذين يدفعون الثمن. فمرة أخرى يخرق النظام ـ مثله مثل كل الأنظمة الشمولية ـ القاعدة المتعلقة بفردانية العقوبة. إن اعتقال أي فرد من أفراد العائلة يضع العائلة كلها موضع شبهة، حيث عادة تدافع السلطات عن ذلك بكون المجتمع التقليدي يزيد من فرص التأثير العائلي. إن هذا المنطق صحيح نسبياً، لكن لا يمكن تعميمه. فمهما كانت درجة صحته، إنه لا يبرر الخروج عن قاعدة فردانية العقوبة... هذا النمط من التعامل، دفع الكثيرين من أهالي المعتقلين، خاصة الشباب منهم، إلى الهجرة الشرعية قبل أن توضع أسماؤهم على قائمة الممنوعين من السفر، أو إلى الهجرة غير الشرعية(31). فلا أحد يعلم متى يخطر لهذا الجهاز الأمني أو ذاك أن يقرر توقيف أحد أقارب الموقوفين أو الملاحقين. كذلك، بين فترة وأخرى يتم استدعاء أقارب المعتقلين وتهديدهم والطلب إليهم تقديم معلومات عن ابنهم الملاحق أو عن أصدقاء ومعارف ابنهم الموقوف، حتى أنهم يحاولون الاستفادة من صدق الأطفال في الإدلاء بالمعلومات.

إن المعاناة الأكثر أذية لأهالي المعتقلين هي اتخاذهم كرهائن. فقد تم الاحتفاظ بزوجات أو آباء أو أمهات أو أخوة أو أخوات أو أقارب الأشخاص المطلوبين لفترات غير قصيرة. ولم تبدأ هذه الظاهرة في التقلص إلا بدءاً من عام 1991. يكون أحياناً الرهائن عائلة بكاملها. لقد صادفت في السجن والد أحد الفارين وشقيقه وزوج أخته، وعرفت منهم أن والدته كانت موقوفة أيضاً.

في سياق التحقيق، يملأ الموقوف استمارة طويلة مفصلة تتضمن، ليس فقط أسم الأب والأم والأخوة والأخوات، بل والأعمام والأخوال والعمات والخالات وزوجاتهم وأزواجهن، أضف لذلك الأصدقاء والمعارف. إن وجود مثل هذه الاستمارة هو الذي يفسر الصدمة التي تحصل لأحد أقارب أو معارف الموقوفين أو الملاحقين عندما يفاجأ بأنه ممنوع من السفر أو التوظيف أو الترفيع أو التطوع بالجيش.. لقد كانت العقوبة الجماعية إحدى الأشكال الهامة لتطويع المجتمع السوري وتدجينه، ولم ينج منها حتى بعض المنتمين إلى حزب النظام وأجهزته. لقد نجحت العقوبة الجماعية، مع أشكال العسف الأخرى، في تغيير جذري لبنية المجتمع السوري المعروف سابقاً باهتمامه الواسع بالعمل السياسي وبالشأن العام.

بالإضافة إلى ما سبق وذكرناه عن إمكانية ابتزاز أهالي الموقوفين مادياً من قبل عناصر وعملاء الأجهزة بشكل مباشر أو غير مباشر، فهؤلاء الأهالي يتحملون، عندما يسمح لهم بزيارة الموقوف أو السجين، عبئاً مادياً باهظاً لمده بالمال والملابس والطعام ولوازم النوم (فرش، بطانيات، شراشف) التي لا تؤمنها إدارة السجن إلا بشكل محدد. ويتكفل التضامن الاجتماعي بتغطية حاجات السجناء المقطوعين عن أهلهم أو الفقراء منهم.

إن المتضرر الأكبر من الأهالي هن زوجات السجناء. ففي حين أن القانون يسمح للمرأة بطلب الطلاق من زوجها الغائب لفترة تزيد عن السنتين، فهي غالباً لا تفضل هذا الخيار لأسباب منفردة أو مجتمعة منها:

1 ـ مشاركتها لزوجها في القناعة بعدالة قضيته. لكن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة يخلّف تأثيرات هامة على الأسرة. (إن امتداد فترة السجن لمدة عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً شيء مألوف في سوريا، وهناك من جاوز 28 عاماً. ترى ماذا كانت ستقول السيدة عائشة، زوجة النبي، التي كانت تعتبر أن الرجل يجب أن لا يغيب عن زوجته أكثر من ثلاثة أشهر؟)

نظراً لبنية المجتمع من الناحية الاجتماعية التقليدية، تصبح المرأة في حالة حصار حقيقي وفي موضع اتهام وملاحقة ومطاردة من الغير. كما أنها من الناحية المادية قد لا تتوفر لها فرصة عمل مناسبة لتأمين لقمة العيش الكريم ما لم تكن تتمتع بكفاءة مهنية.

2 ـ قد تختار المرأة البقاء على عصمة زوجها بسبب وجود الأولاد، وهذا أيضاً يحملها عبئاً مادياً ونفسياً كبيراً.

غالباً ما ساهمت بنية المجتمع التقليدية (الأقارب) بحماية المرأة وتقديم الدعم المادي لها. ولأن حالة الاعتقال والسجن في سوريا غير قانونية، والأهل غير قادرين على التأكد من أن السجين على قيد الحياة أو أنه أعدم أو مات في السجن، فإنهم يضغطون على المرأة لتطليقها وتزويجها ثانية ستراً لها أو من أجل أطفالها. وغالباً ما يختارون شقيق زوجها ليربي أطفال ابن أخيه.

في المحصلة ومهما كان خيار الزوجة، فهي تعاني من اضطرابات نفسية، كالكآبة، مثلاً، أو من اضطرابات وأعراض جسدية ـ نفسية المنشأ ناجمة عن صعوبات مواجهة الحياة، وحيدة في غياب زوجها في ظروف مجتمعاتنا حيث العقلية الذكورية هي السائدة.

الوالدين من كبار السن كانا ضحية أيضاً. فافتقادهم لأبنائهم الشباب الذين اعتقلوا بطرق مفاجئة ومرعبة سبب للكثيرين منهم زيادة في شدة الحالة المرضية أو في حدوث صدمات مفاجئة، وبالنتيجة حدوث وفاة قبل أوانها نتيجة الضغوط النفسية.

الأطفال كذلك هم ضحايا نموذجيين للاعتقال غير القانوني بلا منازع. فبالإضافة إلى العوز المادي الذي يسببه غياب الأب، ينمو الولد ويكبر على نمط تربوي مشوه انطلاقاً من اعتماده على وجود الأم وحدها. مما يدفع لقيام علاقة بين الأم وأطفالها غير طبيعية، من تعبيراتها نكران الأولاد للأب وعدم ارتباطهم به رغم جهود الأم المضنية أحياناً لتذكير الولد بوجود أبيه. وحتى عندما يخرج الأب من السجن، قد يجد قسوة في معاملة طفله له، حيث أنه لم يعتد على وجوده في المنزل ويعتبر وضعه السابق سبب خذلانه أمام أصدقائه الأطفال الذي يسألونه عن مكان وجود أبيه وعمله والهدايا التي يقدمها له... ويكبر الأطفال ويتعمق لديهم هذا الشعور بفقدان الرعاية المعنوية والمادية التي يتمتع بها آخرون غيرهم. وهكذا يصبح الأب السجين ـالضحية ظالماً بدوره.

يشكو الكثيرون في السنوات الأخيرة من أن المجتمع السوري يعاني من ازدياد ظاهرة الفردية وتراجع التكافل الاجتماعي. وهي مظاهر يتباهى بها عادة المجتمع التقليدي ويعتبر انحسارها في المجتمعات الغربية علامة سلبية ضده. كذلك ازدادت ظواهر التدين غير السياسي أو التظاهر بالتدين، بما يوفره ذلك للإنسان من راحة واطمئنان وسمعة اجتماعية طيبة. كل ذلك يترافق مع ظواهر الفساد والانحراف الاجتماعي والأخلاقي وغيره الآخذة بالاستشراء.

ظاهرة التدين هذه وإن كانت أساساً حصيلة بيئة اجتماعية واقتصادية وثقافية فهي أيضاً بعلاقة مع القمع والسجن. فالسلطة توحي للفرد بأن يفعل ما يريد بشرط أن يبتعد عن السياسة. مما جعل المجتمع ينفضّ عن التنظيمات السياسية والثقافية ويهتم بتحقيق الحد الأدنى من معيشته في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة. والمؤسف أنه يحاول تحقيق ذلك بكل الوسائل الممكنة، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية والقانونية. إن كل ما يمكن اعتباره مخالفات قانونية، خارج موضوع المعارضة السياسية، يمكن حله بالرشوة أو بالواسطة، وفي أقصى الحالات تمضية بضعة أشهر في السجن.

من المفارقات المعبرة أن أصحاب المخالفات الاقتصادية الكبيرة يشفقون على السياسيين بسبب تعقد وضعهم. وهناك طرفة معروفة عن دخول سجين أحد المهاجع في فرع الأمن حيث شرع يسأل الآخرين عن تهمهم ويسمع أجوبتهم التي تتلخص بكونهم سياسيين من حزب كذا وكذا.. عندها هرع يدق باب المهجع بشدة وينادي السجان قائلاً له “دخيلك أنا لوطي، لا تضعني مع هؤلاء السياسيين”.

عندما خرجت من السجن لاحظت أن أغلبية أقاربي يتعمدون عدم ذكر أنني كنت في السجن وكانوا يقولون لأولادهم أني كنت مسافراً وعدت من السفر. صديق لي، سجين قديم من اتجاه محافظ، اتصلت به هاتفياً بعد خروجي من السجن أستعيد ذكرياتي معه، معتبراً أنه ليس عندي ما أخفيه، فبدأ يغير الحديث ذاكراً أننا كنا معاً في سويسرا. وهذا التبديل لا يخلو من دلالة مثلما لا يخلو من الدلالة اختيار اسم هذا البلد.

صديق آخر، زميل دراسة جامعية، سأل عني فأخبروه أنني كنت في البرازيل وعدت حديثاً، (يلجأ الناس إلى ذلك المكان البعيد ليشيروا به إلى السجن) فلم ينتبه إلى المراد به، وعندما التقيته سألني عن المدينة التي كنت فيها وعما إذا كنت قد كونت ثروة بعد هذه السنوات الطويلة.

إذا كنا نستطيع أن نفهم لماذا تغيّب السلطات قضية السجن والسجناء، فماذا يعني هذا التغييب المقصود لقضية السجناء المختلفي الاتجاهات الإيديولوجية، من قبل الناس العاديين؟.

1 ـ ثمة عامل خوف تعزز في الوجدان الجماعي للناس نتيجة المعاناة التي عاشوها أو سمعوا بها. وهو ما يفسر سبب بقاء غالبية المجتمع بعيدة عن حركة المطالبة بجو من الديمقراطية والحريات، التي يقودها عموماً المثقفون والذين أدركوا أن هامشاً ضيقاً قد فتح بعد وفاة الرئيس الأسبق، وإن عاد هذا الهامش للتضييق.

2 ـ هناك صعوبة في الفصل بين السجن كمكان للمجرم (القاتل، اللص...الخ) وبين السجن السياسي، وخاصة بالنسبة للأجيال الجديدة. وهذا عائد إلى ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث أن الأطفال لا يتعلمون سوى أن السجين مجرم تلاحقه العدالة الطيبة (الشرطة). فعندما يقدّمني الأقارب لأبنائهم على أنني سجين كيف يمكن أن يشرحوا لهم موقفي وهم لم يتعلموا إلا نشيد الحزب القائد وشعارات الحزب القائد وتعظيم القائد الخالد، الخ...؟(32)

3 ـ الرغبة ذات المنشأ النفسي في نسيان الأمر المرير وطيه في طبقات اللاوعي. ما يسهّل نجاح السلطة في عزل المعارضين عن الناس بسبب شدة القمع ونتائجه الكارثية الاجتماعية والنفسية وبسبب سنوات التغييب القسري لمختلف أشكال المعارضة.

إن كل ما ذكرته عن تأثيرات السجن السلبية على المجتمع لا ينسيني ذلك التعاطف الإنساني الفطري الرائع من قبل أوساط اجتماعية متعددة ومتناقضة الانتماءات الدينية والطائفية والإيديولوجية مع قضية السجناء باعتبارهم مظلومين وباعتبارهم قالوا كلمة حق في وجه سلطان جائر. إنها نقطة البداية التي يجب على المهتمين بالديمقراطية والعدالة الانطلاق منها لتكوين ثقافة حقوق إنسان قد ترتبط عند كل شخص بإيديولوجيته ومعتقداته، لكنها تتعمم لتستقل بذاتها كثقافة حقوق إنسان لازمة وضرورية لوضع مجتمعنا على سكة التطور الإنساني والديمقراطي والسياسي.

ثمة نقطة بداية سياسية أخرى هامة يلحظها المتابع للوضع السياسي، هي أن الخطاب السياسي اليميني أو اليساري أصبح يضع مسألة الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان ضمن أولوياته.

أخيراً، ثمة نقطة بداية يمكن أن تصبح الموضوع الأهم وتعني تحولاً فعلياً على أرض الواقع. هي بداية قبول السلطة بالتعامل مع المنظمات الدولية لحقوق الإنسان وإصدار أوامر بتخفيف الاعتقال التعسفي وتقنين التعذيب وإطلاق سراح القسم الأعظم من السجناء والتغاضي عن نشاط جمعية حقوق الإنسان في سورية رغم عدم الاعتراف القانوني بها والترخيص لها وللأحزاب ولهيئات المجتمع المدني الأخرى.

3 ـ أجهزة الاعتقال والحبس:

“ما تعاظم أحد على من دونه إلا وتصاغر لمن فوقه” (أبو حيان التوحيدي)

إن سلسلة المتعاظمين ـالمتصاغرين التي تنتهي بالسجناء لا تخلو من التشوهات النفسية والاجتماعية بحكم مراتبية عملها وعلاقاتها النفعية والصلاحيات المعطاة لها وإطلاق العنان لها بالعلاقة مع الموقوفين والسجناء.

إن مشاركة شخص ما بالتعذيب أو حتى مشاهدته أو مشاركته في مجزرة جماعية لها تأثيرات جانبية من الصعب أن تغطيها أو أن تمنعها أية تكوينات أو تعبئة ثقافية أو سياسية، كونها تمس بالضبط جوهر علاقة الإنسان بالإنسان. من أبرز الأمثلة التي يتداولها السجناء إقدام أحد السجّانين في تدمر على الانتحار بعد أن كان قد أسهم بشكل فعال في مجزرة تدمر المعروفة وعانى لعدة سنوات من حالة فصامية (توهم أنه مراقب وملاحق، إضافة لأرق وقلق وشعور بعدم الأمان).

إن الرقابة على تداول المعلومات ضمن أوضاع البلد لا تسمح بالمتابعة والتحقق بشكل ملموس من تطور التأثيرات المتوقعة على أجهزة القمع. وإذا صحت الحادثة التي مفادها أن أحد عناصر الشرطة العسكرية في تدمر رفض تنفيذ الأوامر التي وجهت له فقتل فوراً، نستطيع أن نتصور الإكراهات التي تمارس على هذه الأجهزة. فمهما عظمت قدرة السلطة على تعبئة أجهزتها ضد المعارضة، لا بد أن يكتشف بعضهم، وربما الكثيرين منهم، زيف تلك التعبئة ضد اليمين واليسار عندما يصادفون في السجون أقرباء أو أصدقاء أو جيران أو معارف لهم. في الحين الذي يعرفون أن لا مفرّ لهم من الخضوع للأوامر وتنفيذ التعليمات.

“تقدم عنصر مني ـوكأنه عسكري في الخدمةـ ليفحص هويتي، فلما نظر إلى اسمي فيها ثم إلى وجهي اغرورقت عيناه بالدموع، وقال بتأثر وهو يبكي: ـ أنت بنت بلدي والله بيعين. سألته ـلماذا؟ هل هناك شيء؟ أجاب: ـالله بيصبر، ماذا يمكن أن نفعل، الله بيعينك؟ سألته وكأنني أهوي في بئر مظلم: ـلماذا؟ هل أتوا من أجلي؟ قال، وهو يشيح بناظريه عني: ـنعم. وذهب وأعطى الهوية لرئيس الدورية الذي كان ينادي:وهيبة الدباغ”(33).

إن التراخي في تنفيذ العقوبة قد تكون عقوبته كبيرة، وببساطة قد يتحول السجان إلى سجين. فبالإضافة إلى التناقض الذي يعيشه السجان بين ما يحشى به دماغه وبين معرفته الحقيقية وربما قيمه الأخلاقية والاجتماعية، يعيش تناقضاً آخر يكمن في وضعه الاقتصادي الصعب. فالراتب والتعويضات والمكافآت والامتيازات التي يحصل عليها عنصر الأمن، وبدرجة أقل بكثير عنصر الشرطة العسكرية، لا تكفي غالباً للعيش، خاصة في العاصمة، حيث تتواجد الأجهزة بأكبر كثافة. لذلك يستسهل سرقة السجناء أو تقديم خدمات للسجناء مقابل المال، رغم المخاطر التي يتعرض لها إذا كشف.

بين فترة وأخرى نسمع عن فضيحة في سجن أو فرع أمن، والأمر قابل للتكرار والتضاعف بما يصل إلى درجة التأثير على خدمة التوجهات الأمنية ذاتها. وهذا طبيعي، طالما يغيب الوضع القانونيـ المؤسساتي لعملية الاعتقال والسجن ولتعامل هذه الأجهزة، وطالما هي غير خاضعة للمراقبة العلنية وممنوع تناولها في الصحافة. فالصحافة الرسمية تتناول المدراء والوزراء وربما تلمح إلى رئيس الوزراء، لكنها لا تستطيع أن تتناول عنصر أمن واحد، دعك من الضباط ورؤساء الفروع. إن هذه القدسية وهذا التنزيه للأجهزة الأمنية ولّد ظاهرة نشرت عنها الصحافة المحلية نفسها، دون أن تدرك المغزى البعيد لها. فبين فترة وأخرى نسمع عن جريمة أو سرقة ادعى فيها المجرم أو اللص أنه عنصر أمن لينفذ جريمته لأن درجة تهيب رجال الأمن لا تسمح للناس حتى بطلب هوية الشخص الذي يدعي أنه عنصر أمن. وهذا ما يعود بالضرر على سمعة أجهزة الأمن التي هي غير نظيفة أصلاً.

إن ممارسة التعذيب بشكل يومي وإطلاق يد المحقق واعتبار موت الموقوف على يديه أمراً طبيعياً (من المفارقات المرة أن محققاً عوقب بالحبس الانفرادي 48 ساعة لأنه قتل شخصاً تحت التعذيب، ربما لأنهم لم يستنفذوا بعد كل المعلومات الموجودة عنده) أو إعطاء الأوامر للسجان بقتل أحد السجناء (مثلما كان يحصل في سجن تدمر)، كل ذلك لا بد أن يدفع الشخص إما إلى الهرب أو إلى التكيف مع عمله والتحول التدريجي في شخصيته باتجاه السادية كشكل من أشكال التشوه النفسي. وفي أحسن الحالات، تتطور لديه شخصية عصابية مزمنة، يتعذر تكيفها خارج السجن أيضاً ويغذيها على الدوام صراع بين ما تمارسه حقيقة وما تريد أن تكون عليه. وهذا يفسر لماذا لا يبدأ الكثير من المحققين عملهم إلا مخمورين.

من أسوأ التأثيرات الممكنة على السجّان أو المحقق هي التي تحدث في تعامله مع المرأة. فهنا المجال أوسع لتشوه الشخصية الإنسانية التي تشعر بعجزها وصغرها وعدم نضجها أمام المرأة. وهذا وضع غير نادر في سوريا بسبب تركيبة المجتمع. فهي تصبح في ظرف خاص عبدة، له حرية التصرف معها، فيخرج أمامها كل أشكال المكبوت الاجتماعي والأخلاقي والجنسي. وعلماء النفس أدرى بمضمون هؤلاء الأشخاص الغير قادرين على ممارسة علاقة سوية مع زوجتهم أو أية امرأة أخرى!.

4 ـ الحرمان من الحقوق المدنية:

لم يأخذ موضوع الحرمان من الحقوق المدنية نصيبه الكافي بعد في الخطاب المتعلق بحقوق الإنسان وبالتعديلات الدستورية المطلوبة. لكن شيئاً فشيئاً يزداد مطلب إعادة الاعتبار للمحرومين من الحقوق المدنية في بيانات وتقارير المنظمات الدولية والمحلية المهتمة. ومع الأسف، لم تتوفر دراسة أو رأي قانوني واضح في هذا الموضوع. لذلك سأتعامل مع الموضوع كما عشته وسمعت به من جهات عديدة: محكمة أمن الدولة، فروع الأمن، المحامين، الخ.

باعتقادي أنه يجب إعطاء أهمية ليس فقط للتجريد من الحقوق المدنية الذي بدأت تنص عليه أحكام محكمة أمن الدولة منذ بداية 1992، بل للتجريد في الواقع اليومي.

إن التطبيق الواقعي للحرمان من الحقوق المدنية يقع على الذين تعرضوا لمحاكم استثنائية عسكرية (محاكم ميدانية) أو الذين أوقفوا وخرجوا من السجن دون محاكمة، حيث أصبح لهؤلاء إضبارة في أجهزة الأمن. وماضيهم في التوقيف سيكون أمامهم عندما يحتاجون للتعامل مع الأجهزة الرسمية، أو يريدون التوظيف أو السفر الخ... وبغض النظر عن وجود حكم أو عدم وجوده، تحتاج الجهات الرسمية للموافقة الأمنية.

ـ الذين تعرضوا لمحاكم ميدانية ـ رغم قسوة أحكامهم ـ لا تعنيهم هذه الأحكام كأحكام قضائية نظامية، وهي قابلة للإلغاء من قبل وزير الدفاع.

ـ أما أحكام محكمة أمن الدولة، التي استأنفت عملها بمحاكمة لجان الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية، ثم أعضاء التنظيمات اليسارية الموقوفين منذ أكثر من عشرة سنوات، فإنها تعتبر نظامية. ورئيس الجمهورية هو الطرف الوحيد القادر على إلغائها أو تغييرها أو إلغاء الآثار المترتبة عليها.

تتضمن أحكام محكمة أمن الدولة نصاً يقضي بالحجر على المتهم وتجريده مدنياً.

أما الحجر (ويقصد به وضع وصي على التعامل المالي للموقوف)، فينتهي حكماً بخروج السجين من المعتقل عند انتهاء حكمه، على أن يقدم طلباً توافق عليه محكمة أمن الدولة.

أما التجريد، فيستمر لمدة قدرها نصف مدة الحكم، على أن تبدأ من تاريخ انتهاء الحكم (الذي يفترض أن يكون هو تاريخ خروجه من السجن، لكن واقعياً يختلف الأمر).

يقضي التجريد بتسريح السجين من عمله، إن كان موظفاً، بشكل تعسفي دون أية تعويضات، وبعدم إمكانية توظيفه من جديد في أجهزة الدولة. كذلك بحرمانه من التطوع أو التعاقد مع الجيش وحرمانه من حق الانتخاب والترشيح ومن السفر.

طالما أن السجين السابق غير قادر على الحصول على شهادة “غير محكوم”، فإن أغلب معاملاته الرسمية لا يمكن أن تنجز حتى عند عمله في القطاع الخاص. فالتقدم إلى أي مقاولة أو مناقصة مثلاً يحتاج إلى شهادة “غير محكوم”.

هكذا تكون السلطات قد مددت تأثير العقوبة إلى ما بعد خروج السجين من السجن. وهوية السجين المدموغة بعبارة التجريد من الحقوق المدنية ستلاحقه تبعاتها في كل مكان وسيكون مطلوباً منه تقديم شروحات وتوضيحات لكل الجهات التي يتعامل معها. مما يزيد من الحصار الاجتماعي والاقتصادي الذي يتعرض له السجين في ظرف تزداد فيه البطالة وتتقلص فرص العمل أمام الخريجين والمؤهلين علمياً. فكيف بالأشخاص غير القادرين أساساً على ممارسة العمل الحر.

رغم حذر القطاع الخاص من كل ما يمت إلى السياسة والمعارضة، تجنباً للضغط أو الابتزاز الأمني أو الاقتصادي، فقد استوعب هذا القطاع قسماً من السجناء الراغبين بالعمل والذين يسمح لهم وضعهم الجسدي بذلك. كما استوعب نمط العلاقات العائلية سجناء آخرين. لكن مع ذلك، لا يزال الكثير من السجناء الخارجين دون عمل منذ عدة سنوات، يعيشون عالة على عائلاتهم الفقيرة أصلاً.

إن جانباً من معاناة الخارجين من السجون يكمن في أنهم، نتيجة السنوات الطويلة في السجن، تقدموا بالعمر ولا يستطيعون القيام بأي عمل. إضافة إلى أن لدى الكثيرين منهم تشوهات ونسبة عجز جسدي أو ضعف صحي. وحتى من كان منهم صاحب خبرة مهنية قد يكون افتقدها نتيجة الانقطاع الطويل وتطورات الحياة. وقد يكون بحاجة إلى إعادة تأهيل مهني لا يسمح به تقدمه في العمر أو وضعه الصحي. إن هذه الحالة تتطلب مشاركة الدولة في إيجاد مصدر عيش ملائم لهؤلاء والتعويض عليهم (كما جرى في المغرب مثلاً) والسماح للمنظمات الدولية بمساعدتهم بالبدء بأعمال تناسب أوضاعهم العمرية والصحية.

أخيراً، إذا كان حجب حق الانتخاب والترشيح غير ذي أهمية لعدم جدواه العملية في هذه المرحلة، فإن له قيمة معنوية لا يجوز إهمالها. فهي تشعر المواطن بتمتعه بحقوق المواطنة التي تعني أنه حر في أن يرشح أو لا يرشح، ينتخب أو لا ينتخب. هذا مع أن المواطنين المتمتعين بهذا الحق (نظرياً) غير قادرين على ممارسته بمعنى الكلمة.

إننا نتطلع إلى زمن يصبح فيه لهذا الحق قيمة فعلية، سامحين لأنفسنا بالتفاؤل بتطور ديمقراطي حقيقي يشمل بلدنا. بانتظار ذلك، أضم صوتي إلى صوت السيد المحامي حسن أمين رفاعة الذي يقول: “على أعضاء الأسرة الدولية المنضوين في الهيئة العامة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والوطنية والحكومية والمدنية المستقلة، العمل على صياغة وتحديد القوة الإلزامية لإعلان حقوق الإنسان. ومنحه الحماية والقوة اللازمة لتنفيذه وإجبار الدول والهيئات المستقلة والأفراد وكل ـحسب مسؤوليتهـ لإدراج مبادئه في المواثيق الدولية كافة والتشريعات والدساتير الوطنية واتخاذ الإجراءات المحددة العقابية تجاه كل من يخالف مبادئه(34).

“أنا أنظر للناس لأول مرة دون أن يروني مكبلاً، هل هم مشفقون أم شامتون؟ أسير على قدمي ولست داخل سيارة، لا ضرورة لاختلاس النظر من تحت الطماشات عبر نوافذ الميكرو أو قضبان سيارة اللحمة”(35).. بين لحظة وأخرى تتناهى إلى إذني نبرات ذاك العنصر أو الرقيب وتمر أمام ناظري ملامح وجهه.. أتمنى ألا أشاهد أحداً منهم.. تسعدني فكرة طارئة إنهم يركبون السيارات... أسير من شارع لشارع ومن رصيف لرصيف أبحث عن وجوه المارة عن ألفة اعتدتها، أو اعتقد أني ألفتها.

أحد الأصدقاء قال لي: “ليست قلة الوفاء هي التي تجعل الناس يتنكرون لك إنه التعب، بلدنا كله متعب”(36).

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ ولهلم رايش، “استمع أيها الصغير، حديث عن الحرية إلى رجل الشارع”، ترجمة أسامة حامد، نشر دار ابن رشد، ص74.

2 ـ د. سالم حميش، لقاءات “معهم حيث هم”، دار نشر الفارابي، طبعة ثانية، 1988، ص104

3 ـ هادي العلوي، “فصول من تاريخ الإسلام السياسي”، ص348.

4 ـ عبد الرحمن الكواكبي، “طبائع الاستبداد”، دار الشرق العربي، بيروت ـ حلب، ص20.

5 ـ نفس المصدر.

6 ـ زكريا تامر، “النمور في اليوم العاشر”.

7 ـ نفس المصدر.

8 ـ توفي تحت التعذيب عدة محامين منهم: محمد عبد العزيز كعكعة، زكريا عبد الجبار، أحمد عبدو، سعيد نينو.

9 ـ وهي حالة استمرار من لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ل.د.ح) التي اعتقل أعضاؤها عام 1992 وتعرضوا لأحكام مختلفة من قبل محكمة أمن الدولة وصلت إلى عشرة سنوات. وقد خرج مؤخراً آخر عناصرهم من السجن، نزار نيوف، أول مسؤول في ل.د.ح.

10 ـ مرجع سابق ص128 ـ 129. “فصول من تاريخ الإسلام السياسي”.

11 ـ هيثم مناع، موسوعة “الإمعان في حقوق الإنسان”، دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ص205 ـ 206.

12 ـ على سبيل المثال، فقط قضى الدكتور المهندس كرامة بدوره حوالي 11 عاماً في زنزانة بعد اعتقاله أثر حل النقابات المهنية. وقضى السيد رياض الترك 18 عاماً في زنزانة بعد اعتقاله في آذار 1980 والاثنان أمضيا هذه الفترات في فرع التحقيق العسكري في دمشق في ظروف صحية ونفسية سيئة.

13 ـ من أبرز هذه الحالات السيد “نسيب ريا” الذي حكمته محكمة أمن الدولة بثمانية عشر عاماً وثلاثة أشهر، ولم يفرج عنه إلا بعد سنتين من انتهاء حكمه. والسادة فاتح جاموس وعبد الحكيم روميه وباسل الحوراني ومحمد عصام دمشقي الذين حكم كل منهم بخمسة عشر عاماً، لكن تم الاحتفاظ بهم لثلاث سنوات وشهرين بعد انتهاء أحكامهم، في ظروف سيئة في فرع فلسطين. وكذلك السيدان أصلان عبد الكريم ومنيف ملحم اللذين احتفظ بهما لمدة عام بعد انتهاء حكمهما.

14 ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقعت عليه سورية في 1969 واعتبر ضمن القانون الداخلي اعتباراً من 16/3/1976.

15 ـ المادة الخامسة منه: “لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة”.

16 ـ المادة (391) من قانون العقوبات السوري “من سام شخصاً ضروباً من الشدة لا يجيزها القانون، رغبة منه في الحصول على إقرار عن جريمة، أو على معلومات بشأنها، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وإذا أفضت أعمال العنف إلى مرض أو جراح كان أدنى العقوبات: الحبس سنة”.

17 ـ هيثم مناع، الإمعان في حقوق الإنسان، مصدر سبق ذكره، ص206.

18 ـ نشر في ت1 1987 عن التعذيب في السجون السورية.

19 ـ القانون الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (549) بتاريخ 25/5/1969 الذي ينص في المادة 74 منه على:”لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها، أو المتعاقدين معها مباشرة، أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة، واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير”.

20 ـ هيثم مناع، الإمعان في حقوق الإنسان، مصدر سبق ذكره، ص206.

21 ـنفس المصدر السابق، ص206.

22 ـه ذا الحق تكفله المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتنص المادة الثانية عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة وفي شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات تمس شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون له من مثل هذا التدخل وتلك الحملات”.

23 ـ حسيبة عبد الرحمن، “الشرنقة”، رواية غير منشورة. المؤلفة سجينة سياسية من حزب العمل الشيوعي قضت أربع سنوات في سجن النساء وبعد الإفراج عنها شاركت لفترة في نشاطات لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية.

24 ـ هبة الدباغ، “خمسة دقائق وحسب”، نقلاً عن سيرة ذاتية لسجينة سورية اعتقلت كرهينة عن أخيها الفار بتهمة الانتماء إلى تنظيم الأخوان المسلمين. واستمر اعتقالها تسع سنوات 80ـ89، الناشر: اللجنة السورية لحقوق الإنسان ص28 ـ 29.

25 ـ من مشاهداتي الخاصة.

26 ـ من مشاهداتي الخاصة.

27 ـ حسيبة عبد الرحمن، الشرنقة، مصدر سابق ص223.

28 ـ هبة الدباغ، خمسة دقائق فحسب، مرجع سابق ص2.

29 ـ فيصل عباس، الشخصية في ضوء التحليل النفسي، نقلا عن كتاب “بافلوف وفرويد” ص 59.

30ـ عندما كنت في الزنزانة ضبط أحد السجانين سجيناً قضائياً يمارس العادة السرية فأجبره على مضاجعة البالوعة.

31 ـ التقرير السنوي الأخير للجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية يقدر عدد المنفيين طوعاً بعشرة في المائة من سكان سورية البالغ عددهم 17 مليوناً.

32 ـ من النقاط الهامة في التقرير السنوي الأخير للجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية المطالبة بإدراج ثقافة حقوق الإنسان في المناهج المدرسية.

33 ـ هبة الدباغ، خمسه دقائق فحسب، مصدر سابق.

34 ـ من محاضرة المحامي الأستاذ حسن أمين رفاعة في منتدى حقوق الإنسان بدمشق.

35 ـ هكذا يسميها السجناء بسبب التشابه.

36 ـ من مذكرات أحد السجناء الذين خرجوا حديثاً.

 

الفصل العاشر

سياسة الاتصال السورية (الإعلام ـ الثقافة ـ التربية والتعليم)

حسين العودات(*)

حق الاتصال وحرية التعبير:

أصبح من بديهيات عصرنا أن لكل فرد الحق بالاتصال بالآخرين ومحاورتهم والحصول على المعلومات وإبلاغ الآخرين بها وتبادل الآراء واكتساب الثقافة والمشاركة في تطويرها من خلال الإبداع وعرض التجربة واستخدام منابر ثقافية وإعلامية لذلك. لقد أكدت لجنة ماكبرايد التي شكلتها منظمة اليونسكو على حق الاتصال لكل فرد في عالمنا وعرفته بأنه (حق الاجتماع والمناقشة والمشاركة وتكوين الجمعيات والحصول على معلومات وإبلاغ الآخرين بها وحق الإعلام والحق في الثقافة والاختيار).

يمارس هذا الحق في حيز الواقع بامتلاك وسائل الاتصال (وسائل الإعلام والثقافة والتربية) واستخدامها والتعبير عن الرأي من خلالها والاستفادة منها في الحوار والمناقشة. لكن لسوء الحظ إن هذا الحق غير معترف به جدياً في سورية حتى الآن، ولا يستطيع الفرد أو المؤسسة ممارسته إلا من خلال المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية. فالإطار القانوني الناظم لملكية وسائل الإعلام في سورية هو البلاغ رقم (4)، الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة بتاريخ 8/3/1963 (أي في اليوم الأول لتسلم حزب البعث السلطة). أوقف هذا البلاغ إصدار الصحف في سورية باستثناء ثلاث صحف هي: الوحدة العربية (ناصرية) وبردى (ناصرية أيضا) والبعث (الناطقة باسم حزب البعث). ثم ما لبثت الصحيفتان الأولى والثانية أن توقفتا بأوامر من وزارة الإعلام بعد اشهر، ولم يسمح بعد ذلك لأحد، حزباً كان أم فرداً، بإصدار صحيفة حتى نهاية العام 2000، حيث شرعت السلطات المختصة بالموافقة على إصدار صحف جديدة وتوزيعها علناً.

لقد حل هذا البلاغ محل قانون المطبوعات الذي جمد كلياً منذ عام 1963 وهو حتى الآن بمثابة الملغى. ورغم صدور بعض الإشارات في الصحف والتصريحات الرسمية مؤخراً بأنه سيصدر قانون جديد للمطبوعات فلم يعلن بعد عن أية خطوة عملية في هذا المجال حتى الآن(*).

ترجمة ذلك أنه لا يحق للمواطن السوري أو لمؤسسات المجتمع المدني إنشاء صحيفة أو مجلة أو أية وسيلة إعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية. وبالتالي فليس لديه المنبر المناسب ليمارس حقه في الاتصال أو التعبير عن رأيه إلا بوسائل الاتصال الرسمية (صحف الدولة ووسائل إعلامها) أو شبه الرسمية (صحف المنظمات الشعبية والنقابات). لكن هذه جميعاً لا تتيح لأي رأي مخالف بأخذ حيز منها أو استخدامها، حيث تقع كلها فعلياً في إطار صحف الرأي الواحد والموقف الواحد الذي يعبّر عن رأي الدولة رسمياً والحكومة فعلياً.

ضمن الدستور السوري حق التعبير وإبداء الرأي بالمادة (38) منه التي نصت على أن (لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأ¼ه بحرية وعلانية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى) وأن (يسهم في الرقابة والنقد والبناء) وتكفل (الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون). فالحق مضمون في الدستور إذن، إلا أن التطبيق العملي لا يأخذ هذا النص الدستوري بعين الاعتبار ولا يحترم هذا الحق. لقد حرم منه الأفراد والأحزاب والتيارات السياسية فعلياً، وجعلت وسائل الإعلام والقسم الأكبر من وسائل الثقافة التي تملكها الدولة هذا الحق حكراً على أنصار النظام السياسي ومؤيديه، بل بتعبير أدق وأصدق على أنصار الحكومة ومؤيديها.

هكذا سيطرت الحكومات المتتابعة على وسائل الإعلام والثقافة وقيدتها بسياساتها ووضعتها في خدمتها وجعلتها صوتاً لهذه الحكومات وسخّرتها لشرح منجزاتها والتغني بنشاطاتها وحجب أخطائها وألغت رقابتها على إدارة الدولة كما ألغت الرأي الآخر وحرية التعبير ولو في أدنى الحدود. كذلك هيمنت البيروقراطية والمؤسسات الرسمية على وسائل الإعلام، وهي نادراً ما تهتم بحاجات الناس ومصالحهم وتتجاهل دائماً دور مؤسسات المجتمع المدني. فتراجع الإبداع وسيطر الخوف على الصحفيين والكتاب (وخاصة الموظفين في وسائل إعلام الدولة) وزاد عدد المحرمات. ومن المفارقات في هذا المجال أن دستور حزب البعث الحاكم الذي أقر عام 1947 يعترف بأن (حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنقصها).

لقد حرم السوري من مناقشة قضايا حياته وتحديد ملامح مستقبله وممارسة الحوار الحر الفعال والمساهمة في تبني أفضل الاختيارات وتحمل مسؤوليته تجاه حاضره ومستقبله واختيار أسلوب العيش الذي يريد. مما أدى إلى تدهور الوعي وتسطيح الثقافة وتحويل الأفراد إلى متلقين وانعدام المبادرات وتدني مستوى الإبداع والاستسلام للحال القائم.

وضع السياسات الاتصالية (الإعلامية والثقافية والتربوية):

المعني بالسياسة الاتصالية (مجموعة المبادئ والقواعد والتوجهات والممارسات الواعية والسلوكيات الشائعة التي يقوم عليها النظام الاتصالي)، كما عرفتها اللجنة العربية لدراسة قضايا الإعلام والاتصال (التقرير ص 66). وهي تهدف إلى (تلبية الاحتياجات الاتصالية الفعلية من خلال الاستخدام الأمثل للإمكانيات والمصادر البشرية والطبيعية المتاحة في المجتمع (راسم الجمال، الاتصال والإعلام ص43).

تخص السياسات الاتصالية المجتمع كله لا فئة واحدة من فئاته، ومن المفروض أن تهتم بمصالح جميع الفئات الاجتماعية والتيارات السياسية والثقافية والإثنية والدينية في البلاد، كما تتناول تنوع مفاهيم وقيم وأهداف هذه الفئات. ولعل من أهم شروط السياسة الاتصالية شموليتها من جهة وتنوعها من جهة أخرى، مما يقتضي بالضرورة أن تساهم بوضعها جميع هذه الفئات، وفي كل الحالات لا ينبغي أن تكون من عمل فئة واحدة أو توضع لخدمة فئة واحدة.

المفارقة في سورية أن الدولة التي تملك وسائل الإعلام ومعظم وسائل الاتصال ليس لديها سياسة اتصالية مكتوبة. وإن وجدت تعليمات أو تقاليد عمل أو بلاغات وزارية وإدارية أو أوامر شفهية، فهي كلها رد فعل على الأحداث الطارئة ومتروكة للمبادرات الفردية لذوي الشأن من السياسيين أو إعلاميي السلطة أو المشرفين على وسائل الإعلام. تقع معظم هذه السياسات في إطار الأوامر والنواهي، حيث أن السياسة (بمعناها الحقيقي) غير موجودة، وإن وجد بعضها فهو مؤقت وشفاهي. مما حول الخطاب الإعلامي والثقافي إلى خطاب من مرسل إلى متلق دون أية علاقة جدلية بينهما. لقد بقي هذا الخطاب جزئياً وركّز على أمرين اثنين:

أولهما: الدعاية للحكومة ومنجزاتها.

ثانيهما: التوسع في برامج الترفيه غير المكلفة مادياً وذات المضمون السطحي.

في ضوء ذلك أهملت السياسة الاتصالية السورية أو كادت تهمل قضايا التنمية بمفهومها الشامل (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها)، كما اتصفت بعدم التوازن لعدم مشاركة فئات المجتمع المتعددة في وضعها، وعدم أخذها بعين الاعتبار مصالح كل هذه الفئات. ذلك فضلاً عن أن ممارسات الإعلاميين تتسم بالخوف من جهة وانعدام المبادرة من جهة أخرى وعدم البحث الجدي عن سد احتياجات المجتمع من جهة ثالثة.

إن وجود عقبات في طريق تحقيق ديموقراطية الاتصال (يفرض علينا أن نركز من جديد على الحريات المختلفة للإعلام والتعبير والفكر والعقيدة، نظراً لأن وضع قيود على هذه الحريات هو الذي يجعل من الصعب دفع التقدم في مجال تحقيق الديموقراطية في نظم الاتصال)، كما قالت لجنة ماكبريد (ص14). ومن البديهي أن ليس هناك أي نظام سياسي غير ديموقراطي إلا وله آثار ضارة على الاتصال، فهناك ارتباط منطقي بين ديموقراطية الاتصال وديموقراطية المجتمع ككل. وهذا ما ينبغي تذكره دائماً عند دراسة واقع الاتصال في سورية وسياسته التي تنبع من الإيديولوجيا السائدة المرتبطة بالسياق الاجتماعي ـ الاقتصادي الذي أنتجها.

واقع وسائل الاتصال في سورية:

1 ـ لا يوجد في سورية صناعات إعلامية أو ثقافية (باستثناء تجميع أجهزة التلفزيون). فهي تستورد ورق الكتابة وورق الصحف والمطابع وآلات التصوير وأجهزة الإرسال الإذاعي والتلفزيوني وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة الراديو والأقلام ومستلزمات التعليم وكل ما يحتاجه الاتصال.

2 ـ يوجد في سورية ثلاث صحف يومية تصدر في العاصمة وجميعها ملك للدولة أو لحزب البعث، وهي: البعث (جريدة الحزب) والثورة وتشرين (حكوميتان). وتصدر عن مؤسسة الوحدة، إضافة لجريدة الثورة، أربع صحف يومية في حمص وحماه وحلب واللاذقية، وهي صحف ضعيفة كماً وكيفاً. كما يصدر عن تشرين مجلة أسبوعية بالاسم نفسه.

3 ـ تصدر صحف أو مجلات متخصصة عن المنظمات الشعبية والنقابية، أسبوعية أو نصف شهرية أو شهرية.

4 ـ تعود للدولة ملكية محطات الإذاعة وأقنية التلفزيون الأرضية والفضائية.

5 ـ سمحت الدولة بإصدار صحيفة خاصة أسبوعية في مطلع عام 2001، بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مهماته، وهي تصدر باسم صحيفة (الدومري).

6 ـ سمح للأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية في مطلع عام 2001، بإصدار صحف علنية وتوزيعها بطريق (الأكشاك) وبيعها للقراء. وكانت هذه الصحف نصف علنية، إذ لم يكن يسمح بتوزيعها بطريق التداول العلني أو تواجدها بالمكتبات.

7 ـ بقي استيراد الأفلام السينمائية محصوراً بمؤسسة السينما التي تعود للدولة، ولم يكن يحق لدور السينما (وهي خاصة) استيراد الأفلام. وعليها أن تعرض الأفلام المستوردة بطريق المؤسسة. أما إنتاج الأفلام فهو مسموح للقطاع الخاص بعد خضوعه للرقابة (كما سيأتي تفصيله لاحقاً).

8 ـ يتوازع المسرح (إنتاجاً وعرضاً) القطاعان العام والخاص (بعد خضوع النص المسرحي للرقابة).

9 ـ ينحصر توزيع الصحف والمجلات والدوريات المحلية والمستوردة بشكل كامل بمؤسسة توزيع المطبوعات التي تملكها الدولة. وهي الوحيدة المخولة بتوزيع هذه الصحف على المكتبات (والأكشاك).

10 ـ يسمح للقطاع الخاص بملكية المطابع، لكن يمنع طبع أية مادة مهما كان حجمها وموضوعها إلا بموافقة خطية مسبقة من الرقابة.

11 ـ لا يسمح للقطاع الخاص بتأسيس مراكز أبحاث ودراسات.

12 ـ سمح في عام 2000 بالاشتراك في الإنترنيت، كما سمح في عام 2001 الاشتراك بالهاتف النقال.

13 ـ يقرأ الألف سوري أقل من 10 نسخ صحف يومياً و5 نسخ كتاب، ويمتلكون 300 جهاز راديو و 250 جهاز تلفزيون، كما ويستهلك الفرد السوري سنوياً حوالي 3 كغ ورق كتابة. رغم أن هذه الأرقام تقديرية، فإنها ـ مهما زاد حجم الخطأ فيها ـ تدل على بؤس الحال الإعلامي والثقافي السوري. ومن البديهي الإشارة إلى أن السبب الرئيس لهذا العزوف عن وسائل الإعلام والثقافة هو فقدان مصداقيتها لدى الناس.

الرقابة:

تمارس الرقابة المسبقة (وأحياناً المسبقة واللاحقة) على أي نشاط إعلامي أو ثقافي مكتوب أو مقروء أو مسموع وعلى الكتب المدرسية والندوات والمحاضرات وكل ما له علاقة بالاتصال والتواصل. وهي تطبق الآلية التالية:

1 ـ الصحف اليومية: تخضع الصحف السورية اليومية لما يسمى بالرقابة الذاتية، أي رقابة الصحفي نفسه على ما يكتب ورقابة المؤسسة الصحفية على المواد المنشورة فيها. ولأن جميع الصحف اليومية هي صحف عائدة (للدولة)، فإن المشرفين عليها يقومون بهذا الدور.

أما الصحف والمجلات غير السورية التي يسمح لها بدخول سورية، فتراقب من مديرية الرقابة في وزارة الإعلام التي لها الحق أن تسمح بدخولها أو تمنعه. وقد كانت هذه الصحف التي تسمح الرقابة بدخولها توزع مساء بسبب عدم إمكانية انتهاء رقابتها باكراً. لكن ذلك تغير في النصف الثاني من العام 2000، إذ أصبحت توزع في وقت أبكر.

2 ـ الصحف الأسبوعية والمجلات: وهي صحف أحزاب الجبهة والمنظمات الشعبية والنقابية. تراقب صحف أحزاب الجبهة مسبقاً من قبل الجبهة نفسها، فهناك مختص بهذه الرقابة. أما صحف ومجلات المنظمات الشعبية فتخضع للرقابة الذاتية من إداراتها.

3 ـ الأفلام والمسلسلات التلفزيونية:

ـ الأفلام المستوردة: تخضع لرقابة جهة مختصة في وزارة الثقافة.

ـ المسلسلات المستوردة: تخضع لرقابة جهة خاصة في هيئة الإذاعة والتلفزيون.

ـ الأفلام والمسلسلات المنتجة محلياً: تخضع للرقابة مرتين: الأولى تراقب فيها نصوص هذه الأفلام والمسلسلات، والثانية تراقب بعد اكتمال الإنتاج وقبل السماح بعرضها. تتم رقابة المسلسلات التلفزيونية المراد إنتاجها لدى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والأفلام السينمائية لدى وزارة الثقافة.

ـ المسرحيات: تراقب لدى وزارة الثقافة مرتين: الأولى يراقب فيها النص، والثانية بعد استكمال الإنتاج وقبل العرض.

4 ـ الكتب:

تتولى عدة جهات مراقبة مخطوطات الكتب المعدة للنشر، وتتم آلية الرقابة على الشكل التالي:

أ ـ الكتب المنوي إصدارها في سورية:

يقدم المخطوط إلى وزارة الإعلام ـ مديرية الرقابة ـ لأخذ موافقتها، فتقوم هذه بتحويل المخطوط إلى إحدى الجهات التالية:

1 ـ إذا كان المخطوط يتعلق بالإبداع (شعر ـ قصة ـ رواية ـ نقد أدبي..)، ترسله إلى اتحاد الكتاب الذي شكل لجان رقابة سماها (القراء) تمهيداً للسماح بإصدار الكتاب أو منعه.

2 ـ إذا كان المخطوط يتعلق بمواضيع ذات طابع سياسي أو ديني أو فلسفي (أو فكري بشكل عام)، فيرسل إلى القيادة القطرية ـ مكتب الإعـدادـ ليقرر الموافقة أو المنع.

3 ـ إذا كان للكتاب طابع عسكري، فيرسل لإدارة التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع.

4 ـ الكتب المقدسة (وبعض الكتب الدينية) ترسل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.

5 ـ أما ما تبقى ـ من غير ما ذكر ـ فتراقبه مديرية الرقابة في وزارة الإعلام.

6 ـ أما الكتب المدرسية فهي موحدة في سورية وينحصر إصدارها بوزارة التربية التي تقوم برقابتها داخل الوزارة.

وفي هذه الحالات كلها، وبعد الموافقة على نشر المخطوط، يعاد إلى صاحبه لطباعته وعليه أن يعيده مرة أخرى لمديرية الرقابة بوزارة الإعلام بعد الطبع وقبل توزيعه لأخذ موافقة ثانية على توزيعه تسمى (الموافقة على تداول الكتاب) وقد تحتاج الموافقة على نشر المخطوط عدة أشهر..

إن المعايير الرقابية المعمول بها لدى هذه الجهات جميعاً هي معايير تنسيبية، غير مكتوبة ولا مفصلة، كما ولا تقع في إطار واحد. ويبدو التنسيب في الموافقة أو الرفض مختلف بين جهة وأخرى، وأحياناً داخل الجهة الواحدة بين رقيب وآخر. ذلك لأن الرقابة السورية تندرج عامة تحت معايير وعبارات أخلاقية وعامة مثل (الحفاظ على الأخلاق العامة أو على قيم الأمة أو الأمن القومي أو مصلحة الجماهير...). وهي كلها معايير غير محددة وإشكالية وقابلة للخلاف والاختلاف، كما ويمكن أن يفهمها الرقيب فهماً خاصاً به، وهي بالتالي معايير ليست رقابية. ولأن الأمر كذلك، فكثيراً ما يحصل أن يقبل مخطوط كان قد قدم للرقابة قبل أشهر بعنوان آخر ولم يوافق على نشره، بداعي أنه أعطي لرقيب آخر له معاييره الرقابية المختلفة.

ب ـ أما الكتب المستوردة من الخارج فتراقب غالباً لدى جهة واحدة، هي مديرية الرقابة في وزارة الإعلام، مع بعض الاستثناءات المتعلقة بالكتب السياسية والدينية التي تطلب موافقة القيادة القطرية على إدخالها.

السياسات التعليمية:

نص الدستور السوري في المادة 37 على أن (التعليم حق تكفله الدولة وهو مجاني في جميع مراحله وإلزامي في مرحلتة الابتدائية). تنفيذاً لهذا النص الدستوري، صدر القانون رقم 35 لعام 1981 الذي قضى بأن (يلزم جميع أولياء الأطفال السوريين (ذكوراً وإناثاً) الذين تتراوح أعمارهم بين 6 ـ 12 سنة بإلحاقهم بالمدارس الابتدائية). لقد حدد القانون غرامات وعقوبات جزائية في حال امتناع الولي عن إرسال الطفل إلى المدرسة.

التزمت السياسة التعليمية فعلاً بتنفيذ ما جاء في الدستور والقانون، وأعطت حق التعلم مجاناً لكل مواطن بغض النظر عن جنسه ودينه والمنطقة التي يعيش فيها، بما في ذلك التعليم الجامعي والعالي. كما بذلت جهوداً هامة في تطبيق إلزامية التعليم الابتدائي وإلزام الأولياء بإرسال أطفالهم إلى المدارس ومعاقبة المقصرين.

وحيث أنه لا تتجاوز نسبة الملتحقين بالمدارس الخاصة (2•) من عدد الطلاب، تتولى الدولة العملية التعليمية بالكامل (مدارس، تجهيزات، معلمين... الخ) وتقدم الكتب بسعر التكلفة فقط. عملياً، يقتصر دور المدارس الخاصة على احتواء التلاميذ الذين استنفذوا فرصتهم في المدارس الرسمية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، والتلاميذ أبناء الموسرين في المرحلة الابتدائية الذين يرغبون بإلحاق أبنائهم بهذه المدارس. وفي الحالات كلها، تدرس الكتب المدرسية نفسها في المدارس الخاصة (باستثناءات نادرة) وتشرف وزارة التربية على هذه المدارس إشرافاً كاملاً.

يقبل جميع الحاصلين على الشهادة الثانوية في الجامعات والمعاهد المتوسطة، وهو ما سمي (بسياسة الاستيعاب). كما يوزع الطلاب على الكليات والاختصاصات والمعاهد حسب نظام يعتمد على مجموع العلامات، رغم أن هناك بعض الاستثناءات التي لا تشكل حتى الآن ظاهرة عامة. كذلك لا يلزم الملتحقون بالجامعات بدفع أية نفقة: فالتدريس مجاني والكتب موحدة في الجامعات أيضاً وتباع للطلاب بسعر الكلفة تقريباً.

أما الطابع العام لطرائق التعليم في سورية وأساليبها فيعتمد على التلقين، ونادراً ما يلجأ للحوار. يمكن اختصار هذه الطرائق بأنها تتم بين مرسل (هو المدرس أو الأستاذ الجامعي) ومتلق هو التلميذ أو الطالب، ونادراً ما يتم اللجوء إلى استخدام التحليل والاستقراء والاستنتاج وصولاً إلى التفكير المنطقي السليم. فيطلب من التلميذ أو الطالب أن يحفظ فقط دون أن يفكر، ويتم تقويمه وامتحانه في محتويات الكتاب المدرسي، حيث يمنع عليه الخروج عما في الكتاب حتى لو كان صحيحاً. كذلك لا يطلب منه (سواء في الجامعات أم في غيرها) الاطلاع على مصادر غير الكتاب المدرسي، وإن اطلع بنفسه على مثل هذه المصادر وأراد استخدام مضامينها في الامتحانات فلا يحسب له بل يمنع عليه.

من جهة أخرى، تحول عوائق كثيرة دون استخدام الطرائق التربوية الحديثة وديناميات العمل الجماعي في النشاطات التعليمية (بما في ذلك الجامعات)، سواء داخل الصفوف والقاعات أم خارجها. كما ولا ترقى المناقشات ـ في الحالات كلها ـ إلى مستوى تحليل المشكلات منهجياً وتقديم الفرضيات لحلها. بل يتم اللجوء إلى تثبيت معلومات الكتاب المدرسي والجامعي كما هي، دون أن تتاح الفرصة للتلميذ أو الطالب الجامعي لاكتشافها بنفسه واقتراح الحلول.

لم تؤثر، كما نستنتج، المستجدات والتطورات التي جرت في عالم اليوم (تفجر الاتصال والمعلوماتيه والتقانية) في تغيير أساليب التعليم وديموقراطيته. ولم يترافق الانفتاح الاقتصادي بانفتاح ديموقراطي أو بتعددية الآراء أو باحترام الحوار والرأي الآخر، ولا بتعويد التلاميذ الخروج من إطار التلقي إلى إطار المبادرة والحوار والاستقراء والاستنتاج. فبقيت قيم العلم والعقل والحرية والديموقراطية تواجه بقيم الأسطورة والخرافة والغيبيات، وانتفى ـ إلى حد بعيد ـ التعاون بين المعلم والأستاذ والتلميذ والطالب لمناقشة المشكلات. لقد بقي الأمر كله يتمثل كما أشرنا بأن يقوم المدرس أو الأستاذ الجامعي بفرض الواجبات بالتلقين وعلى الطلاب الامتثال.

في ضوء هذا كله غاب العقل المعرفي عن الأجيال وتضاءل الإبداع وساد العقل القياسي وتحول المجتمع كله إلى متلق سواء للنظريات الفلسفية والسياسية أم للمخترعات والمكتشفات وتطبيقاتها الصناعية.

المنتديات ومؤسسات المجتمع المدني:

قلنا أنه من البديهي أن لكل شخص الحق بالاتصال والتواصل والحوار وإبداء الرأي والحصول على المعلومات ونشرها والاطلاع على تجارب الآخرين وعرض التجربة الشخصية. هذا الحق الذي تضمنه الدستور السوري وضمنته المواثيق الدولية واعتبرته من الحاجات الأساسية للإنسان، إنما يتحقق من خلال تأسيس منابر إعلامية وثقافية وإقامة مؤسسات اجتماعية وثقافية وجمعيات وأحزاب سياسية وغير سياسية متعددة الأهداف. أي إقامة مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وإتاحة الفرصة لها لتأدية مهماتها ووظائفها بعيداً عن هيمنة السلطة وتدخلاتها.

لا يسمح النظام السياسي القائم في سورية بإقامة مثل هذه المؤسسات والجمعيات. فالمنابر الإعلامية كما عرضنا مملوكة للدولة ومعظم المنابر الثقافية تقع تحت هيمنة الدولة من خلال الرقابة. وفي ضوء ذلك حرمت معظم الشرائح الاجتماعية والتيارات السياسية والثقافية خلال عشرات السنين من التعبير عن نفسها وطرح آرائها والمشاركة في الرأي والحوار وتحديد احتياجات المجتمع ومصالحه وآفاق تطوره. لقد حصرت هذه الأمور كلها، نظرياً بيد حزب البعث، “قائد السلطة والمجتمع” كما جاء في الدستور، وعملياً بيد بيروقراطية الدولة والحزب، وعلى الأصح بيروقراطيي الدولة والحزب. الذين سمحوا لأنفسهم بأن ينوبوا عن الشعب السوري في اتخاذ المواقف بدلاً عنه وتقرير مصيره ومنعوا عليه المشاركة في كل شيء سواء بإبداء آرائه أو بإقرار احتياجاته. وبطبيعة الحال، نتج عن ذلك مزيد من فساد الإدارة وإلغاء الحريات والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني ومنع قيام الأحزاب والجمعيات وغياب المناخ الديموقراطي وقيام فجوة بين النظام السياسي وبين فئات الشعب المختلفة.

بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مسؤولياته رئيساً للجمهورية، عبر بوضوح عن سياسته الجديدة في الكلمة التي وجهها للشعب بمناسبة أدائه القسم الدستوري. لقد قال فيها (الديموقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا، والفكر الديموقراطي هو الأساس والممارسات الديموقراطية هي البناء، وبكل تأكيد جميعنا يعلم أن الأساس عندما يكون ضعيفاً فإن البناء يكون مهدداً بالتداعي والسقوط عند أول هزة..). لقد شجعت كلمة الرئيس بشار الأسد هذه وبعض الانفراجات هنا وهناك (بما في ذلك إطلاق مئات المسجونين السياسيين والتواصل مع فئات سياسية خارج الجبهة...) شجعت المثقفين على التعبير عن آرائهم وعقد ندوات حوار في بيوتهم، التي تحول بعضها إلى ما يشبه المراكز الثقافية، وهو ما سمي (بالمنتديات). فأصدروا بيانات ضمنوها همومهم ومطالبهم كان من أهمها: المطالبة بحرية التعبير وإبداء الرأي واحترام التعددية الثقافية والسياسية وإلغاء الأحكام العرفية وتعديل الدستور بما يضمن إمكانية تداول السلطة.

شارك في نشاط المنتديات مئات المثقفين من مختلف التيارات والمشارب، واستخدموا منازل بعضهم المؤهلة لاجتماعاتهم لعقد الندوات والحوار. فتوالدت هذه المنتديات كالفطر وانتشرت في معظم المحافظات السورية.

إن حرمان المثقفين السوريين طوال أربعة عقود من التعبير عن أنفسهم وعقد الحوار حول قضايا بلادهم جعلهم يطرحون في منتدياتهم كل شيء، الممكن وغير الممكن، الرئيسي والثانوي، وكأن تفريغ ما هو مكبوت أصبح هدفاً. ففاتتهم ـ في حالات كثيرة ـ المنهجية ووضوح الرؤيا، خاصة وأنهم من تيارات متعددة ومشارب مختلفة، فتحولت المنتديات إلى (طواحين كلام) وأصبح أحيانا الاحتجاج والرفض هدفها الأساس.

بالمقابل، أصيبت قوى عديدة داخل النظام بالرعب من هذه المنتديات، خاصة وأن هذه القوى اعتادت أن تأمر وتنهي وتفعل ما تريد منذ عشرات السنين. وهي التي لا تؤمن بحرية الرأي ولا بحق التعبير ولا بالتعددية، وليس بإمكانها أن تقبل الحوار كمبدأ، كيف لها أن تقبل بالآراء التي تطرح مشروعية استمرارها؟ فعملت جاهدة لتضخيم أخطار المنتديات على النظام واستمراريته، وصولاً إلى اتهام المثقفين بالتواصل مع قوى خارجية. مما حدا بالسلطة إلى منع نشاط المنتديات، باستثناء بعضها، ولم يقيض لهذه التجربة النجاح، مع أنها كانت تحمل كل مسبباته. كان يمكنها أن تشكل أداة حوار مع النظام السياسي: لو حددت أهدافاً واقعية، وجعلت من مطلب الحوار مع النظام أولى أهدافها لمناقشة حال المجتمع السوري وآفاق تطوره، وبحثت عن قواسم مشتركة بين هذه التيارات الثقافية والسياسية وبين النظام القائم. و أيضاً لو كان لدى النظام السياسي النية الأكيدة للبحث عن الانفراج والسعي لتطبيق التعددية السياسية والثقافية والقبول بالآخر.

يبدو لي أن إغلاق المنتديات ومنعها ليس نهاية المطاف بالنسبة للنظام السياسي. فهناك مؤشرات عديدة وتصريحات عامة وخاصة ونوايا تتواتر عن رئيس الجمهورية تؤكد جميعها الرغبة في إيجاد صيغة ما للتواصل والاتصال مع التيارات الثقافية والسياسية السورية، خاصة وأن سورية تسير بطريق ذي اتجاه واحد لا بد أن يوصل إلى الديموقراطية والتعددية.

إن المجتمع السوري بحاجة ماسة للاعتراف لجميع المواطنين بحق الاتصال والتعبير، وإبداء الرأي والحوار، والسماح بإقامة منابر إعلامية وثقافية، وفتح أبواب وسائل الإعلام والثقافة التي تملكها لجميع المنتمين للدولة ونزعها من يد الحكومة، وإلغاء الرقابة على الفكر والضمير، ومشاركة مؤسسات المجتمع المدني بأوسع أشكالها في وضع السياسات الإعلامية والثقافية والتربوية وصولاً لديموقراطية الاتصال، وأخذ مصالح فئات المجتمع كلها بعين الاعتبار، وإعطاء الحق لوسائل الإعلام بالرقابة والنقد.وهذا ما ينتظره السوريون ويعملون من أجله، لأنه ما من خيار آخر أمام سورية سواه.

– – –

الفصل الحادي عشر

الاقتصاد السوري: الواقع والآفاق

عامر محمود(*)

 

لمحة عامة:

يتمتع الاقتصاد السوري ببنية قطاعية متوازنة، وموارد طبيعية وبشرية واقتصادية هامة، وبموقع جغرافي مميز يمثل عقدة الوصل بين القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا. وهو يندرج من حيث متوسط دخل الفرد السنوي ضمن شريحة البلدان المتوسطة الدخل، حيث يتأرجح متوسط الناتج المحلي الصافي السنوي للفرد بحدود 1000 دولار أمريكي في السنوات الأخيرة.

لقد بلغ عدد السكان في الجمهورية العربية السورية نحو 16.110 مليون نسمة في نهاية عام 1999، 56.4• منهم تتراوح أعمارهم بين 15 ـ 64 سنة، و40.5• تقل أعمارهم عن 15 سنة، و3.1• تزيد أعمارهم عن 65 سنة. أما قوة العمل فتبلغ 5.026 مليون نسمة، منها 477.5 ألف نسمة متعطلون عن العمل. تتوزع القوة العاملة بـين القطاع الزراعي (28.5•)، والقطاع الصناعي (13•)، وقطاعات أخرى (58.5•). ولم يطرأ تغير ملموس على نسبة الجنس، إذ ما زالت بحدود 104 ذكور لكل 100 أنثى. وإذا كانت نسبة السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة قد تدنت، حيث انخفضت من 44.8• عام 1994 إلى 40.5• عام 1999، فإن هذه النسبة تظل مرتفعة بالمقارنة مع بلدان أخرى. وبالتالي فإنه يصح القول بأن البنية العمرية للسكان في سورية هي بنية فتية إلى حد بعيد.

بالرغم من انخفاض المعدل السنوي لنمو السكان من 3.3• خلال الفترة 1981 ـ 1994 إلى 2.7• خلال الفترة 1994 ـ 1999، فإن المعدل يظل مرتفعاً بالمقارنة مع بلدان أخرى. مع ذلك فإن سورية لا تعتبر من البلدان ذات الكثافة السكانية العالية، إذا أخذنا بعين الاعتبار مساحتها البالغة نحو 18.518 مليون هكتار. إذ يبلغ متوسط الكثافة السكانية 87 نسمة في الكيلو متر مربع(1).

إذا القينا نظرة على الإمكانات الزراعية المتاحة لسورية، فإننا نجد أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة قد بلغت عام 1999 نحو 6 مليون هكتار، منها نحو 4.6 مليون هكتار أراضي مزروعة فعلاً. يعتمد حوالي 3.5 مليون هكتار من هذه الأراضي المزروعة على مياه الأمطار، في حين تبلغ مساحة الأراضي المروية نحو 1.2 مليون هكتار(2). وبالرغم مما أصاب الثروة الحيوانية من تدهور في السنوات القليلة الماضية من جراء الجفاف، فإنها ما زالت تمثل مورداً هاماً. إذ تقدر الثروة الحيوانية بنحو 15 مليون رأس غنم، و1.2 مليون رأس ماعز، ونحو 900 ألف رأس من الأبقار(3).

إلى جانب الإمكانات الزراعية غير الضئيلة، يتوفر لسورية مصادر طاقة هامة. إذ تقدر مجمل احتياطات النفط المؤكدة والقابلة للاستخراج بنحو 4.85 بليون برميل. كما تقدر احتياطات الغاز الطبيعي والمرافق بحدود 595.1 بليون متر مكعب. ويبلغ مجمل استطاعة التوليد الكهربائية العاملة في سورية حتى عام 1999 حوالي 4666 ميغا واط(4).

كذلك يتوفر لسورية ثروات معدنية متنوعة أهمها: خام الفوسفات الذي تبلغ احتياطاته المؤكدة نحو 500 مليون طن، بالإضافة إلى احتياطات مدروسة وشبه مؤكدة تبلغ حوالي 500 مليون طن. وإلى جانب الفوسفات توجد خامات صناعية متعددة من بينها: الرمال الكوارتيزية ذات النوعية الجيدة التي يمكن أن تستخدم لإنتاج الزجاج والألياف الزجاجية.

لا تقل الإمكانات السياحية أهمية عن الإمكانات الأخرى المتاحة لسورية، حيث يوجد فيها مئات المواقع الأثرية التي احتضن بعضها حضارات تعود لآلاف السنين قبل الميلاد مثل: إيبلا وماري وأوغاريت وأفاميا وعمريت وبصرى وتدمر. ذلك بالإضافة إلى الأماكن الدينية الهامة التي تجتذب السياحة الروحية، والطبيعة المتنوعة الخلابة التي تستهوي الراغبين بالسياحة الترفيهية.

بيد أن هذه الموارد الطبيعية والبشرية والاقتصادية الهامة لم يحسن استغلالها على النحو الأفضل. مما جعل أداء الاقتصاد السوري ضعيفاً ولا يتناسب مع ما يتوفر لديه من إمكانات. تشير تقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا (ESCWA) إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في سورية كان في عام 1999 من أقل المعدلات في الإقليم، حيث سجل معدل نمو أقل من 1•(5). هذا الواقع للاقتصاد السوري يطرح سؤالاً ملحاً: ما الذي حدث كي يصل الاقتصاد السوري إلى هذا المستوى من الأداء الضعيف بالرغم من الإمكانات الهامة المتوفرة له؟

للإجابة على هذا السؤال قد يحسن إجراء مراجعة سريعة لمسيرة الاقتصاد السوري خلال العقود الأربعة المنصرمة.

أداء الاقتصاد خلال العقود الأربعة المنصرمة:

لقد شهد الاقتصاد السوري في مسيرته الطويلة خلال النصف الثاني من القرن العشرين موجات من الركود والنهوض بتأثير عوامل داخلية وخارجية عديدة.

في الستينات:

خلال الفترة 1966 ـ 1970 لم يكن أداء الاقتصاد السوري يدعو للارتياح، إذ لم يزد معدل النمو السنوي للقطاع الزراعي خلال هذه الفترة عن 1• بالأسعار الثابتة(6). كان يكّمن وراء ذلك عدة عوامل من بينها: الظروف المناخية غير المواتية، تأخر توزيع مساحات واسعة من الأراضي المستولى عليها بموجب قانون الإصلاح الزراعي، بطء نمو التعاونيات الزراعية، انخفاض نسبة التوسع في التسليف الزراعي، انخفاض حجم المستوردات من الآليات الزراعية والأسمدة والمبيدات الحشرية وضآلة الاستثمار في القطاع الزراعي.

لم يكن القطاع الصناعي بأوفر حظاً من القطاع الزراعي، إذ اتجهت الفوائض المالية المتحققة من المؤسسات الصناعية العامة التي تنتج نسبه تتراوح بين 49• و 67• من مجمل الإنتاج الصناعي نحو الانخفاض خلال النصف الثاني من عقد الستينيات، وذلك بتأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض مستوى الإنتاجية(7).

على الرغم من تزايد حجم التصدير من النفط الخام، عانت الصادرات من ركود مستمر بسبب انخفاض الإنتاج الزراعي، وتحول ميزان المدفوعات إلى عجز مستديم منذ عام 1968. وساهم النمو المتزايد في الإنفاق العام، الذي كان يجري تمويله إلى حد بعيد من الجهاز المصرفي، في زيادة الكتلة النقدية التي نمت خلال الفترة 1966 ـ 1970 بمعدل وسطي سنوي بلغ 13•(8).

في السبعينات:

من أجل معالجة حالة الركود، عمدت الحكومة السورية آنذاك لاتخاذ إجراءات عديدة باتجاه الانفتاح الاقتصادي. ففي عام 1971 تم اتخاذ بعض التدابير لتنشيط الاستيراد، حيث سمح للقطاع الخاص باستيراد سلع معينة شريطة الحصول على تسهيلات ائتمانية خارجية لمدة 365 يوماً على الأقل من المصدرين الأجانب تدفع من حساباتهم الخارجية بالقطع الأجنبي. ولتشجيع المواطنين السوريين على إعادة أموالهم المهربة، سمح لهم باستيراد بعض المواد الأولية وقطع التبديل والسلع الرأسمالية بما في ذلك السلع الممنوع استيرادها سابقاً، شريطة تمويل هذه المستوردات من حساباتهم بالقطع الأجنبي خارج البلاد.

كما أحدث في نيسان 1971 سوق موازية للقطع إلى جانب السوق الرسمي، حيث يتولى المصرف التجاري السوري تسعير الدولار آخذاً بعين الاعتبار تقلبات سعره بالأسواق العالمية. وقد حدد سعر الدولار في السوق الموازية في نهاية عام 1972 بـ 432 ق.س للدولار للمبيع مقابل 382 ق.س في السوق الرسمية(9). أدى تعديل سعر الدولار إلى تخفيض واقعي لسعر الليرة السورية، الأمر الذي ساهم في زيادة قدرة السلع السورية المصنعة على المنافسة ولاسيما المنتجات النسيجية.

كذلك اتخذت الحكومة السورية تدابير لتشجيع الادخار الداخلي، فألغت ضريبة الطابع على الفوائد المحصلة من المبالغ المودعة لأكثر من ستة أشهر، وتم إصدار شهادات الاستثمار. ثم لتشجيع الصناعات التصديرية وجذب رؤوس الأموال العربية، أحدثت المؤسسة العامة للمناطق الحرة. كما تم تحديد مساحات في كل من محافظات اللاذقية وحلب وطرطوس لإقامة مناطق حرة عليها بالإضافة إلى المنطقة الحرة التي كانت قائمة في دمشق. وجرى تخصيص مبالغ لبناء المرافق الأساسية في هذه المناطق.

على الرغم من أهمية هذه التدابير، فإن نتائجها لم ترق إلى مستوى التوقعات. يعود ذلك لأسباب عدة من بينها إحجام القطاع الخاص عن المساهمة في عملية التنمية الاقتصادية، وكون هذه التدابير لم تأت في سياق استراتيجية شاملة بعيدة المدى.

خلال فترة السبعينيات شهد الاقتصاد السوري تطوراً ملحوظاً غير مسبوق في القطر، إذ أمكن تحقيق معدلات نمو مرتفعة بلغ متوسطها السنوي خلال هذه الفترة 10•(10). وفي ضوء إحجام القطاع الخاص عن المشاركة الفعالة في عملية التنمية، كان لا مناص من أن تتحمل الدولة مسؤولية النهوض بالاقتصاد الوطني. هكذا قفزت الاستثمارات الإنمائية العامة من 3.9 مليار ليرة سورية في الخطة الخمسية الثانية (1966 ـ 1970) إلى 12.7 مليار ليرة سورية في الخطة الخمسية الثالثة (1971 ـ 1975)، ثم إلى 50.5 مليار ليرة سورية في الخطة الخمسية الرابعة (1976 ـ 1980)(11).

لقد استهدف البرنامج الاستثماري الطموح للخطتين الخمسيتين الثالثة والرابعة بشكل رئيسي تحقيق تنمية صناعية سريعة، وزيادة مساحة الأراضي المروية بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية.

تشير الإحصاءات الرسمية إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي بسعر السوق بأسعار 1985 الثابتة من 27967 مليون ليرة سورية في عام 1970 إلى 72078 مليون ليرة سورية في عام 1980، وإلى ارتفاع مجمل تكوين رأس المال الثابت بأسعار عام 1985 الثابتة من 3857 مليون ليرة سورية في عام 1970 إلى 17006 مليون ليرة سورية في عام 1980(12).

كذلك يستدل من الإحصاءات الرسمية أن الطاقة الكهربائية المركبة قد قفزت من 333 ميغا واط في عام 1970 إلى 1073 ميغا واط في 1980، وأن طول الطرق البرية قد ازداد من 11687 كم في عام 1970 إلى 19819 كم في عام 1980، وإن طول شبكة الخطوط الحديدية قد ازداد من 1140 من عام 1970 إلى 2017 كم عام 1980، وإن إنتاج مياه الشرب في مراكز المحافظات قد أرتفع من 135627 ألف م3 في عام 1970 إلى 301432 ألف م3 في عام 1980.

كما أرتفع عدد المدارس الابتدائية من 5261 مدرسة في عام 1970 إلى 7689 مدرسة في عام 1980، وازداد عدد المدارس الإعدادية والثانوية من 813 مدرسة عام 1970 إلى 1330 مدرسة عام 1980(13).

يعود النمو الذي تحقق في مرحلة السبعينيات بشكل أساسي إلى الأداء البارز لقطاعي الخدمات والإنشاء. أما القطاعات المنتجة للسلع (الزراعة والصناعة)، فكان أداؤهما ضعيفاً للغاية، لاسيما خلال النصف الثاني من السبعينيات، وذلك بسبب عوامل مختلفة.

يعزى بطء النمو في القطاع الزراعي إلى عدة عوامل لعل من أهمها تأخر إنجاز مشاريع استصلاح الأراضي لزيادة المساحة المروية، وانخفاض الكثافة المحصولية، وضعف خدمات الإرشاد الزراعي، والإفراط في تدخل الدولة في مسائل حيوية بالنسبة للقطاع الزراعي نذكر منها أنماط المحاصيل وحصر شراء المستلزمات والمحاصيل بالدولة. أما بطء النمو في القطاع الصناعي فيعود إلى تأخر إنجاز معظم المشاريع الصناعية بسبب القصور الذي اعترى دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية، وعدم تقيد الجهات الأجنبية المنفذة بالتزاماتها لوجود ثغرات عديدة في الشروط التعاقدية، فضلاً عن ضعف الإشراف والمتابعة من قبل الجهات الحكومية ذات العلاقة.

لم يقتصر تأثير هذه العوامل على تأخير إنجاز معظم المشاريع الصناعية، ما حال دون وضعها موضع التشغيل فحسب، بل أدت إلى وجود مشاكل فنية في التصميم والتنفيذ لعدد من المعامل أيضاً. الأمر الذي جعل من المتعذر تشغيلها بكامل طاقتها الإنتاجية، وساهم بالتالي في انخفاض معدل نمو القطاع الصناعي.

لعل من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن ظاهرة تأخر إنجاز المشاريع الإنمائية عن الأزمنة المحددة لها قد شملت معظم القطاعات الاقتصادية خلال فترة الخطتين الخمسيتين الثالثة (1971 ـ 1975) والرابعة (1976 ـ 1980). يعود ذلك إلى ما اتسمت به هاتان الخطتان من طموح مغالى فيه. فالبرامج الاستثمارية لهاتين الخطتين لم تكن تتوافق والطاقة الاستيعابية للاستثمارات في الاقتصاد السوري. إذ بالرغم من أن نسبة التنفيذ المالي للخطة الخمسية الثانية (1966 ـ 1970) لم تتجاوز 77•(14)، فقد جاءت استثمارات الخطة الخمسية الثالثة (1971 ـ 1975) تفوق استثمارات الخطة الخمسية الثانية بأكثر من ثلاث أضعاف. كذلك تجاوزت استثمارات الخطة الخمسية الرابعة (1976 ـ 1980) استثمارات الخطة الخمسية الثالثة بنحو أربعة أضعاف. وأدى عدم التوافق بين البرامج الاستثمارية الطموحة والطاقة الاستيعابية المحدودة للاستثمارات في الاقتصاد السوري إلى ظهور اختناقات حادة جراء عجز القطاعات الاقتصادية المختلفة عن تأمين احتياجات المشاريع الإنمائية المدرجة في الخطتين المذكورتين.

لم تقتصر هذه الاختناقات على مجال محدد، بل شملت طيفاً واسعاً من المجالات امتد من القوى العاملة الماهرة إلى المواد الأولية، وتسهيلات النقل والشحن وقدرة المرافئ على الاستيعاب والتفريغ والتخزين، بالإضافة إلى مرافق البنية التحتية كالطرق والخطوط الحديدية وشبكات المياه والكهرباء والمواصلات السلكية واللاسلكية. وإزاء ضخامة وكثرة عدد المشاريع الإنمائية المدرجة في الخطتين المذكورتين لم تستطع الأجهزة الفنية لدى الجهات الحكومية المعنية من ممارسة دور فعال في مراجعة الدراسات الاقتصادية والمخططات التصميمية والتنفيذية والقيام بمهام المتابعة والإشراف.

لم تؤد الاختناقات التي نجمت عن غياب التوازن بين البرامج الاستثمارية للخطتين الخمسيتين الثالثة والرابعة وبين الطاقة الاستيعابية للاستثمارات في الاقتصاد السوري إلى تأخير إنجاز المشاريع الإنمائية لفترة تجاوزت السنتين في حالات كثيرة فحسب، بل عملت على زيادة تكاليفها بشكل ملحوظ أيضاً. مما جعل بعض المشاريع المجدية اقتصادياً تتحول إلى مشاريع خاسرة غدت عبئاً على الاقتصاد الوطني فيما بعد.

اقترن الخلل بين حجم البرامج الاستثمارية للخطتين الخمسيتين الثالثة والرابعة وبين الطاقة الاستيعابية للاستثمارات في الاقتصاد السوري بخلل آخر تجلى في غياب التوازن بين المشاريع ذات المردود العاجل والمشاريع ذات المردود الآجل، وكذلك بين المشاريع الإنتاجية والخدمية. والواقع أن الحرص على تطوير البنية التحتية للاقتصاد السوري وتوسيع مساحة الأراضي المروية لتنمية القطاع الزراعي قد أدى إلى تخصيص استثمارات ضخمة لمشاريع استصلاح الأراضي والطرق والخطوط الحديدية والكهرباء على حساب المشاريع التي تساعد على زيادة الغلة الزراعية وتحسين الإنتاجية في الصناعة. كما لا يخفى أن عمليات الاستصلاح والاستزراع تستغرق سنوات عديدة قبل أن تبدأ الأراضي المستصلحة بالإنتاج بشكل اقتصادي. وأن مشاريع البنية التحتية لا تنتج سلعاً استهلاكية لامتصاص القدرة الشرائية التي يولدها الإنفاق على تنفيذ هذه المشاريع.

كان من جراء تأخر إنجاز المشاريع الصناعية والزراعية المنتجة للسلع من ناحية، وتركيز الاستثمارات في المشاريع ذات المردود الآجل على حساب المشاريع ذات المردود العاجل، أن زادت الفجوة اتساعاً بين العرض والطلب على السلع في السوق المحلية. كما ولم يسعف الاستيراد الخارجي في تضيق الفجوة بسبب النقص الحاد في القطع الأجنبي، ما نجم عنه ارتفاع أسعار السلع واتساع عمليات التهريب وتعاظم حجم السوق غير النظامية. ساعدت أزمات العرض الحادة والمتنوعة البرجوازية التجارية السورية على تحقيق أرباح احتكارية على حساب فئات ذات الدخل المحدود. ولم تكن زيادات الرواتب والأجور التي تحققت في فترة السبعينيات متناسبة مع ارتفاع الأسعار، ما جعل المداخيل الحقيقية لفئات عديدة من المواطنين تتجه نحو الانخفاض بشكل ملحوظ.

في الثمانينات:

خلال حقبة الثمانينيات أخذت التشوهات، التي أصابت الاقتصاد السوري جراء الخطط الإنمائية الطموحة وغير المتوازنة، بالتفاقم. وغدت مظاهر الأزمة تنضج عاماً بعد عام، كلما ازداد الخلل في التوازنات الداخلية والخارجية.

كانت الفجوة بين التدفقات النقدية والتدفقات المادية تزداد اتساعاً. تشير إحدى الدراسات أن الكتلة النقدية قد تضاعفت خلال السنوات 1980 ـ 1990 بما يعادل 5.5 مرة، في حين لم يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة 24• خلال نفس الفترة(15).

يعزى قصور التدفقات المادية إلى ضعف أداء القطاعات السلعية. فالظروف المناخية غير المواتية وحالة الجفاف التي سادت عدة سنوات خلال حقبة الثمانينات قد أدت إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، لاسيما الحبوب الذي تدنى إنتاجه بشكل ملحوظ عام 1984. كذلك لم يكن أداء القطاع الصناعي بأفضل حالاً من أداء القطاع الزراعي، حيث انخفضت القيمة المضافة للقطاع الصناعي خلال حقبة الثمانينيات بشكل ملحوظ. وأدى عدم كفاية المواد الأولية المحلية من ناحية، وعدم توفر المواد الأولية المستوردة والقطع التبديلية بالقدر اللازم جراء نقص موارد القطع الأجنبي من ناحية أخرى، إلى تدني نسبة الاستفادة من الطاقات الإنتاجية المركبة بشكل ملحوظ(16). كما ساهم الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي عن المؤسسات الصناعية، ونقص اليد العاملة الماهرة والكفاءات الإدارية القيادية في ضعف أداء القطاع الصناعي.

لقد نتج عن اتساع الفجوة بين التدفقات النقدية والتدفقات المادية ارتفاع الأسعار خلال الفترة 1980 ـ 1990 بمعدل وسطي سنوي بلغ 19.58•(17). ترافق ذلك باتساع الفجوة بين الموارد المتاحة واستخداماتها. فالتضخم المكبوت الذي أدى إلى فقدان 90• من القوة الشرائية للعملة المحلية خلال عقد الثمانينيات(18) لم يساعد على تنمية الموارد المحلية. كذلك أخذت الموارد الخارجية من معونات حكومية وقروض ميسرة تتجه نحو الانخفاض بشكل متسارع منذ مطلع الثمانينيات. فالمعونات العربية التي خصصت لسورية على أثر مؤتمر القمة في بغداد في تشرين الثاني عام 1978 أخذت تتقلص تدريجيا نتيجة لامتناع بعض الدول العربية عن الوفاء بالتزاماتها. من ناحية ثانية، عمدت بعض الدول الغربية إلى إيقاف مساعداتها المالية إلى سورية نتيجة لموقفها القومي والمبدئي من اتفاقية كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية في محاولة للضغط الاقتصادي عليها لتليين مواقفها السياسية من المخططات الاستسلامية. وهكذا ما أن انقضى عقد الثمانينيات حتى لم يتبق من الموارد الخارجية إلا النذر اليسير الذي يمثل في غالبيته التزامات سابقة لم يكن بالمستطاع إيقافها.

كذلك اتسعت الفجوة بين الاستيراد والتصدير من جراء تزايد الاستيراد بمعدلات أعلى من تزايد التصدير. مما أدى إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري من 7915 مليون ليرة سورية في عام 1980 إلى 9947 مليون ليرة سورية عام 1988(19). كان لسعر صرف الليرة السورية المغالى في قيمته تأثير سلبي على القدرة التنافسية للصادرات السورية، ولاسيما المحاصيل الزراعية القابلة للتصدير. وتأتى عن ذلك تضاؤل موارد القطع الأجنبي، واشتداد الضغوط على ميزان المدفوعات.

في ضوء التشوهات التي سبق الإشارة إليها، لم يكن من المستغرب أن يسجل الدخل الوطني خلال حقبة الثمانينيات نمواً سالباً. إذ بلغ معدل النمو السنوي الوسطي للدخل الوطني بالأسعار الجارية 15.7•، في حين أن الأسعار قد ازدادت خلال نفس الفترة بمعدل نمو وسطي سنوي 19.58. وبذلك يكون الدخل الوطني بالأسعار الثابتة لعام 1980 قد تراجع بما يعادل 3.88• سنوياً(20) خلال تلك الحقبة. كذلك تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الناتج الصافي بتكلفة عوامل الإنتاج وبأسعار 1995 الثابتة، قد انخفض من 378.2 مليار ليرة سورية في عام 1980 إلى 358.2 مليار ليرة سورية عام 1990(21).

للتعامل مع الوضع الاقتصادي المأزوم لجأت الحكومة السورية إلى اتباع سياسة متدرجة للإصلاح، واتخذت منذ منتصف الثمانينيات عدداً من الإجراءات والتدابير الاقتصادية لتنشيط الاقتصاد السوري. لعل من أهمها: إصدار عدد من القوانين والقرارات لتشجيع الاستثمارات الخاصة في الزراعة والسياحة والصناعة، السماح بتأسيس شركات مساهمة في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني على أن يساهم القطاع العام بنسبة 25• من رأس المال، إتاحة المجال للقطاع الخاص بإنتاج بعض السلع الصناعية التي كان إنتاجها حكراً على القطاع العام، إجازة بيع وشراء العملات الأجنبية بالسعر الجاري، السماح للقطاع الخاص بالاحتفاظ بنسبة 75• من القطع الحر الناجم عن التصدير في حساب خاص لتمويل مستورداتهم من بعض السلع المسموح باستيرادها من قبل المصدرين مباشرة.

على الرغم من التحسن الذي طرأ على مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج الإجمالي الصناعي بتأثير تلك الإجراءات، إذ ارتفعت من 22• عام 1985 إلى 27• عام 1990، فإن اقتصارها على بعض مظاهر الأزمة الاقتصادية قد جعلها مجرد معالجة جزئية سطحية ذات أثر محدود لا ترقى إلى مستوى المعالجة الشاملة لجذورها. وهكذا دفع استمرار الأزمة الحكومة السورية للبحث عن إجراءات جديدة إضافية لتطويقها.

تلك إذن كانت حالة الاقتصاد السوري في حقبة الثمانينيات. وإذا شهدت هذه الحقبة بعض السنوات التي سجل فيها الاقتصاد السوري بعض الانتعاش بتأثير التوسع في استخراج النفط وجودة المواسم الزراعية جراء الظروف المناخية المواتية، فإن مظاهر الأزمة كانت تهيمن على الاتجاه العام. لقد بات من الواضح في أواخر الثمانينيات أن التصدي لمظاهر الأزمة الاقتصادية لم يعد يحتمل التأخير.

في التسعينات:

في مطلع التسعينيات أصدرت الحكومة السورية عدداً من التشريعات والقرارات لتفعيل النشاط الاقتصادي وتحفيز القطاع الخاص لزيادة مساهمته في عملية التنمية. استهدفت هذه الإجراءات: تخفيف القيود على التجارة، إعطاء دور كبير لقوى السوق في تحديد الأسعار، رفع أسعار بعض السلع، تخفيض الدعم عن السلع المدعومة، تخفيف الرقابة على تجارة الاستيراد والتصدير، إتاحة الفرصة أمام القطاع الخاص لاستيراد مواد كان استيرادها محصوراً بمؤسسات القطاع العام، التخفيض الفعلي لقيمة الليرة السورية من خلال إزالة الفوارق بين أسعار القطع الأجنبي، تشجيع الاستثمار الخاص والعربي والأجنبي، السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في فروع صناعية كانت مقتصرة على القطاع العام، الإلغاء التدريجي للقيود المفروضة على الصناعة، تبسيط عملية الترخيص لإقامة مشاريع صناعية إلى حد ما، تحسين وضع الطاقة الكهربائية، تخفيف الرقابة على القطع، السماح للمواطنين المقيمين بفتح حسابات بالعملات الأجنبية القابلة للتحويل، التقليل من القيود الإدارية والاستعاضة عنها بالحوافز، تعديل هيكلية ضريبة الدخل باتجاه التخفيض.

يأتي القانون رقم 10 لعام 1991 في مقدمة تلك الإجراءات الاقتصادية. كان الهدف من هذا القانون تشجيع الاستثمار من خلال توفير حزمة من الإعفاءات والحوافز والامتيازات. ولعل من أهم تلك الحوافز: السماح للمشاريع باستيراد جميع احتياجاتها استثناءً من الأنظمة النافذة ومعفاة من جميع الضرائب والرسوم، إعفاء الشركات المشتركة التي تساهم الدول بما لا يقل عن 25• من رأسمالها من ضريبة الدخل لمدة سبع سنوات اعتباراً من بدء الإنتاج أو الاستثمار والشركات غير المشتركة لمدة 5 سنوات، إعفاء العقارات والعرصات والآلات التي تملكها الشركة من ضريبة ريع العقارات والعرصات لمدة سبع سنوات بالنسبة للشركات المشتركة ولمدة 5 سنوات بالنسبة للشركات غير المشتركة، السماح للمستثمر بفتح حساب بالنقد الأجنبي لدى المصرف التجاري السوري، إعفاء الأسهم التي تصدرها الشركة المشتركة من رسم الطابع، السماح للمستثمر بإعادة تحويل قيمة حصته الصافية من المشروع بالنقد الأجنبي إلى الخارج بعد انقضاء خمس سنوات على استثمار المشروع.

يلاحظ أنه باستثناء المادة 15 التي منحت إعفاءاً إضافياً لمدة سنتين للمشاريع التي تتجاوز حصيلة صادراتها السلعية أو الخدمية 50• من مجموع إنتاجها خلال مدة الإعفاء، فإن القانون لم يحقق الربط الضروري بين الحوافز الممنوحة وبين التوجهات الاقتصادية الأخرى مثل توطين التقانات الحديثة، وتطوير المناطق الأقل نموا، ونسبة القيمة المضافة المتوقع تحقيقها. وإلى جانب الثغرات الجوهرية العديدة التي انطوى عليها هذا القانون، فإن إساءة تطبيقه قد أدت إلى نتائج عكسية ألحقت ضرراً بالغاً بالاقتصاد الوطني. “فالتفسير الخاطئ” بتشميل السيارات السياحية بالقانون رقم 10 أدى إلى السماح باستيراد سيارات نقل سياحية معفاة من الرسوم الجمركية والضرائب، وبالتالي ضياع موارد مالية طائلة على الخزينة السورية دون مبرر، وإلى تسرب مبالغ ضخمة بالقطع الأجنبي من خلال السوق السوداء إلى الخارج. وبدلاً من توظيف رؤوس أموالهم الخاصة، عمد بعض المستثمرين إلى الاقتراض من مصرف التسليف الشعبي أكثر من 300 مليون ليرة سورية لتمويل مشايع مشمولة بالقانون رقم 10(22).

من ناحية أخرى، أدى عدم التقيد بمعايير انتقاء المشاريع المنصوص عنها في القانون رقم 10، إلى الترخيص لمشاريع صناعية لا تتمتع بالأولوية لإنتاج سلع استهلاكية غير ضرورية (اللبان، الشامبو، علب البطاطا والشيبس، المياه الغازية، ورق اللعب،..). كما نتج عن عدم تدقيق الدراسات الاقتصادية التي أعدت على عجل قيام عدد من المشاريع الصناعية المماثلة في النشاط الصناعي الواحد بطاقات إنتاجية تفوق قدرة السوق الداخلية على الاستيعاب، وبمواصفات فنية لسلعها غير مقبولة بالأسواق الخارجية. الأمر الذي أفضى إلى تراكم مخزون هائل من السلع التي تنتجها، مما دفع ببعض أصحابها إلى التفكير بإغلاق مصانعهم. وإذا أضفنا إلى ما سبق الإجراءات الإدارية الطويلة والمعقدة التي يخضع لها المستثمر قبل الحصول على الموافقات الضرورية للمباشرة بالتنفيذ، والتي أدت إلى انخفاض نسب الإنجاز، لأدركنا إلى أي حد نجح سوء تطبيق القانون رقم 10 في الحؤول دون تحقيق النتائج المرجوة منه. لذلك لم يكن من المستغرب أن يتناقص حجم استثمارات القطاع الخاص بالنسبة لعام 1994 بمعدل 10• عام 1996، وبحوالي 30• عامي 1997 و1998(23).

مما لا شك فيه أن الإجراءات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة السورية منذ أواخر عقد الثمانينيات قد أدت بمجملها إلى إحداث انتعاش اقتصادي تجسد في تحقيق نسبة نمو مرتفعة للناتج المحلي الإجمالي بأسعار عام 1985 الثابتة خلال الفترة 1991 ـ 1994 بلغ متوسطها نحو 8.2•(24). كذلك قفز مجمل تكوين رأس المال الثابت للقطاع الخاص بالأسعار الثابتة لعام 1985 من 6751 مليون ليرة سورية عام 1985 إلى 11002 مليون ليرة سورية عام 1995(25). وازداد الإنتاج الصناعي للقطاع الخاص من 39813 مليون ليرة سورية عام 1990 إلى 79769 مليون ليرة سورية عام 1994(26). بيد أن هذا الانتعاش لم يستمر طويلاً، إذ بدأ الاقتصادي السوري يواجه مشاكل صعبة غدت تكبح اندفاعه. فالمنشآت الصناعية أخذت تعاني من أزمة تصريف حادة من جراء انخفاض حجم التصدير للأسواق الخارجية. تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مجمل الصادرات قد انخفض من 47282 مليون ليرة سورية عام 1990 إلى 44562 مليون ليرة سورية عام 1995(27). كما أن نسبة صادرات القطاع الخاص من مجمل الصادرات السورية باستثناء النفط قد انخفض من 68.5• عام 1990 إلى 48.4• في عام 1995(28).

لـم تقتصر مشكلة تراكم المخزون على القطاع الخاص، بل تعدته إلى القطاع العام، حيث تجـاوز المخزون المتـراكم لدى المؤسسة العامة النسيجية وحدها 8 مليارات ليرة سورية(29). كذلك اقترن انخفاض حجم الصادرات مع تضاؤل السيولة المالية في السوق الداخلي بتأثير سوء توزيع الدخل، وتدني القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود جراء ارتفاع أسعار السلع والخدمات بمعدلات تفوق معدلات زيادة دخولهم، بالإضافة إلى تخفيض الدعم الحكومي. تشير دراسة أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (قدمت إلى اجتماع الخبراء الذي عقد في دمشق في أواخر شهر شباط 1996 لدراسة استراتيجية القضاء على الفقر في الوطن العربي) إلى أن أكثر من 35• من سكان الريف و 18• من سكان المدن في سورية يعيش تحت خط الفقر(30).

فعوضاً عن أن تعمد الحكومة السورية آنذاك إلى تفعيل النشاط الاقتصادي من خلال توسيع السوق الداخلي بتصحيح الأجور، وإزالة العقبات التي تعرقل عمليات التصدير، وإعادة النظر بالنظام الضريبي، وإصلاح القطاع العام، وتأهيل المصارف، وزيادة الإنفاق الإنمائي العام، لجأت إلى انتهاج سياسة انكماشية مدفوعة بهاجس تخفيض نسبة العجز في الموازنة العام للدولة والحفاظ على استقرار سعر الصرف بالنسبة لليرة السورية. إذا كانت الحكومة قد أفلحت في تخفيض عجز الموازنة إلى أقل من 1• عام 1997، حسب إحصاءات وزارة المالية(31)، فإنها قد نجحت أيضاً في كبح النمو الاقتصادي. إذ انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 1996 إلى ثلث معدل النمو في العامين السابقين، وحقق نمواً سلبياً عام 1997 بمعدل 5• عن عام 1996(32).

مرة أخرى أتضح في أواخر عقد التسعينيات إن الإجراءات والتدابير الاقتصادية التي اتخذت لتفعيل النشاط الاقتصادي وتصحيح مسار الاقتصاد السوري لم تفلح في بلوغ الغايات المرجوة منها، وأن الحاجة تدعو إلى مزيد من الخطوات الأكثر فاعلية وتأثيراً.

إجراءات جديدة ونتائجها:

في محاولة جديدة للتعامل مع الأزمة البنيوية للاقتصاد السوري، أصدرت الحكومة السورية خلال عام 2000 عدة تشريعات عدلت بموجبها قانون الاستثمار رقم (10) لعام 1991، والمرسوم التشريعي رقم (24) لعام 1986 الخاص بالتعامل بالقطع الأجنبي، وقانون العقوبات الاقتصادية واختصاصات محاكم الأمن القومي. كما أجازت استيراد السيارات السياحية، وإقامة مصارف خاصة في المناطق الحرة. أتت هذه الإجراءات استجابة لمطالب قاعدة عريضة من رجال الأعمال السوريين. لكن التعديلات التي أدخلت كانت في مجملها مخيبة للآمال. فالنصوص التي تناولت المرسوم التشريعي رقم 24 لعام 1986 بالتعديل لم تبدد مخاوف رجال الأعمال، والتعديلات التي أدخلت على قانون العقوبات الاقتصادية لم تمس الأمور الجوهرية. كما جاءت صياغة قرار السماح باستيراد السيارات السياحية ملتبسة إلى الحد الذي جعل تنفيذه أمرا بالغ الصعوبة ومحدودا للغاية. وإذا كان المرسوم التشريعي رقم (7) قد اشتمل على إضافات هامة لم تلحظ في القانون رقم (10) لعام 1991، وعلى حوافز إضافية لتشجيع الاستثمار، فإن السماح للمستثمرين الأجانب بتملك العقارات دون التقيد بسقف الملكية أمر يدعو للقلق والخوف في ضوء احتمال “الخطأ في تفسير النصوص” أو الإساءة في التطبيق. وعلى الرغم من أن أربعة مصارف لبنانية قد حصلت على تراخيص بافتتاح فروع لها في المناطق الحرة، فإن احتمالات التوسع في هذا المجال تبدو ضئيلة، نظراً لقلة عدد المستثمرين في المناطق الحرة الذي لا يتجاوز 350 مستثمراً.

في خطوة غير مسبوقة، أعلن رئيس المكتب الاقتصادي القطري في تصريح صحفي مؤخراً أن القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي قد أقرت إحداث مصارف خاصة على شكل شركات مساهمة خاصة أو مشتركة، وإقامة سوق لتداول الأوراق المالية. جاء هذا القرار ليحسم النقاش بشكل مفاجئ حول ضرورة قيام مصارف خاصة وسوق لتداول الأوراق المالية. تجدر الإشارة هنا إلى أن لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية والقوانين المالية في مجلس الشعب لم تقترحا في دراستهما إحداث مصارف تجارية خاصة وإنشاء سوق لتداول الأوراق المالية. لكن بصرف النظر عن الموقف من هاتين المسألتين، فإن هذه الخطوة الجريئة تنطوي على مخاطر عديدة، إذ أن الواقع المتردي للمصارف السورية العامة يجعلها غير قادرة على الصمود في وجه منافسة المصارف الخاصة.

ومع أن موضوع إعادة تأهيل المصارف التجارية السورية يكاد لا يخلو من البيانات الحكومية وتصريحات المسؤولين منذ سنوات عدة، فإن شيئاً ملموسا في هذا المجال لم يحدث حتى الآن. إذا أضفنا إلى ذلك واقع مصرف سورية المركزي الذي كف عن ممارسة وظيفة الرقابة على المصارف منذ أمد بعيد، والذي يفتقر إلى الخبرة الضرورية والكوادر المؤهلة لممارسة هذه الوظيفة، فإننا ندرك خطورة إحداث مصارف خاصة. غني عن القول أن السماح بإقامة مصارف خاصة في غياب رقابة فعالة من قبل مصرف سورية المركزي من شأنه أن يفسح المجال لتجاوزات وانحرافات خطيرة تهدد توسع واستقرار الاقتصاد السوري. فالمصارف التي تضخ السيولة في عروق الاقتصاد الوطني، والتي تمثل أحد مكونات الجهاز العصبي له، ينعكس أداءها على مجمل الاقتصاد الوطني سلبا أو إيجابا. كان يمكن لهذه الخطوة أن تكون مفيدة لو أنها جاءت بعد تحديث المصارف السورية العامة وتعزيز قدرات البنك المركزي للقيام بوظائفه على أكمل وجه. أما بشأن إحداث سوق لتداول الأوراق المالية، فيمكن القول بأن الشروط الموضوعية لقيامها والمتطلبات الضرورية لنجاحها غير متوفرة حالياً. إن معظم الشركات القائمة حالياً في سورية تعود ملكيتها للقطاع العام، وهي بالتالي خارج نطاق سوق الأوراق المالية. والشركات المساهمة الخاصة ما زالت قليلة العدد وضعيفة الإمكانيات ومعظمها لا يحقق أرباحاً في حالات كثيرة، وهي إن حققت أرباحاً فإن معدلها يقل أحياناً عن معدل الفائدة في المصارف. فضلاً عن ذلك، إن الإطار القانوني لتشجيع إقامة شركات مساهمة خاصة غير موجود، إذ أن مشروع القانون الذي أعد استناداً لدراسة لجنة شكلت منذ عام 1975 لإعادة النظر في قانون التجارة لعام 1949 ما زال قيد النظر حتى الآن. يقترن عدم توفر الشروط الموضوعية لقيام سوق لتداول الأوراق المالية بفقدان المتطلبات التي لا غنى عنها لضمان نجاحها وأهمها: الأطر التنظيمية والإدارية، الكوادر الفنية المتخصصة، البنية العلمية والتكنولوجية، الأرضية القانونية.

يمكن القول أنه بقدر ما كانت خطوة إحداث مصارف خاصة وسوق لتداول الأوراق المالية جريئة وسابقة لأوانها، بقدر ما كان التعامل مع مسألة إصلاح القطاع العام الصناعي يشوبه التخبط والارتباك ويفتقد إلى الجدية والتصميم. مرة أخرى، كان هناك الكثير من الأحاديث عن إصلاح القطاع العام الصناعي والقليل القليل من العمل لتحقيق ذلك. وكان من حين لآخر يسوق لفكرة على أنها خشبة النجاة للقطاع العام، لكنه سرعان ما يتضح عجزها عن القيام بمهمة الإنقاذ. بيد أنه علينا أن نعترف بأن إصلاح القطاع العام الصناعي هو مسألة بالغة التعقيد وذات أبعاد اجتماعية وسياسية فضلا عن جوانبها الاقتصادية. إن التخلص من فائض العمالة لدى شركات القطاع العام الصناعي، على سبيل المثال، سيقود إلى أزمات اجتماعية حادة ما لم يكن الوضع الاقتصادي العام في حالة توسع بحيث يتمكن من امتصاص العمالة الفائضة. لكن تعقيد وحساسية مسالة إصلاح القطاع لا تكفي وحدها لتفسير التخبط والتردد في مواجهتها. ثمة تعارض في المصالح وصراع خفي يدور حول مسألة إصلاح القطاع العام الصناعي. فالمنتفعون من القطاع العام الصناعي يدافعون عن بقائه، لكنهم لا يريدون إصلاحه. إنهم يريدون بقاءه على وضعه الحالي لأن هذا الوضع بما ينطوي عليه من ثغرات ونقاط ضعف يمكنهم من الانتفاع منه على أفضل وجه.

من جانب آخر ترتفع أصوات تنادي بخصخصة منشآت القطاع العام الصناعي بذريعة أنها قد غدت عبئا على الاقتصاد الوطني. تعكس تلك الأصوات رغبات فئة اجتماعية تمكنت من جمع رؤوس أموال ضخمة بطرق مشروعة وغير مشروعة، وتتجاوب مع نصائح عدد من منظرين أوروبيين. لكن تتجاهل تلك الأصوات إن الفوائض الاقتصادية لمنشآت القطاع العام الصناعي تحوّل بالكامل إلى وزارة المالية، وأن الاستثمار فيها قد توقف منذ الثمانينيات حتى عام 1994، وأن الأداء غير المرضي لبعضها إنما يعود لعوامل عديدة تناولها بالتحليل اقتصاديون يؤمنون بحق أن مسؤولية التنمية لا يستطيع القطاع الخاص في وضعه الراهن تحملها بمفرده، وأن للقطاع العام دور استراتيجي لا غني عنه في إطار التعددية الاقتصادية.

على الرغم من أن مشاكل القطاع العام الصناعي وسبل معالجتها باتت معروفة منذ زمن طويل، فان التردد في اتخاذ خطوات جذرية للإصلاح ظل سيد الموقف. تتجلى خطورة هذا الموقف في ضوء الموافقة على الانضمام إلى الشراكه الأوروبية المتوسطية التي ستشكل تحديا مصيريا للصناعة السورية بقطاعيها العام والخاص. ومع أنه قد انقضى حوالي خمس سنوات على بدء المفاوضات مع الجانب الأوروبي بشأن الشراكة، فإنه لم يجر حتى الآن إعداد برنامج متكامل لإعادة تأهيل الصناعة السورية من أجل زيادة قدرتها التنافسية. وبطبيعة الحال إن إعداد هكذا برنامج يقتضي وضع دراسات تفصيلية ومعمقة عن الصناعات القائمة لتشخيص مشاكلها بدقة والتعرف على حظها في الصمود في وجه المنافسة العالمية. كذلك عن أوضاع الأسواق الدولية واتجاهاتها ولاسيما الأسواق العربية والأوروبية لاكتشاف الفرص المتاحة للدخول إليها ومتطلبات ذلك. كما يتطلب البرنامج اتخاذ قرارات جريئة في قضايا هامة تتعلق بالتخصص الصناعي الملائم في ضوء التطورات الاقتصادية في العالم، وبأشكال الدعم المطلوبة ضمن أفق زمني محدد، وبالسياسات الاقتصادية المحفزة. غني عن القول أن تحقيق ذلك يستلزم وقتا ليس بالقصير، وأن الوقت المتاح لذلك لم يعد طويلا.

مع توفر القناعة بأن التكامل والتنسيق الاقتصادي العربي من شأنه أن يعزز موقف سورية في اتفاق الشراكة الأوروبية المتوسطية، فإن تنفيذ أحكام اتفاقية التجارة العربية الحرة الكبرى والجدول الزمني لها ما زال يتعثر بسبب البيروقراطية المستفحلة وتلكؤ الأجهزة التنفيذية المعنية والاستثناءات العديدة التي تقدمت بها إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي تحت ضغط عدد من الصناعيين. إذ أن معظم الصناعات السورية التي نشأت في ظل سياسة حمائية مطلقة وشاملة غير قادرة على الاستمرار في البقاء في بيئة اقتصادية مفتوحة. وإذا استثنينا عددا قليلا من الصناعيين الذين أخذوا يدركون خطورة التحديات التي ستواجههم في ظل المنافسة الحرة، والذين بادروا إلى تطبيق برامج تحسين الجودة للارتقاء بأداء مؤسساتهم إلى المستوى المطلوب، فان غالبية الصناعيين ما زالوا يصرون على استمرار الحماية التي تمكنهم من فرض أسعار احتكارية لسلعهم على حساب المستهلكين.

تحديات ومقترحات:

هكذا نجد أنه بعد انقضاء خمسة عشرة عاما على بدء خطوات الإصلاح، لم يخرج الاقتصاد السوري من أزمته التي تحول دون استخدام الموارد الطبيعية والبشرية والاقتصادية المتاحة للقطر على النحو الأفضل، وهو غير مهيأ لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. يأتي في مقدمة هذه التحديات تصحيح الخلل في بنية الاقتصاد الوطني. ذلك من خلال: جسر الفجوات بين الموارد والاستخدامات، وبين التدفقات النقدية والتدفقات السلعية، وبين الاستيراد والتصدير، وبين الإنتاج والتصريف، وبين الأجور والأسعار. لا شك أن مواجهة هذا التحدي تتطلب إعادة النظر في السياسات المالية والنقدية والضريبية والتجارية. ولكي لا تأتي عملية إعادة النظر انتقائية ومجتزأة وسطحية، فانه لا بد أن تستند إلى منظور شامل ورؤية مستقبلية بعيدة المدى. غني عن القول أن مهمة كهذه تتطلب وضع برنامج وطني تتضافر لتنفيذه جميع الجهود والقوى الاجتماعية، وتضطلع الدولة بدور فعال في توجيهه.

في سياق هذا البرنامج يأتي التعامل مع التحدي الثاني وهو إعادة تأهيل القطاع الصناعي العام والخاص لتعزيز قدرته التنافسية لمواجهة مخاطر العولمة. تندرج في هذا الإطار ضرورة حسم الأمر فيما يتعلق بالانضمام أو عدم الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية. كما أن التعامل مع مخاطر عولمة التجارة الخارجية ينبغي أن يتم على أرضية التعاون الاقتصادي العربي على المستويين الثنائي والقومي، لاسيما في إطار اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى والتعاون والتنسيق السوري اللبناني. لا بد لمواجهة هذا التحدي بنجاح من أن تجري عملية تأهيل القطاع الصناعي ضمن استراتيجية للتنمية الصناعية تعيد النظر في مجالات التخصص، وتضع الأولويات، وتحدد السياسات والآليات الكفيلة بتمكين الصناعة السورية من امتلاك مقومات الميزة التنافسية.

تقود مواجهة تحدي تأهيل القطاع الصناعي إلى تحدي آخر هو تحدي اكتساب وتوطين وتطويع التقانات الحديثة. إذ غدا من المسلم به أنه لا مستقبل لاقتصاد لا يرتكز على قاعدة تقانية متقدمة، ولا يمتلك الديناميات التي تمكنه من متابعة التطوير التقاني باستمرار. يقتضي التعامل مع هذا التحدي إعداد استراتيجية وطنية للعلم والتقانة، وإيجاد منظومة متكاملة للعلم والتقانة، وتفعيل العلاقات والتعاون بين مراكز البحث العلمي والمؤسسات الصناعية.

يمثل الإصلاح الإداري تحدياً جدياً آخر يواجه الاقتصاد السوري. فالظواهر المرضية التي أفرزها نمط التنمية غير المتوازن والممارسات المنحرفة، والتي تجلت في التقاعس عن أداء العمل، والعزوف عن تحمل المسؤولية، وطغيان الروتين، وتغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة، وانتشار الفساد، وتدني مستوى الأداء، تجعل من غير الممكن القيام بأي إصلاح اقتصادي دون المرور من بوابة الإصلاح الإداري.

كما أدت التنمية غير المتوازنة إلى نشوء ظواهر مرضية في الإدارة العامة، كذلك ساهمت في تلويث البيئة من خلال إقامة معامل لم تلتزم بالاعتبارات البيئية. وأدى التوسع الصناعي السريع دون مراعاة متطلبات الحفاظ على البيئة إلى ظهور مشاكل بيئية تجلت في التلوث الناجم عن المواد الكيميائية والنفايات الخطرة والسامة، والحوادث الصناعية. كان لهذه الملوثات تأثير على ظاهرة التصحر، وتدهور الحياة البحرية، وتلوث المياه العذبة والجوفية، وتلوث الهواء، والأخطار المهنية الصحية، والضجيج. وبالإضافة إلى مصادر التلوث الناجمة عن الصناعة، يوجد مصادر أخرى تتجلى بالغازات السامة الناتجة عن تشغيل السيارات داخل وخارج المدن، والنفايات الإنسانية. على الرغم من عدم كفاية الإجراءات والتدابير التي اتخذت للحفاظ على البيئة، فان المسألة الأكثر إلحاحاً هو تفعيل تنفيذها بدقة وبدون تساهل.

لا يقل تحدي الاستخدام المرشد لمصادر المياه المتاحة وضرورة البحث عن مصادر أخرى لمواجهة احتياجات المستقبل، أهمية وخطورة عن التحديات الأخرى. فمشكلة المياه التي أخذت تتسارع حدتها، سوف تغدو مستعصية على الحل ما لم يتم التعامل معها منذ الآن في إطار استراتيجية وطنية مائية تتناول تنمية الموارد المائية وترشيد استخداماتها.

مع التعرض للانعكاسات السلبية للتنمية غير المتوازنة التي اتبعت منذ منتصف السبعينيات، لا بد من التوقف عند تحدي إعادة توزيع الدخل. إذ كان من جراء الخلل الذي أحدثه هذا النمط من التنمية في البنية الاقتصادية أن أفسح المجال أمام فئة قليلة من السوريين للحصول على أموال طائلة بطرق مختلفة، سواء من خلال الاحتكار أو المضاربة أو السمسرة أو تسخير الوظيفة العامة للمصلحة الخاصة. في حين أدى التضخم وعدم التوازن بين ارتفاع الأسعار وزيادات الأجور إلى تآكل الدخول الحقيقية وانضمام معظم شرائح الطبقة الوسطى إلى فئات الشعب من ذوي الدخل المنخفض والمحدود، والتي أخذت أوضاعها المعيشية بالتدهور على نحو متسارع. لا يستمد التعامل مع هذا التحدي ضرورته من اعتبارات إنسانية فحسب، بل تستند إلى العلاقة الوثيقة بين التوزيع العادل للدخل من جهة وبين عملية التنمية والاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى أيضاً.

لم يكن فشل خطوات الإصلاح في تحرير الاقتصاد السوري من أزمته بالأمر غيـر المتوقع. فالإجراءات الاقتصادية التي اتخذت عبر المراحل المختلفة لم تؤد إلى تصحيح الخلل في بنية الاقتصاد السوري بشكل جذري، لكنها أفضت إلى إعادة إنتاجه بطريقة أو بأخرى. يعود ذلك لكون تلك الإجراءات لم تنبع من تصور واضح لمستقبل الاقتصاد السوري الذي نرغب بالوصول إليه في نهاية المطاف. فهي لم تأت في سياق برنامج شامل للنهوض بالاقتصاد السوري ضمن أفق زمني تحدد فيه الأهداف والأولويات والأدوات والآليات بشكل واضح. غالباً ما كانت الإجراءات الاقتصادية تتخذ بعد استفحال المشاكل الاقتصادية، فتأتي المعالجات مرتبكة ومتسرعة وغير مدروسة بالقدر الذي يتناسب مع خطورة المشاكل. كانت تعكس تاليا حالة من الانفعال أكثر مما تجسد من فعل، الأمر الذي يولد مشاكل أخرى تزيد من تعقيد المشاكل التي استهدفت الإجراءات معالجتها بالأصل.

نظرا لعدم وجود برنامج شامل للإصلاح، فقد اتسمت الإجراءات الاقتصادية المتخذة بكونها جزئية انتقائية، متعارضة فيما بينها في بعض الأحيان، متسرعة أو متأخرة عن أوانها في معظم الأحيان، غير متوافقة مع الأولويات التي تمليها التشابكات الاقتصادية. لذلك جاءت المعالجات سطحية، تعنى بمظاهر الأزمة أكثر مما تمس جذورها، تنشغل بالقضايا الأقل إلحاحا على حساب القضايا الأكثر جوهرية، ذات تأثير ضعيف وغير فعال، وتفتقر إلى التناسق فيما بينها. في غياب تصور واضح لمستقبل الاقتصاد السوري المرغوب وبرنامج شامل للإصلاح الاقتصادي، يتاح للأجهزة التنفيذية حرية أوسع لاتخاذ تدابير اقتصادية جزئية بهدوء وبدون ضجة تخدم مصلحة عدد محدود من الأفراد تحت شعار الإصلاح.

يترافق الافتقار إلى رؤية مستقبلية وبرنامج شامل للإصلاح مع ضعف في أداء القيادة الاقتصادية العليا في الحكومة، وعجزها عن تحريك الأجهزة الاقتصادية التنفيذية على نحو متناغم، وترددها في اتخاذ قرارات حول مختلف القضايا مهما بلغت درجة أهميتها. وكما لا يخفى إن عجز القيادة الاقتصادية العليا عن ممارسة دورها بفعالية يفسح المجال أمام أفراد الطاقم الاقتصادي في الحكومة للتصرف بانفراد. الأمر الذي لا يمكن الحكومة من العمل كفريق واحد متكامل، ولا يساعد على تحقيق تنسيق وتعاون بين أطراف الطاقم الاقتصادي. ولعل من المهم أن نشير هنا إلى أن الاختلاف في وجهات النظر بين وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ووزارة المالية بشأن انضمام سورية إلى منظمة التجارة الدولية، والذي بدأ منذ أكثر من سبعة أعوام، مازال لم يحسم حتى الآن. وإذا كان التباين في موقف كل من وزارتي الاقتصاد والتجارة الخارجية والمالية حيال المسألة هو أمر يمكن فهمه في ضوء الاختلاف في اهتمامات كل منهما، فان بقاء هذه المسألة ذات التأثير البالغ على مستقبل الاقتصاد السوري دون حسم عدة سنوات هو أمر يصعب تبريره، سيما وأن عامل الزمن يلعب دورا بالغ الأهمية من حيث النتائج.

إن عملية الإصلاح الاقتصادي، في الواقع، عملية معقدة ومتعددة الجوانب وطويلة الأجل. لكي تؤتي هذه العملية ثمارها، فانه لا بد أن تنطلق من رؤية مستقبلية للاقتصاد السوري وبرنامج شامل يتناول مختلف جوانب الحياة الاقتصادية. بمعنى آخر، ما لم تستكمل الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة السورية منذ منتصف الثمانينات بإجراءات أخرى تتناول إصلاح النظام المصرفي والنقدي والمالي الإداري، إلى جانب إصلاح القطاع العام، فان إمكانية تطوير الإجراءات باتجاه إصلاح اقتصادي متكامل الأبعاد لإعادة تحريك الاقتصاد السوري تبدو ضئيلة.

وبالنظر إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي تفرز آثارا اجتماعية سلبية في الأجل القصير، وتتطلب من المواطنين مزيدا من الجهد والتحمل، فان إشراكهم في صياغة الإطار العام للبرنامج واكتساب تأييدهم وفهمهم له يحظى بأهمية بالغة لضمان نجاح عملية الإصلاح.

كما أن توسيع مشاركة المواطنين من خـلال مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية غير الحكومية من شأنه أن يساعد على تفعيل الرقابة الشعبية على تنفيذ البرنامج، ويجنب عملية الإصلاح الانحراف عن مسارها الصحيح.

بكلمة موجزة، إن عملية الإصلاح الاقتصادي باعتبارها مهمة وطنية، يتطلب نجاحها توسيع قاعدة المشاركة الشعبية والتأييد لها انطلاقا من فهم مشترك لأهدافها وتوجهاتها وأبعادها، وقيام تحالف اجتماعي بين جميع الأطراف على أرضية برنامج اقتصادي واجتماعي شامل.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ المكتب المركزي للإحصاء، وصف سورية بالمعلومات، الإصدار الثاني 2000.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ تقرير بعثة مشتركة لمنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الغذاء العالمي لتقويم حالة الغذاء والمحصول في سورية، 1999/8/23.

4 ـ د. عدنان مصطفى، الطاقة في سورية : تحديات وآمال، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثالثة عشرة في دمشق بتاريخ 8/2/2000

5 - 1998 - 1999 Report, ESCWA.

6 ـ هيئة تخطيط الدولة، مذكرة داخلية، 1972.

7 ـ المرجع السابق.

8 ـ المرجع السابق.

9 ـ المرجع السابق.

10 ـ منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، السياسات والاستراتيجيات للقطاع الصناعي ـ الجمهورية العربية السورية.

11 ـ المرجع السابق.

12 ـ المكتب المركزي للإحصاء، المجموعات الإحصائية.

13 ـ المرجع السابق.

14 ـ هيئة تخطيط الدولة، مذكرة داخلية، 1972.

15 ـ د.نبيل مرزوق، الآليات الحاكمة لعملية الاستثمار والاستثمارات في الثروة البشرية، محاضرة ألقيت في الندوة التي أقامها الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية حول الإنتاجية وشروط وظروف العمل خلال الفترة 18 ـ 19/12/1995.

16 ـ منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، مرجع سابق.

17 ـ د. نبيل مرزوق، مرجع سابق.

18 ـ د. حسين القاضي، تمويل القطاع العام في سورية وعلاقته بالموازنة العامة للدولة، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية التاسعة للعام 1995.

19 ـ المكتب المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية لعام 1996.

20 ـ د. نبيل مرزوق، مرجع سابق.

21 ـ د. عارف دليلة، عجز الموازنة وسبل معالجته، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثانية عشرة، عام 1999.

22 ـ علي جمالو، الأرض الطيبة والحصاد المر ـ جريدة السفير 10/4/1997.

23 ـ د. خالد عبد النور، القطاع الخاص من الحماية إلى المنافسة، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثالثة عشرة، عام 2000.

24 ـ منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، مرجع سابق.

25 ـ المكتب المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية لعام 1996.

26 ـ عبد القادر النيال، القطاع الخاص بين تدخل الدولة وآليات السوق: دراسة حالة سوريا، مجلة المستقبل العربي، العدد 222 أيلول/ سبتمبر 1997.

27 ـ المكتب المركزي للإحصاء، المجموعات الاقتصادية.

28 ـ عبد القادر النيال، مرجع سابق.

29 ـ رياض سيف، التصدير بين الحلم والواقع، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثانية عشرة لعام 1999.

30 ـ عبد القادر النيال، مرجع سابق.

31 ـ د. محمد جليلاتي، النظام الضريبي السوري واتجاهات إصلاحه، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثالثة عشرة لعام 2000.

32 ـ د. خالد عبد النور، تأهيل القطاع الصناعي السوري: واقع وآفاق، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادية 12 لعام 1999.

 

الفصل الثاني عشر

المشكلات البيئية في سورية

محمد العودات(*)

مقدمة:

حققت سورية منذ الستينات تقدماً ملحوظاً، فقد ارتفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وانخفضت معدلات وفيات الأطفال من 218 بالألف في الستينات إلى 41.7 في عام 1994 وذلك للأطفال دون سن الخامسة. كما وازداد متوسط العمر المتوقع ليصل إلى حوالى 67 سنة، وتحسنت مستويات التعليم، حيث بلغت معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية ما يقرب من 100•، وارتفعت معدلات الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات ارتفاعاً كبيراً.

غير أن هذا التقدم أصبح مهدداً بالتدهور البيئي الذي صاحبه. فشحة المياه، وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة، وتلوث الهواء والمياه، وعدم كفاية مرافق الصرف الصحي، أخذت تهدد قدرات مواصلة النمو الاقتصادي وامتصاص التزايد السكاني، وتفرض تكاليف اقتصادية وبشرية باهظة من خلال المرض والوفاة المبكرة.

بالرغم من أن سورية تمتلك احتياطات كافية من البترول والغاز الطبيعي، إلّا أنها تفتقر نسبياً إلى الأراضي المنتجة وموارد المياه المتجددة التي يسهل الحصول عليها. نتيجة لذلك فقد تركزت المستوطنات البشرية على جزء صغير نسبياً منها، وأصبح إنتاج الأغذية معتمداً بدرجة كبيرة على الزراعة المروية.

لقد فرض نموذج التنمية المستند إلى السعي للاكتفاء الذاتي من الأغذية والتصنيع السريع ضغطاً متزايداً على الموارد الطبيعية. فمنذ الستينات نفذت استثمارات في مشروعات للإنتاج الزراعي الكثيف والصناعة مثل صناعة الإسمنت والحديد والأسمدة الكيميائية، إضافة إلى الصناعات الغذائية ومحطات الطاقة ومنشآت تكرير النفط وغيرها. ولم تراع هذه الاستراتيجية التنموية، الموجهة لتلبية احتياجات النمو السكاني المتزايد بسرعة، متطلبات المحافظة على الموارد الطبيعية واستغلالها بكفاءة. فأساليب الزراعة غير الملائمة، واستقرار السكان في مناطق محددة، وإدارة المياه إدارة غير سليمة، أججت عمليات هدر موارد المياه والإفراط في استغلال المراعي الهشة. بينما جرى تحويل المراعي المنتجة إلى زراعة المحاصيل غير القابلة للاستمرار. كما تسبب الإفراط في استعمال المخصبات الكيميائية في تلوث مياه الجريان السطحي، وتعرضت المناطق الساحلية إلى ضغوط متزايدة أثرت تأثيراً سلبياً في نوعية المياه، وبالتالي في السياحة.

يهدد التلوث في المناطق الحضرية الصحة العامة. لم تقم الصناعات بإجراءات تذكر لتبنّي التقنيات الأنظف، كما سمح انعدام تطبيق اللوائح والمواصفات المنظمة للبيئة ببقاء الصناعات القديمة عالية التلويث. وتفاقمت أوضاع تلوث الهواء في المناطق الحضرية باستعمال محركات سيارات قديمة وذات كفاءة استخدام للوقود منخفضة.

الضغوطات البيئية:

تواجه سورية تحديات بيئية متزايدة، لعل أهمها (الإطار 1):

ـ يبلغ متوسط معدل النمو السكاني 3.3 بالمائة، وهو من المعدلات الأعلى في العالم. ففي السنوات 1950 ـ 2000، ازداد سكان سورية من 3.5 إلى نحو 17 مليون نسمة. كما ازداد سكان المناطق الحضرية في السنوات من 1980 إلى 1998، من 4.0 مليون نسمة إلى أكثر من 8.7 مليون نسمة (تعادل أكثر من 51• من مجموع السكان)، مما يتجاوز كثيراً نمو الخدمات البلدية. فازدادت نتيجة لذلك المستوطنات العشوائية في المدن الرئيسية التي تتميز بافتقارها إلى الهياكل الإرتكازية والخدمات.

ـ يعتبر وضع موارد المياه حرجاً، إذ أن المياه السطحية والجوفية مستنفذة تقريباً، وتعاني بعض المناطق، في السنوات الجافة، من نقص حاد في مياه الشرب. كما تفتقر بعض المناطق إلى مياه الصرف الصحي المأمونة، ولا تعالج من مياه الصرف الصحي إلّا نسبة محدودة. فيجري التخلص من معظم مياه الصرف الصحي في الأنهار ومياه البحر. مما أساء إلى نوعية مياه الأنهار والمياه الساحلية.

ـ يتنفس قرابة 40 بالمائة من سكان المناطق الحضرية هواءً ملوثاً بالملوثات المنبعثة من صناعات عالية التلويث، وسيارات تفتقر محركاتها إلى كفاءة استخدام الوقود، وبنزين محتو على الرصاص (باستثناء دمشق)، وزيوت وقود عالية محتوى الكبريت.

ـ يشكل تدهور الموارد الطبيعية ـ تعرية التربة، وتراجع الغابات الطبيعية، وفقدان التنوع الحيوي، وتملح الترب الزراعية ـ مشكلة واسعة الانتشار.

ـ يهدد التلوث والتنمية غير المنظمة التراث الحضاري الفريد في عدد من المواقع التي تساعد على جلب موارد ترفد الاقتصاد الوطني من عائدات السياحة.

ينعكس هذا الوضع السائد اليوم في تكاليف اقتصادية باهظة، خاصة وأن بعضاً من هذه الضغوطات غير قابلة لعكس مسارها. ويمكن أن تقوض آفاق النمو في المستقبل من خلال إضعاف إنتاجية الأرض واعتلال صحة البشر. توضح تقديرات الاستراتيجية الوطنية للبيئة (لعام 2000) أن التكاليف السنوية الناتجة من تدهور وتردي البيئة في سورية تتراوح بين 29 و 32 مليار ليرة سورية في عام 1997 (بين690 و890 مليون دولار). وستزداد لتصل إلى قيم تتراوح بين 46 و 54 مليار ليرة سورية في عام 2005 (بين 1.2 و 1.7 مليار دولار). ذلك إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لوقف هذا التدهور (الإطار 2). هذا ولا تتضمن هذه الأرقام تكلفة الوفيات المترتبة على تدهور البيئة كتلوث الهواء والماء وغيرها. كما لا تتضمن خسائر معينة يصعب تحديدها كمياً، مثل الأضرار التي تلحق بالأنظمة البيئية، وفقدان التنوع الحيوي والآثار الطويلة الأمد للتلوث بالمواد السامة وغيرها. وتقدر الاستراتيجية الوطنية للبيئة أن تكاليف التدهور البيئي تصل إلى نحو 4 بالمائة من الدخل القومي.

الإطار 1: المشكلات البيئية في سورية

جودة الهواء:

يذكر أبو البقاء عبد الله البدري، وهو من علماء القرن التاسع الهجري، في كتابه “نزهة الأنام في محاسن الشام”، أن من محاسن الشام “الحواكير”. وهي كالحدائق في سفح جبل قاسيون، نظراً لعلوها عن نهر “يزيد” فقد اصطنعوا الدولاب لريها وزرعت بالرياحين والأزهار لحكمة وهي: أن النسيم إذا مر بها يحمل منها من طيب الريح ما استطاع ويسري به إلى من تحتها من أهل المدينة والسكان. فماذا بقي الآن من محاسن الشام وغيرها من المدن السورية، وما حل بهوائها الذي كان يحمل ما تطيب به أنفس أهلها؟

تشير نتائج القياسات المحدودة التي أجريت في بعض المدن الرئيسة إلى تدني نوعية الهواء، الذي يعود أساساً إلى عوادم وسائط النقل كما في دمشق وحلب، وإلى الصناعة كما في حمص وبانياس وطرطوس. أصبح الهواء محملاً بتراكيز مرتفعة من أكاسيد الكبريت والنتروجين وأول أكسيد الكربون والمعلقات، إضافة إلى الضجيج. وتبين القياسات إن عدد الأيام التي زاد فيها متوسط التركيز اليومي للملوثات الأساسية (أكاسيد الآزوت وأكاسيد الكبريت)، في مركز مدينة دمشق،

عن الحدود المسموح بها، تبعاً لمنظمة الصحة العالمية، بلغ في عام 1989 نحو 25• من الأيام المقيسة. كما وارتفع في عام 1995 ليصل إلى أكثر من 50• من الأيام المقيسة. الأمر نفسه في مدينة حلب حيث أوضحت القياسات زيادة تركيز الملوثات الأساسية عن الحدود المسموح بها. ولا يقتصر التلوث في معظم المدن السورية على الملوثات الأساسية Primary Pollutants التي تنتج من احتراق الوقود الاحفوري، ســواءً في وســائط النقل أو في الصناعة، وإنما تعاني أيضاً من ظاهرة الضباب الدخاني Smog. وهي تنجم عن تفاعل الملوثات الأساسية، وخاصة أكاسيد النتروجين مع الأكسجين بوجود الهيدروكربونات وثاني أكسيد الكبريت، تحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية، وتؤدي إلى تشكل الضباب الدخاني الذي يخيم على أجواء المدن وخاصة في ساعات الصباح. تتكون بنتيجة هذه التفاعلات مجموعة من الملوثات الثانوية والتي لا تقل خطورتها على الصحة عن الملوثات الأولية، خاصة الأوزون ومركبات البيروكسي اسيل نترات (PAN)، والتي تسمى بالمؤكسدات الكيميائية الضوئية. لهذه المركبات تأثيرات صحية بالغة السوء، إذ تسبب احتقان الأغشية المخاطية والدماغ وتهييج العيون، إضافة إلى إثارة الربو والتهاب القصبات والسعال وغيرها. لذلك قدرت الاستراتيجية الوطنية للبيئة الكلف الناتجة من تلوث الهواء ما بين 1.2 و3 مليارات ليرة سورية لعام 1997، ويتوقع أن تصل إلى ما بين 3 و 10 مليارات ليرة سورية في عام 2005 إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة (الإطار 2).

تزداد وطأة تلوث الهواء في مناطق محددة من المدن السورية. ففي دمشق مثلاً يزداد التلوث في المنطقة الشرقية (باب شرقي، باب توما، التجارة، الكراجات) وفي المدينة القديمة. حيث أوضحت القياسات أن سكان هذه المناطق يتعرضون بشكل متواتر إلى تراكيز مرتفعة من أكاسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين وأول أكسيد الكربون وهباب الفحم. ففي منطقة كراجات الشمال، اتضح أن تراكيز أكاسيد الآزوت أعلى من الحد المسموح به بشكل يكاد يكون دائماً. أما أكاسيد الكبريت وأول أكسيد الكربون، فهي أعلى من الحدود المسموح بها بمعدل يصل، أحياناً، إلى 70• من الأيام المقيسة. كما أوضحت القياسات التي جرت في عام 2000 أن منطقة باب توما والتجارة من المناطق شديدة التلوث وخاصة بغاز ثاني أكسيد الكبريت والمعلقات. يزداد الأمر سوءاً في الأجزاء القديمة من المدن، حيث الشوارع الضيقة واكتظاظ وسائط النقل وسوء التهوية.

تشير معطيات وزارة البيئة لعام 1998، أن تراكيز أكاسيد الكبريت تصل في بعض شوارع دمشق القديمة، كشارع مدحت باشا وتقاطع القشلة، إلى 0.13 جزءاً في المليون وخاصة في ساعات النهار (من الساعة 11 إلى الساعة 15)، كما تصل تراكيز أول أكسيد الكربون، وهو من الغازات شديدة السمية، إلى 30 جزءاً في المليون، وهو أعلى بكثير من الحدود المسموح بها (9 جزء في المليون لمدة 8 ساعات). انعكس هذا الوضع في زيادة الشكايات المرضية، العينية منها والصدرية والأذنية والجلدية والهضمية وغيرها.

تأثير التلوث في الأوابد الأثرية:

لا يقتصر تأثير تلوث الهواء على الصحة، وإنما يتعداه إلى التأثير في الأوابد الأثرية. وتعد مواقع التراث الحضري في سورية ذات أهمية عالمية، حيث تملك سورية أربعة مواقع ضمّنت في قائمة التراث العالمي (مدينة دمشق القديمة، مدينة بصرى القديمة، تدمر وحلب القديمة). هذا إلى جانب إيبلا وأوغاريت وغيرها من المواقع التي عاصرت بدايات الزراعة والري واختراع الكتابة وظهور المدن الأولى. يشير ملف الاستراتيجية الوطنية للبيئة في سورية لعام 2000 إلى أن هناك تراجعاً خطيراً لهذه المواقع ناجم عن عدم الوعي بالقيمة المتميزة لها وسوء استثمارها والتغيرات في استعمالات الأراضي المحيطة بها وإدخال مواد وأساليب بناء غير ملائمة في أعمال البناء المرخص والمخالف في هذه المواقع. كما ويلعب تلوث الهواء دوراً بالغاً في تردي هذه المواقع، إذ تتفاعل أكاسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين مع الأكسجين بوجود بخار الماء والأشعة فوق البنفسجية، وتتحول هذه الأكاسيد في النهاية إلى حمض الكبريت وحمض الآزوت التي تبقى معلقة في الهواء على هيئة رذاذ دقيق تنقله الرياح من مكان لآخر. تتفاعل هذه الأحماض مع كربونات الكالسيوم، المكون الأساسي لحجارة معظم هذه الأوابد، وتحولها إلى الجص. فمعروف أن للجص متانة قليلة ميكانيكياً، مما يؤدي إلى سهولة تفتته وخسارة ثروة وطنية وإنسانية لا تقدر بثمن. هذا إضافة إلى الغبار، الذي يؤدي إلى حت وتخريب مكونات هذه الأوابد الأثرية. وكذلك هباب الفحم الذي يوشحها بالسواد، خاصة وأن قسماً كبيراً من هذه الأوابد الأثرية يكثر في المناطق المزدحمة والمكتظة بوسائط النقل كباب توما وباب شرقي في دمشق مثلاً.

الإطار 2: التكاليف المتوقعة للتدهور البيئي في سورية تبعاً لمعطيات الاستراتيجية الوطنية للبيئة

بالرغم من أن عدد السيارات العاملة في سورية لا يزيد عن 600 ألف سيارة (وهو رقم متواضع بالمقارنة مع الدول الأخرى في العالم، فعدد السيارات في لبنان مثلا يفوق الـ 1.2 مليون سيارة، وفي مدينة بون لوحدها أكثر من مليون سيارة)، إلّا أن وسائط النقل تشكل المصدر الرئيس لتلوث الهواء في المناطق الحضرية في سورية، إذ تزيد حصتها في تلويث الهواء عن 75 بالمئة. يعود سبب ذلك إلى قدم وسائط النقل في سورية، إذ تشير إحصائيات وزارة النقل لعام 1994، أن أكثر من 60 بالمئة من السيارات السياحية يزيد عمرها عن 12 عاما، و 26 بالمئة يزيد عمرها عن 24 عاماً. من المعروف أن السيارات القديمة تطلق من الملوثات أكثر بحوالي 10 إلى 20 مرة مما تطلقه السيارات حديثة الصنع. كما وتلعب نوعية الوقود دوراً هاماً في زيادة التلوث. فالديزل المستعمل في سورية يحتوي على نسبة مرتفعة من الكبريت تفوق النسب العالمية بعدة مرات. هذا إلى جانب ضيق الشوارع وخاصة في المدن القديمة. مما لا يسمح بكنس وتبديد الملوثات، وتراجع مساحة المسطحات الخضراء، وتردي المناطق المحيطة بالمدن، وتغير استعمالات الأراضي بسبب الزحف العمراني من جهة، والتصحر والجفاف من جهة أخرى.

المعلقات:

يعتبر التلوث بالمعلقات من أكثر ملوثات الهواء شيوعاً، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، وفي المناطق الصناعية والمناطق المكتظة بحركة المرور. تتكون المعلقات من مزيج من الجسيمات الصلبة والقطيرات السائلة مختلفة الأحجام والتركيب والمنشأ. وتتوقف التأثيرات البيئة والصحية للعوالق على حجمها. فالعوالق ذات الأقطار الأقل من 2.5 ميكرون، تحمل أخطاراً صحية بالغة، ذلك أنها تخترق الدفاعات التنفسية وتصل إلى الحويصلات الرئوية. كما أنها تنتج غالباً من احتراق الوقود الاحفوري كالسخام Soot، وجسيمات ثانوية المنشأ تنجم عن التفاعلات الكيميائية (الكبريتات والنترات) وتدمص على سطحها العناصر المعدنية السامة كالرصاص والكادميوم وغيرها. فتؤدي إلى أمراض خطيرة في الجهاز التنفسي مثل: أمراض الربو والسعال والانتفاخ الرئوي وتصلب الرئة، وبالتالي القصور في وظيفة الرئتين ووظيفة القلب.

توضّح دراسات منظمة الصحة العالمية أن كل زيادة طارئة في تركيز المعلقات الأقل من 10 ميكرون، قدرها 50 ميكروغرام/م3 تزيد وفيات من يعانون من أمراض رئوية وقلبية بمعدل 2 إلى 8 بالمئة. كما تؤكد الدراسات الحديثة أن التلوث بالمعلقات هو من أكبر مشاكل التلوث في معظم دول العالم النامي. فهي تعتبر مسؤولة عن 7 ـ 10• من موت الأطفال الذين يعانون من أمراض صدرية في المدن منخفضة التلوث، و21• في المدن الملوثة بالمعلقات.

ما هو الوضع في سورية؟

تشير القياسات الحديثة إلى أن معظم المدن السورية ملوثة بشكل كبير بالمعلقات سواءً الكلية أو المعلقات الدقيقة (انظر الإطار 3). إذ تراوح متوسط تركيز المعلقات الكلية بين 213 و 430 ميكروغرام/م3، في مدينة دمشق، وبين 300 و600 ميكروغرام/م3 في مدينة حلب. علماً بأن الحد اليومي المسموح به تبعاً لمعايير منظمة الصحة العالمية هو 120 ميكروغرام/م3. ولا يقتصر الأمر على المدن الكبيرة إنما يشمل أيضاً المدن المتوسطة والصغيرة كحمص وطرطوس والسويداء وغيرها.

مما يجدر ذكره أن تركيز المعلقات الكلية وصل في بعض مناطق دمشق القديمة (شارع مدحت باشا) إلى قيم تراوحت بين 870 و 1290 ميكروغرام/م3. ما يزيد الأمر سوءاً التراكيز المرتفعة للمعلقات ذات الأقطار الأقل من 10 ميكرون، والمعلقات ذات الأقطار الأقل من 3 ميكرون والتي لا تحول الدفاعات التنفسية دون وصولها إلى أعماق الرئتين، إذ كانت تراكيزها أعلى بـ 2 إلى 4 مرات من الحد المسموح به وهو 70 ميكروغرام/م3. أما المعلقات ذات الأقطار الأقل من 2.5 ميكرون، والتي تعتبر تأثيراتها الصحية بالغة السوء، فإن تراكيزها مرتفعة جداً وأعلى من الحدود المقترحة بعدة مرات. تعود هذه التراكيز المرتفعة إلى أسباب عدة لعل أهمها: تدهور الترب والغطاء النباتي في المناطق المحيطة بالمدن وإلى وسائط النقل المتهالكة والصناعات المختلفة التي لا تزال في المدن أو في محيطها، إضافة إلى شق الطرق وحركة وسائط النقل وغيرها.

تلعب صناعة الإسمنت دوراً بالغاً في زيادة تركيز العوالق (الإطار 4). لقد أوضحت الدراسات التي جرت في السنوات القليلة الماضية أن تراكيز الغبار سواء في منطقة المعمل أو في المناطق المحيطة تفوق كثيراً الحدود المسموح بها، كما وتؤثر تأثيراً بالغاً في الصحة أو في مكونات النظام البيئي الأخرى وخاصة التربة والنباتات. أوضحت القياسات التي جرت في عام 1999 على أشجار الزيتون في المناطق المحيطة بمعمل إسمنت طرطوس، أن كمية الغبار المترسبة على أوراق الزيتون كانت أعلى بمعدل 5 إلى 17 مرة منها في المناطق البعيدة عن المعمل. أدى هذا إلى تموت قسم كبير من الأشجار التي خرجت واقعياً من الإنتاج، وبلغ نصف قطر المنطقة المتأثرة بغبار معمل الإسمنت نحو 5 كم. لم يقتصر التأثير على أشجار الزيتون وإنما تعداه إلى المزروعات الأخرى كافة، كما أثر تأثيراً بالغاً في السياحة. هذا وقد أبدى سكان القرى المحيطة بالمعمل من شكايات مرضية وخاصة الربو والأمراض الصدرية وأمراض العيون.

الاطار 3: تركيز المعلقات في بعض المدن السورية (ميكروغرام/م3)

الإطار 4: تركيز المعلقات الناتجة عن صناعة الاسمنت (ميكروغرام/م3)

النفايات الصلبة:

تشير المعلومات أن كمية النفايات المتولدة في محافظات القطر قدرت عام 1995 بنحو 6000 طن/ يوم، أي بمعدل 0.4 كغ/ شخص/ يوم، وقدرت في عام 2000 بنحو 10000 طن/ يوم لكامل القطر (الإطار 5).

يلقى قسم كبير من النفايات الصلبة التي يجري جمعها من مدن وقرى وبلدات سورية (قدرتها الاستراتيجية الوطنية للبيئة بـ 5000 طن/يوم) في مقالب مكشوفة لا تبعد في كثير من الأحيان عن التجمعات السكانية بأكثر من عدة كيلومترات. ترتب على ذلك جملة من المشاكل لعل أهمها:

ـ التنقيب والنبش في القمامة، حيث يقوم عدد كبير من الأشخاص بنبش المخلفات الصلبة وجمع بعض المواد الموجودة فيها، مثل بعض المواد العضوية التي تصلح غذاءً للحيوانات والدواجن، وبقايا الخبز، والمواد البلاستيكية والمعدنية وغيرها. يجري ذلك في الحاويات قبل ترحيل القمامة أو في المقالب المكشوفة. يحمل هذا الأمر جملة من التأثيرات الصحية لمن يقومون بهذا العمل، إضافة إلى خلق صعوبات في جميع وترحيل القمامة. وبالرغم من أن التنقيب في حاويات ومقالب القمامة ممنوع قانونياً، إلّا أن منظر نبش القمامة أصبح من المناظر الشائعة في عدد كبير من المدن. هذا ويقدر عدد من يقوم بالنبش في حاويات القمامة في محافظتي دمشق وريف دمشق بأكثر من 10 آلاف شخص.

ـ تلوث المياه السطحية والجوفية بالمواد الناتجة من تخمر المواد العضوية.

ـ تشكل المقالب المكشوفة وسطاً ملائماً لنمو الأحياء الدقيقة الممرضة والذباب والحشرات الزاحفة والقوارض وانتشار الحيوانات الشاردة كالكلاب والقطط. كما ينتج منها الروائح غير المستحبة، إلى جانب أن الحرائق في المقالب المكشوفة تشكل مشكلة حقيقية يصعب السيطرة عليها في معظم الأحيان. فمعظم المقالب المكشوفة تعاني من عمليات الاحتراق وتشكل الدخان الذي يلوث البيئة المحيطة، وانتشار الروائح غير المستحبة، وتطاير الغبار والنفايات مثل أكياس الورق والبلاستيك التي تنتشر على مساحات واسعة تحيط بالمقالب المكشوفة وتؤدي إلى تلوث البيئة وإلى مناظر غير مستحبة.

مما يزيد الأمر سوءاً أن النفايات الطبية لا تزال تجمع مع النفايات الصلبة في جميع محافظات القطر باستثناء مدينة دمشق التي بدأت فيها محاولة جمع النفايات الطبية لوحدها. لكن بعض المستشفيات الخاصة لا تلتزم بالجمع المنفصل للنفايات الطبية. ويبلغ حجم النفايات الطبية في سورية نحو 3600 طن سنوياً، إضافة إلى نفايات المستوصفات والمراكز الطبية والعيادات التخصصية. تشمل النفايات الطبية الخطرة الأنسجة والأعضاء البشرية والأطراف المبتورة والغيارات الملوثة والأدوات الحادة والحقن والمواد الكيميائية وغيرها. ولا تخفى الأخطار الناجمة عن النفايات الصلبة خاصة وأن بعض الحاويات التي تحتوي على هذه النفايات الخطرة عرضة للنبش بحثاً عن المواد البلاستيكية والزجاجية. إضافة إلى تبعثر النفايات خارج الحاويات مما يلوث التربة والهواء وتكاثر الذباب والبعوض والحشرات الأخرى والقوارض التي تنقل التلوث من الحاويات وتنشره على مساحات أكبر.

 

الإطار 5: كمية النفايات الصلبة المتولدة في سورية (طن/ يوم) لعام 1995

الرصاص:

أصبح الرصاص في الوقت الحالي من أهم العناصر الثقيلة الملوثة للبيئة الخارجية ولأجواء العمل. وتعتبر وسائط النقل العاملة بالبنزين المرصص المصدر الرئيسي لتلوث الهواء بالرصاص، فهي مسؤولة عن أكثر من 90• من إطلاقات الرصاص. هذا إلى جانب الصناعات المعدنية وخاصة صناعة البطاريات. يؤدي الرصاص إلى مخاطر صحية بالغة، حيث يتداخل مع الجمل الأنزيمية ويخفض التركيب الحيوي للهيم Haem biosyn thesis. كما ويؤدي إلى تسمم الدماغ والكلى وأعضاء التكاثر واضطرابات قلبية وزيادة ضغط الدم وخفض ذكاء الأطفال المترافق بتصرفات عدوانية واضطراب التركيز والانتباه وإهمال الواجبات الدراسية.

كانت تراكيز الرصاص في بعض مناطق مدينة دمشق أعلى من الحدود المسموح بها (1 ـ0.5 ميكروغرام/م3). لكن وقف إضافة الرصاص إلى البنزين في دمشق أدى إلى خفض تركيزه إلى المستويات المسموح بها. يستثنى من ذلك المناطق الصناعية غير النظامية التي يعاد فيها تدوير البطاريات وبعض الصناعات المعدنية. أما في مدينة حلب، فلا تزال تراكيز الرصاص مرتفعة في مناطق مختلفة منها (الإطار 6). مما يستدعي اتخاذ الإجراءآت اللازمة لخفض تراكيزه.

الإطار 6: تراكيز الرصاص (ميكروغرام/م3) في بعض مناطق حلب:

الضجيج:

كانت المدن السورية، قبل عقود عدة، من المدن الهادئة إلّا من أصوات الباعة المتجولين والأصوات المنطلقة من بعض الصناعات اليدوية والقليل من السيارات التي تعبر الطرقات بين الفينة والأخرى. لكن هذا الواقع تبدل تبدلاً جذرياً وغدت معظم المناطق الحضرية وحتى التجمعات الريفية مرتفعة مستويات الضجيج. لقد تجاوزت كثيراً الحدود المسموح بها، إذ تصل مستويات الضجيج الخارجي في شوارع مدينة دمشق إلى 80 ـ 90 ديسيبل وأكثر، خاصة في ساعات الزحام. لقد أوضحت القياسات التي جرت في مدينة حلب عام 1999 أن مستويات الضجيج الخارجي في المناطق السكنية تراوحت بين 68 و75 ديسيبل. علماً بأن الحدود المسموح بها في المناطق السكنية لا تتجاوز الـ 55 ديسيبل نهاراً و 45 ديسيبل ليلاً. وقد تجاوزت 70 ـ 75 ديسيبل في المناطق التجارية. والأمر نفسه كان بالنسبة للضجيج الداخلي، سواء في البيوت السكنية أو في المستشفيات، حيث كانت مستوياته أعلى من الحد المسموح به بمعدل تراوح بين 10 و26 ديسيبل.

إن ما يزيد من خطورة الضجيج الإختلافات الكبيرة في مستوياته بين لحظة وأخرى، حيث تصل الفروقات في بعض الأحيان إلى 28 ـ 30 ديسيبل. وهذا ناجم عن الأصوات المفاجئة الناتجة من أبواق السيارات والدراجات النارية والحافلات والشاحنات وغيرها، حيث أوضحت القياسات أيضاً أن مستويات الضجيج تبقى مرتفعة حتى ساعات متأخرة من الليل. إنه لمن المعروف أن للمستويات المرتفعة من الضجيج تأثيرات صحية مختلفة كالإعياء السمعي وخفض حاسة السمع والعجز السمعي، إضافة لانقباض الأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والأرق. مما ينعكس في خفض الأداء وخاصة عند من يتطلب عملهم الدقة واليقظة. وبما أن الأطفال والمرضى وتلاميذ المدارس يتأثرون كثيراً بالمستويات المرتفعة من الضجيج، لذلك وضعت معايير لمستويات الضجيج في المدارس والمستشفيات بحيث لا تزيد عن 45 ديسيبل.

الطبيعة في المدن:

كان ولا يزال تشييد المدن يقترن بالقضاء الكامل على الطبيعة ومعالمها من نبات وحيوان وغيرها. مما يدفع إلى القول بأن بناء المدن هو بحد ذاته عملية تصحر، ذلك بسبب انعدام الحياة الطبيعية فيها. وقد استمرت النباتات تشكل جزءاً هاماً من المدن القديمة وتتركز حولها وفي ضواحيها وتوفر فرصة لسكان المدن للترويح والهروب من ضغوطات وتأزم الحياة المدنية. كما توفر النباتات في المدينة غطاءً من شأنه توفير الظل وامتصاص الغبار وتخفيف التلوث الغازي والضجيج. لذلك اهتمت المؤسسات البلدية في العالم بتجميل المدن والتوسع في زراعة الأشجار ونباتات الزينة وتزهير شوارع وطرق المدينة والتوسع في إنشاء الحدائق العامة والمنتزهات وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن (الإطار7). ذلك كجزء مكمل لعملية التخطيط العمراني في المدن.

تعاني البيئة في المدن حالياً إلى حد الفقر من انخفاض مساحات المسطحات الخضراء والحدائق والمنتزهات العامة. فمدينة دمشق، التي كان الياسمين والورد يشكل جزءاً من نفاياتها المنزلية، أصبحت مساحة الحدائق العامة فيها لا تزيد عن متر مربع واحد لكل مواطن. كما تدهورت الغوطة ولم نعد نرى الأزهار والورود في حدائقها العامة. بل زحفت المناطق العشوائية على بعض الحدائق العامة (منطقة الـ 86 في جبل المزة)، وأصبحت جوانب الطرق السريعة أماكن استجمام لعامة الناس في أيام العطل والأعياد.

الإطار 7: المساحات الخضراء والحدائق والمنتزهات في المدن

الإسكان والحضر:

أدى تمركز الصناعة في المدن، وما يتبعها من نشاطات تجارية واجتماعية وعلمية وتوفر فرص للعمل، إلى زيادة الهجرة من الريف إلى المدن بمعدلات عالية. وإذا أضيف إلى الأعداد المتزايدة من المهاجرين الزيادة السكانية الطبيعية لسكان المدن، نجد أن المناطق الحضرية، وخاصة مراكز المحافظات، أخذت تتمدد عشوائياً خارج مناطق التنظيم، جارفة في طريقها أراضٍ زراعية قيمة وقرى كاملة يتم ابتلاعها. الأمر الذي أسفر عن نشوء مناطق مخالفات عمرانية (الإطار 8) ذات مرافق بدائية وازدحام سكاني شديد ومتزايد وتفشي الأمراض المرتبطة بوجود بيئة غير صحية.

تشترك هذه المستوطنات العشوائية في ثلاث خصائص رئيسية وهي:

1 ـ افتقارها إلى الهياكل الإرتكازية والخدمات أو انعدامها، بما في ذلك مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي ووسائل التخلص من النفايات الصلبة بطرائق صحية.

2 ـ يعيش الناس في هذه العشوائيات في بيئة مزدحمة وفي أبنية تفتقد شروط المتانة والفراغات المناسبة إضافة إلى انعدام الحدائق والمنتزهات والمسطحات الخضراء، مما أدى إلى خلل اجتماعي وسبب أمراضاً صحية واجتماعية.

3 ـ معظم هذه العشوائيات تقام على أراضِ غير مناسبة لسكنى الإنسان كسفوح الجبال المعرضة للانهيارات الأرضية، أو قريباً من الصناعات الملوثة وغيرها. مما يعرض السكان إلى مشكلات متعددة كالتلوث بالعوالق والفيضانات الناجمة عن مياه السيلان السطحي والأمراض الناجمة عن الملوثات.

تبين وزارة الإسكان والمرافق أنه قد ترتب على عدم اتخاذ إجراءات حاسمة منذ بداية نشوء هذه المناطق السكنية العشوائية جملة من النتائج أهمها:

 

الإطار 8 ـ التجمعات السكانية العشوائية في مدينة دمشق

ـ عدم إمكانية تطبيق وتنفيذ مخططات تنظيمية لهذه المناطق.

ـ تكريس التجاوزات على الأنظمة والقوانين.

ـ السطو على شبكات مياه المناطق المجاورة والتسبب في نقص المياه.

ـ زيادة تلوث المياه الجوفية بسبب عدم توفر شبكات الصرف الصحي.

ـ نقص في الطاقة الكهربائية بسبب الاستجرار غير النظامي من الشبكات المجاورة.

ـ التعدي على الأراضي الزراعية وإنقاص مساحتها.

ـ تشويه المنظر العمراني للمدينة.

هذا وتبين وزارة التربية أن الوضع التربوي في مناطق التجمعات السكنية العشوائية أصبح غير قادر على القيام بالدور المطلوب منه، فالمدارس كلها مستأجرة تقريباً وتفتقر إلى الشروط والمواصفات المطلوبة منها كمدرسة. وللوقوف على تردي الوضع التربوي في هذه المناطق نذكّر بما ما بينته مديرية تربية مدينة دمشق عن الوضع التربوي في الطبالة والدويلعة.

الوضع التربوي في الطبالة والدويلعة:

تمتد منطقة الطبالة والدويلعة من طريق مطار دمشق الدولي غرباً وحتى حدود بلدة المليحة شرقاً. يسكنها شريحة من ذوي الدخل المحدود والعمال ومجموعة كبيرة من الموظفين.

عدد مدارسها 17 مدرسة ابتدائية، يدرس فيها 7260 تلميذاً، حيث متوسط عدد طلاب القاعة (الصف) 60 تلميذاً وتلميذة. مما دفع مديرية التربية إلى تطبيق الدوام النصفي، ليتسنى استيعاب التلاميذ كلها.

المدارس مستأجرة، وهي ضيقة وغير مستوفية للشروط اللازمة لاستعمالها كمدارس كونها بالأصل بيوت سكنية تفتقر إلى أدنى الشروط الصحية من حيث الإنارة والتهوية. كذلك باحاتها ضيقة لا تكفي لإصطفاف التلاميذ، وقاعاتها (الصفوف) ضيقة تحشر بالمقاعد والتلاميذ، مما يسهل انتقال المرض بشكل سريع بين التلاميذ. كما أن دورات المياه ملاصقة لصفوف التلاميذ. وتخلو المدارس هذه أيضاً من الحدائق وغرف النشاطات المختلفة، مما يحول دون تنفيذ هذه النشاطات وتلغي تماماً النشاطات الرياضية.

لا يوجد كذلك في المنطقة أية مدرسة إعدادية أو ثانوية أو فنية أو مهنية. مما يضطر مئات الطلاب والطالبات للانتقال إلى مناطق أخرى، ويعرضهم للبرد الشديد ولمشقة الذهاب والإياب ومخاطر الحوادث.

الموارد الأرضية:

تبلغ المساحة الإجمالية لسورية 185180 كم2 موزعة كالتالي:

ـ الأراضي القابلة للزراعة وتشكل 5981 مليون هكتار

ـ الأراضي غير القابلة للزراعة وتشكل 3370 مليون هكتار

ـ المروج والمراعي وتشكل 8270 مليون هكتار

ـ الأحراش والغابات وتشكل 537 ألف هكتار

تشير معطيات الاستراتيجية الوطنية للبيئة العام 2000 إلى أن أكثر من 50• من الأراضي الزراعية (3.2 مليون/ هـ) تعاني من الآثار السلبية الناتجة عن التعرية والتملح والتصحر. كما خرجت مساحات معتبرة بسبب التوسع الحضري (السكن العشوائي) والصناعة أو بسبب التخلص من النفايات الصناعية والمنزلية، بالرغم من التشريعات التي صدرت لحماية الأرض الزراعية. نتيجة لذلك، تراجع إنتاج بعض المحاصيل والمراعي الثروة الحيوانية وفقدت الغابات مواردها البيئية والترفيهية. قدرت الاستراتيجية الوطنية للبيئة الخسائر الناجمة عن ذلك بنحو 14500 مليون ليرة سورية في عام 1997 ونحو 17700 مليون ليرة سورية في عام 2005 إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الموارد الأرضية. أهم قضايا الموارد الأرضية هي:

تدهور المراعي الطبيعية (البادية):

تشكل البادية السورية، والتي تشمل الأراضي التي يقل معدل أمطارها السنوية عن 200 مم، نحو 55• من مساحة سورية (10.2 مليون هكتار). يبلغ عدد سكانها حوالي 1.5 مليون نسمة، منهم 250 ألف نسمة ارتبطوا بالزراعة، و 750 ألف نسمة من أنصاف البدو، ونحو 500 ألف نسمة من البدو الرحل. عرفت البادية السورية، على امتداد التاريخ، بأنها من أفضل البوادي وأغناها بالمراعي الطبيعية، وكانت مصدراً للتنوع الحيوي. لذلك نشأت فيها وازدهرت حضارات لعبت دوراً سياسياً وحضارياً وثقافياً وتركت بصماتها على تاريخ شرق المتوسط، (تدمر، الصالحية، الرصافة، قصر الحير الشرقي والغربي وابن وردان وغيرها).

تدل هذه الشواهد الحضارية على أن تمكّن هذه التجمعات السكانية من الاستمرار لفترات تاريخية طويلة، كان نتيجة لسلوكية هذه التجمعات في التعامل العقلاني مع البيئة المحيطة والموارد الهشة، مما حال دون تدهور واستنزاف هذه الموارد. لقد استعملت الإمكانات كافة في إدارة الموارد المتاحة من مراع وأراض ومياه (تجميع المياه ونقلها وخزنها في خزانات وآبار محفورة في الصخور لحمايتها من التبخر والتسرب). إضافة إلى التشريعات الناظمة لهذه الأمور (توزيع المياه، الرعي، الاحتطاب). نتيجة لذلك تمكنت هذه التجمعات السكانية من الحفاظ على الغطاء النباتي والتربة من التدهور والانجراف وانتشرت الواحات المزروعة بالنخيل والزيتون والكرمة.

أخذت هذه الصورة المزدهرة للبادية في التغير منذ أواسط القرن العشرين وذلك بسبب:

ـ الرعي الجائر: أدت زيادة الطلب على المنتجات الحيوانية إلى زيادة أعداد الأغنام بشكل كبير. إذ ارتفع عدد الأغنام من 2.6 مليون رأس عام 1950 إلى 15.6 مليون رأس عام 1998. وقد ساهمت هذه الزيادة في عدد القطعان في استفحال ظاهرة الرعي الجائر الذي أدى إلى القضاء على العديد من النباتات الرعوية وخاصة المستساغة منها.

ـ الفلاحة: ازدادت المساحات المزروعة على حساب المراعي الطبيعية، لاسيما في المناطق التي تقل أمطارها عن 200 ـ 250 مم/ سنة. فقد ازدادت المساحة المزروعة بعلاً في البادية السورية من 36 ألف هكتار عام 1982، إلى 218 ألف هكتار عام 1985. ووصلت إلى 552 ألف هكتار عام 1990. وهي لا تزال في ارتفاع على الرغم من عدم ملاءمة المنطقة لهذا النوع من الاستثمار. تعتبر الفلاحة من الأسباب الرئيسية للتصحر في البادية السورية.

ـ وسائط النقل: استعملت ولا تزال سيارات الشحن الكبيرة في نقل الأغنام من مكان لآخر طلباً للمرعى، كما استعملت الصهاريج لنقل المياه. مما أدى إلى تدهور الغطاء النباتي وتخريب التربة. والذي فاقم من تأثيرات وسائط النقل إن معظم مناطق البادية منبسطة وأوديتها واسعة وقليلة العمق. مما يغري السائقين بعدم التقيد بطريق معين، ويؤدي إلى زيادة عرض الطرقات إلى مئآت الأمتار. إن ما يجدر ذكره هو أن الآليات تشكل، بما تخربه من غطاء نباتي وتربة، بؤرة شديدة للتصحر. وإن قطع عشرة كيلومترات بسيارة كبيرة يؤدي إلى تدهور الغطاء النباتي والتربة من مساحة هكتار واحد.

تشير الدراسات إلى أن المناطق المتصحرة بسبب وسائط النقل، على جانبي طريق دمشق بغداد لوحدها، بلغت نحو 400 ألف هكتار. هذا ويصل متوسط المسافة التي يقطعها الصهريج لتأمين مياه الشرب لقطعان الأغنام نحو 38 كم في اليوم. كما ساعدت وسائط النقل، بشكل غير مباشر، على زيادة الاحتطاب بما يسرته من إمكانية الوصول إلى المناطق البعيدة عن أماكن استقرار البدو، ومن سهولة في نقل النباتات المحتطبة.

ـ الاحتطاب: أدى القطع والاحتطاب إلى زوال الكثير من النباتات الشجرية في البادية. مما زاد من تدهور الغطاء النباتي وتعرية التربة وجعلها عرضة للرياح والانجراف المائي. وما يزيد من وطأة الاحتطاب أن البدو يحتطبون في الغالب النباتات عالية القيمة الغذائية. الأمر الذي أدى إلى خفض الإنتاجية الرعوية في المراعي. كما أدى القطع إلى اجتثاث غابات البطم التي تراجعت مساحتها في المناطق الجبلية من البادية من 300 ألف هكتار إلى بضع مئات. الأمر نفسه ينطبق على أشجار التين التي بقيت بشكل نادر في أودية المناطق الجبلية، والأثل الذي يوجد على الترب المتملحة.

يقدر عدد الشجيرات المحتطبة في البادية السورية بأكثر من 400 مليون شجيرة سنوياً. وتشير التقديرات أيضاً إلى أن إبريق الشاي الواحد يحتاج إلى خمس شجيرات، وإن عدد الشجيرات التي تحرق من أجل تحضير إبريق الشاي اليومي يقدر بأكثر من 50 مليون شجيرة في السنة. أما ما يحرق من أجل التدفئة والطهي وتصنيع الخبز واللبن فيقدر بأكثر من ذلك بعشر مرات تقريباً. هذا ويدمر بسبب الاحتطاب أكثر من 10 ـ 12 ألف هكتار من أراضي الفيضات.

لقد انعكست الممارسات السابقة الذكر على تدهور الغطاء النباتي والتعرية التدريجية للتربة، خاصة على المنحدرات. كذلك على زوال المادة العضوية من طبقة التربة السطحية والتي تلعب دوراً هاماً في تحسين بنية التربة وفي زيادة نفوذيتها لمياه الأمطار.كما وأدى تدهور الغطاء النباتي والتربة إلى ازدياد شدة السيول، وخاصة في جبال البادية. إذ يلاحظ أن الأمطار، وبالرغم من كمياتها القليلة، تترافق دوماً بتشكل السيول، لدرجة أن كثيراً من الطرقات تصبح غير سالكة بعد الأمطار.

يزيد الأمر سوءاً أن المناخ المتوسطي، بطبيعة زخّاته المطرية القوية المركزة في أيام محددة وفي أشهر معينة، يسهل انجراف التربة خاصة تلك التي تدهور غطاؤها النباتي. تدل خريطة المنظمة الدولية للأغذية والزراعة لعام 1980، أن انجراف التربة في البداية السورية، تحت تأثير الرعي الجائر والحراثة والاحتطاب وغيرها، يتراوح بين 10 و 50 طناً في الهكتار وفي السنة. وهذا يعادل انجراف طبقة من التربة تتراوح بين 0.1 و 0.5 سم/ في السنة. إن هذه الأرقام مذهلة، وتفرض اتخاذ الإجراءات اللازمة والحاسمة لوقف هذا الاستنزاف لموارد البيئة.

تدهور المناطق الحراجية (الغابية):

يصعب اعتبار الغطاء النباتي الحالي ممثلاً للغطاء النباتي المتوازن مع ظروف الوسط. وإنما هو تراجع للغطاء النباتي الطبيعي جرى تحت تأثير الاستغلال غير الرشيد للإنسان من قطع وحرق وفلاحة وغيرها. يذكر أمبرجية Embeger أن مساحات شاسعة من بلاد شرق المتوسط تغطيها في الوقت الحاضر نباتات برية لا تتناسب مع المناخ السائد، فهي أقل من إمكانياته بكثير. كما يبين فالتر Walter أن المناطق المرتفعة من شرق البحر المتوسط كانت مكسوة تماماً بالغابات. لكن أغلب هذه المناطق فقدت غطاءها النباتي لدرجة يصعب في بعضها إعادته إلى وضعيته السابقة. وذلك بسبب انجراف التربة وتحول كثير من هذه المناطق إلى مناطق متصحرة وغير قابلة للزراعة. يتضح من خريطة لسورية وضعت عام 1666، أن الأجزاء الداخلية منها كانت كثيفة الغابات وأن المناطق المجاورة لدمشق وإلى الغرب وكذلك المنطقة بين حلب والقلمون والمناطق المرتفعة إلى الشمال من تدمر، كانت مغطاة بالغابات.

استناداً إلى الدراسات المختلفة، فقد كانت الغابات تغطي مساحة تتراوح بين 20 ـ 30 بالمائة من مساحة سورية، بينما لا تزيد حالياً عن 2.4 بالمائة. يصعب إعطاء رقم لمساحة الغابات والنباتات الخشبية في سورية، حيث تتراوح الأرقام المتوفرة بين 461 و 537 ألف هكتار. فالمصادر العالمية (World resources 1999) تحددها بـ 484 ألف هكتار، منها ما بين 232 و245 ألف هكتار غابات طبيعية. تشير هذه المصادر إلى أن تراجع الغابات الطبيعية في سورية، بسبب الحرائق الطبيعية والقطع والرعي غير النظاميين، بلغ 3.2 بالمائة للأعوام 1980 ـ 1990، و 5 بالمائة للأعوام 1990 ـ 1995.

ينجم عن تدهور الغابات، السابق والحالي، تغيرات في البيئة المحلية باتجاه ازدياد الجفاف على مستوى المناخ المحلي Microclimat، إضافة إلى تدهور التربة وانجرافها. ويعتبر تدهور الغابات المسؤول عن تدهور البيئة في المناطق التي أزيلت منها وتوجهها نحو الجفاف وظهور السيول الجارفة، وهذا يبدو جلياً هنا في المناطق الداخلية والساحلية. يرافق الجريان السطحي لمياه الأمطار، وخاصة على المنحدرات، وتشكل السيول، إنخفاضاً ملحوظاً في تغذية المياه الجوفية وفي غزارة الينابيع. مما انعكس سلباً على المخزون المائي وما يرافق ذلك من اضطراب في حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية.

تملح التربة:

أدى سوء استغلال وإدارة الأراضي المروية ولا يزال إلى تملح بعض الأراضي. ويظهر التملح خاصة في الترب سيئة الصرف أو عند الري بمياه مالحة. تشير الإحصائيات إلى أن نحو 532 ألف هكتار (40 بالمئة من الأراضي المروية) متأثرة بالملوحة. وقد خرجت مساحة 60 ألف هكتار من الأراضي الخصبة، في حوضي الفرات والخابور، من الاستثمار بسبب تملحها. كما أن 100 ألف هكتار تملحت جزئياً، حيث انخفض إنتاج المحاصيل فيها إلى أكثر من النصف. إضافة إلى مساحة 90 ألف هكتار انخفضت إنتاجيتها بمعدل 25 بالمئة. و 100 ألف هكتار انخفضت إنتاجيتها بمعدل 15 بالمئة. هذا وتفقد سورية سنوياً ما بين 4 و5 آلاف هكتار من الأراضي الجيدة والصالحة للزراعة بسبب التملح.

التنوع الحيوي:

يقصد بالتنوع الحيوي:

ـ تنوع النظم البيئية Ecosystems الطبيعية من غابات وسهول ومروج ومستنقعات وغيرها من النظم البيئية الأرضية والمائية.

ـ تنوع النباتات والحيوانات العليا والدنيا المكونة للنظم البيئية.

ـ العروق Races والطرز البيئية Ecotypes والضروب Varieties التابعة لنوع حيواني أو نباتي ما، إضافة إلى الأصناف القديمة (البلدية) Landraces للمحاصيل الزراعية.

يشكل التنوع الحيوي، الذي يترافق بتنوع وراثي Genetic diversity، ثروة طبيعية هائلة. فإضافة إلى دوره في توازن واستقرار الأنظمة البيئية، يقدم للزراعة والصناعة والطب مواد غذائية وعقاقير وأدوية جديدة ومواد أولية للصناعة. يعتبر التنوع الحيوي وتنوع العروق والضروب ومورثاتها، ضرورياً من أجل حماية وتحسين الإنتاج الزراعي والغابات ومصائد الأسماك، ومن أجل مواجهة التغيرات غير الملائمة التي يمكن أن تطرأ على البيئة.

يعتبر الوضع الراهن للتنوع الحيوي في سورية حرجاً للغاية. إنه يتجلى بتدهور أو زوال بعض الأنظمة البيئية الحراجية وتقلص رقعة انتشار بعض النباتات وربما اختفائها. إضافة إلى ندرة بعض الحيوانات البرية أو انقراضها. يعود السبب الرئيس في ذلك إلى تدهور البيئات الطبيعية التي تعيش فيها هذه الأنواع. لقد حدث هذا التدهور في الماضي ولا يزال يحدث في الوقت الحالي، إنما بتواتر أسرع بكثير. ذلك بسبب الاستغلال الجائر وغير المتوازن للأنظمة الطبيعية المتجددة، من إزالة للغابات لتحويلها إلى أرضٍ زراعية، والرعي الجائر في الغابات والبادية، وفلاحة أراضي البادية والصيد الجائر للحيوانات البرية وغيرها. من أمثلة النظم البيئية المتدهورة والمهددة بالاختفاء نذكر:

ـ غابات البطم الأطلسي Pistacia atlantica، في جبال البادية وجبل عبد العزيز، التي تشير الدراسات إلى أنها كانت تغطي مساحة 300 ألف هكتار، أما الآن فهي لا تزيد مساحتها عن عدة مئات من الهكتارات.

ـ غابات اللزاب Juniperus excelsa في جبال القلمون في سورية والتي لم يبق منها إلّا أشجار متناثرة.

ـ غابات الشوح الكيليكي Abies cilicica، والأرز اللبناني Cedrus libani، وهي من أجمل الغابات في العالم، لقد تحولت في السنوات الأخيرة إلى محمية بيئية.

ـ غابات الصنوبر البروتي Pinus brutia، والسنديان Quercus calliprions. في الجبال الساحلية.

ـ تشير المعطيات التاريخية إلى أن أشجار السنديان والقيقب Acer Aicrophyllum، والنشم Ulmus minor، والسويد Phamnus Palaestina، والخوخ البري Prinus microcarpus، واللوز والزعرور وغيرها، كانت تشكل غابات واسعة في جبال سلسلة لبنان الشرقية، كما كانت متوافرة في جبال القلمون، وهي الآن طي النسيان.

إننا لا نعرف سوى القليل عن الأنواع النباتية والحيوانية النادرة أو المهددة بالاختفاء، أو عن الأنواع التي اختفت نهائياً، بسبب تدهور البيئات المحلية. تشير المعطيات إلى أن عدداً من الحيوانات البرية التي كانت تعيش في شرق المتوسط قد انقرض بسبب تدهور بيئاتها الطبيعية والصيد الجائر. منها الأسد الذي كان معروفاً حتى القرن الثاني عشر، والدب الذي انقرض في بداية القرن العشرين، وكذلك اليحمور والايل، أما الغزال فهو في طور الاختفاء (إن لم يكن قد اختفى في بيئاته الطبيعية).

يتعرض هذا الحيوان ـ الطريدة التراثية ـ إلى الإبادة أمام أعيننا، ويستعمل في ذلك أحدث وسائل الصيد. تشير الدراسات عن الحضارات التي قامت في حوض الفرات إلى أن الحيوانات كانت موجودة بأعداد كبيرة في تلك الأزمنة وشكلت جزءاً هاماً من المصادر الغذائية للسكان. خاصة الغزلان التي شكلت عظامها أكثر من 80 بالمئة من مجموع العظام المكتشفة. كما عثر على قطع عظمية للحمر الوحشية والماعز والخنازير والثيران البرية التي انقرضت في هذه المنطقة.

بالرغم من عدم توفر أية إحصائيات دقيقة عن الطيور المنقرضة أو المهددة بالاختفاء، إلا أن الشيء المؤكد أن كثيراً منها قد انخفضت أعداده بشكل كبير. ولم نعد نرى الحباري والحجل وأسراب الطيور الأخرى التي كانت متوافرة وبأعداد كبيرة منذ زمن ليس ببعيد.

المحميات:

إن الإدارة السليمة للتنوع الحيوي هي أكثر من رغبة جمالية، بل هي ضرورة حياتية والتزام أخلاقي تجاه بيئتنا والكائنات الحية التي تشاركنا البيئة نفسها. كما أنها التزام أخلاقي تجاه أنفسنا وتجاه الأجيال الحالية واللاحقة. يعتبر أفضل مكان للحفاظ على التنوع الحيوي للأرض هو الأنساق البيئية الحيوية التي تعيش فيها الكائنات الحية، وأهمها المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية.

المحميات هي مساحات كبيرة، تضم أنظمة بيئة طبيعية، تصان للحفاظ عليها من التهدم، ويوقف في حدودها أي نشاط للإنسان يمكن أن يؤدي إلى تدهورها. كما يجب أن تحتل مساحات كبيرة ومتنوعة، بحيث تمثل المناطق الطبيعية كافة الموجودة في البلد. وتتأمن فيها حماية مكونات النظم البيئية كافة، خاصة الحيوانات والنباتات المهددة بالاختفاء. تتنوع المحميات من حيث النظم البيئية والهدف المراد منها: فقد تكون المنطقة محمية بكاملها، أو تقتصر الحماية على بعض مكونات النظم البيئية، كحماية نوع من الحيوانات مهدد بالاختفاء، أو حماية نباتات معينة لقيمتها الجمالية أو التاريخية، أو حماية بعض التشكيلات الطبغرافية وغيرها. ونظراً لأن المناطق المحمية توفر آلية لحفظ التنوع الحيوي، فقد أنشأت معظم البلدان مناطق محمية (الإطار 9). ارتفع عدد المحميات في العالم من 1478 محمية عام 1980 إلى 9793 محمية عام 1994، وزادت المساحات المحمية في العام من 164 مليون هكتار عام 1970 إلى 652 مليون هكتار عام 1990، وغطت المحميات عام 1994 مساحة 7.1 بالمائة من اليابسة.

لا يوجد في سورية محميات، تبعاً لمعايير الاتحاد الدولي لصون الطبيعة. ذلك بالرغم من وجود محمية جزيرة الثورة في نهر الفرات، التي لا تزيد مساحتها عن 590 هكتاراً، ومحمية الشوح والأرز، في الجبال الساحلية، إضافة إلى مسيجات وزارة الزراعة التي تنتشر في مناطق مختلفة من البادية.

الإطار 9: عدد المحميات ومساحتها في بعض الدول العربية (الاتحاد الدولي لصون الطبيعة 1997)

الموارد المائية:

تقدر كمية المياه الجوفية والسطحية في سورية بعشرة مليارات متر مكعب في السنة، عدا حصة سورية من واردات نهري دجلة والفرات. تعتبر المياه السطحية والجوفية حالياً مستنفذة تقريباً في معظم المناطق. كما ويتوقع أن يحصل عجز مائي في مناطق عدة من البلاد بسبب زيادة الطلب على المياه. وقد لوحظت بعض الآثار الناجمة عن نقص المياه كانخفاض منسوب المياه الجوفية، وزيادة الملوحة، ومعاناة بعض المناطق (خاصة في حوض بردى والأعوج) من نقص حاد في مياه الشرب، خاصة في السنوات الأخيرة. لقد زاد الإفراط في استغلال المياه الجوفية، عن طريق حفر الآبار غير النظامي والعشوائي ودون الأخذ في الاعتبار موازنة الماء المستغل بإمكانية تجدده بوساطة مياه الأمطار، من انخفاض مستوى المياه الجوفية. مما أدى، في بعض الحالات، إلى زوال تام للمياه الجوفية، كما جرى في خمسينيات القرن العشرين في السلمية، وما يجري حالياً في حوض دمشق والجزيرة وحلب، بما يهدد التوازن البيئي الزراعي والاجتماعي. تشير المصادر العالمية لعام 1999 أن مياه الشرب المأمونة تغطي نحو 92 بالمائة من المناطق الحضرية، ونحو 78 بالمائة من المناطق الريفية، وذلك لعام 1996.

الصرف الصحي:

تغطي شبكات الصرف الصحي المدن الرئيسية كافة، وتصرف مياه الصرف الصحي غالباً في المجاري المائية القريبة أو الأودية أو تستعمل في ري المحاصيل الزراعية. أما القرى الكبيرة فمزودة بشبكات صرف صحي محدودة، وتصرف مياهها في الأودية. بينما تفتقر القرى الصغيرة إلى شبكات الصرف وتصرف مخلفاتها إلى ما يسمى بالحجرة الفنية.

تعتبر الأنهار ومياه البحر في الساحل أماكن الصرف الرئيسية للتخلص من مياه المجاري. يستثنى من ذلك مدينة دمشق وحمص والسلمية التي تعمل فيها محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي. فمثلاً تصرف مياه اللاذقية وطرطوس إلى البحر، ومعظم مدن المنطقة الوسطى إلى نهر العاصي. مما نجم عنه تلوث مياه الأنهار والساحل. تشير مصادر وزارة الري أن مياه نهر العاصي أصبحت ذات نوعية سيئة، خاصة بعد خروجه من مدينة حمص وحتى نهاية مجراه. كما تشير المصادر نفسها إلى أن نوعية المياه الساحلية لا تحقق شروط مياه السياحة، ابتداءً من اللاذقية شمالاً وحتى عمريت إلى الجنوب من مدينة طرطوس.

تبين الاستراتيجية الوطنية للبيئة لعام 2000، أن عدم وجود معالجة لمياه الصرف الصحي وتلوث المياه ونقص امدادات خدمات الصرف الصحي وفقدان شروط الحياة في الأنهار والبحيرات، تلحق أضراراً قدرتها بـ 5000 مليون لعام 1997 ونحو 8800 مليون لعام 2005. هذا إضافة إلى أكثر من 8000 مليون تكاليف الموارد المائية وانخفاض كميات المياه في المخزون الجوفي. كما أوضحت أيضاً أن عدم وجود معالجة لمياه الصرف الصحي في معظم مناطق القطر أدت إلى تلوث المياه السطحية وإلى آثار صحية كبيرة. فقد وصل عدد حالات الأمراض المنتقلة عن طريق المياه إلى عدة مئات من الآلاف جرى الإبلاغ عنها عام 1996. هذا إلى جانب مشكلة تلوث بعض المحاصيل الزراعية التي تروى بمياه الصرف الصحي.

مقترحات:

بالرغم من أن التقدم الاقتصادي لم يقترن في معظم الحالات بإعداد سياسات ومؤسسات لمعالجة شاملة لتدهور البيئة وحمايتها ـ مما شجع على عدم صيانة الموارد البيئية وإلى عدم كفاءة استغلالها وتعرض آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الخطرـ إلّا أن التجربة العملية في أنحاء العالم كافة تبين بوضوح أن التقاعس عن العمل الآن لن يؤدي إلّا إلى زيادة تكاليف وتعقيد الإجراءات العلاجية التي ستتخذ لاحقاً. وبما أنه من الطبيعي أن تحظى بأولوية عالية المشاكل التي تؤثر في صحة الإنسان أو التي تؤدي إلى خسائر اقتصادية، فلا بد لأية استراتيجية موجهة لتعزيز التنمية القابلة للاستمرار من أن ترتكز على ثلاثة أمور أساسية هي:

1 ـ تقوية المؤسسات البيئية والمشاركة الشعبية:

إن إدارة شؤون البيئة حقل جديد نسبياً في سورية، لذلك يمثل بناء القدرات المؤسساتية في مجال وضع السياسات البيئية أولوية قصوى. يتطلب هذا تحسين القدرات الإدارية والفنية وتقوية أجهزة مراقبة وتطبيق المعايير البيئية. كما يتطلب الإعلان الواسع عن المخاطر التي تتعرض لها البيئة، وإشراك الجمهور في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات. كذلك زيادة الوعي بالقضايا البيئية وحفز العمل الشعبي وزيادة استعداد المواطنين للمشاركة في حماية البيئة.

2 ـ تحسين إدارة الموارد الطبيعية:

تفرض قضايا التدهور البيئي من تلوث للهواء وشحة للمياه وتصحر المراعي الطبيعية وتملح التربة الزراعية وغيرها، قيداً أساسياً على النمو الاقتصادي في المستقبل. كما ستصبح الطاقة، وإن كانت متوفرة الآن، شحيحة، إذا استمرت أنماط الاستهلاك الحالية. وهذا يستدعي إعادة توجيه مسار التنمية بعيداً عن الإفراط في استغلال قاعدة الموارد الطبيعية، بتحسين أساليب الإدارة وزيادة الكفاءة وتقليل الهدر.

3 ـ وقف مشاكل التلوث الناشئة:

يشكل التلوث الحضري والصناعي وعدم كفاية الصرف الصحي المأمون تهديدات متزايدة للصحة العامة. فلا بد للاستراتيجية البيئية من أن تعالج آثار التلوث على المستويات كافة، كتحسين نوعية المياه وتحسين خدمات الصرف الصحي المأمون، وتحسين أداء المؤسسات الصناعية عالية التلويث، وتخفيض التلوث الناشئ من وسائط النقل والتخلص من البنزين المحتوى على الرصاص وزيوت الوقود عالية محتوى الكبريت، ووضع معايير الانبعاثات من السيارات والإسراع في استعمال الغاز الطبيعي في وسائط النقل وغيرها.

– – –

الفصل الثالث عشر

إسرائيل وانتهاك حقوق الإنسان في الجولان

فايز سارة(*)

تقديم:

قبل أربع وثلاثين عاماَ، وفي يوم السادس من حزيران 1967، شنت القوات الإسرائيلية عدوانها الأهم والأكثر اتساعاً ضد العرب منذ قيامها في العام 1948. شملت عملياتها العسكرية ثلاث جبهات عربية، امتدت من الجولان على الجبهة السورية في الشمال، إلى الجبهة الأردنية في الضفة الغربية شرقاً، وصولاً إلى جبهة قطاع غزة وسيناء مع مصر في الجنوب الغربي.

كان من نتائج هذا العدوان الواسع أن دخلت إسرائيل أوسع بوابة لانتهاك حقوق الإنسان العربي، وبخاصة سكان الأراضي التي احتلتها. لقد أضافت إلى سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت تتابعها ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية التي قامت عليها إسرائيل عام 1948، انتهاكات جديدة أخذت تمارسها ضد سكان الأراضي العربية في الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء.

لقد تناولت عشرات الأبحاث والدراسات والكتب سياسة إسرائيل وممارساتها، لاسيما في مجال انتهاكاتها حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية، لكن قليل من تلك الدراسات أشار إلى موضوع الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي السورية المحتلة في الجولان. من بين أسباب هذه المفارقة عوامل متعددة، لعل الأبرز فيها: طغيان حضور الموضوع الفلسطيني في أجمالي لوحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي باعتباره لب الصراع وجوهره، فيما موضوع الجولان أحد تفاصيله. العامل الثاني، يمثله العدد الكبير للفلسطينيين الموجودين في الضفة وغزة والذين يزيد عددهم عن مليوني ونصف مليون نسمة، فيما لا يزيد عدد أهالي الجولان تحت الاحتلال عن سبعة عشر ألف نسمة. ثمة عامل ثالث يستمد أهميته من الالتباسات التي أحاطت بمن تبقى من سكان الأراضي السورية المحتلة في الجولان. هذه الالتباسات شاركت في إشاعتها عوامل متعددة أهمها: سياسة إسرائيل إزاء سكان القسم المحتل من الجولان الذين ينتمون مذهبياً إلى المسلمين الموحدين “الدروز”. وهو أحد المذاهب الإسلامية، ينتشر اتباعه بين لبنان وسوريا والأردن وفلسطين.

لقد جهدت إسرائيل منذ قيامها لتأكيد “اختلاف الدروز” عن بقية العرب والمسلمين، وقامت من أجل ذلك بخطوات عملية من مثل محاولة فرض الجنسية والقوانين الإسرائيلية على الجولان وسكانه. الأمر الذي يعتبر الأهم في انتهاكات حقوق الإنسان التي مارسها الإسرائيليون في الجولان منذ احتلاله.

والحق، إن انتهاك حقوق أهالي الجولان من جانب الإسرائيليين، لا يتصل فقط بالسوريين من سكان القسم المحتل بقراه الخمسة التي مازالت قائمة، وإنما يمتد لكل سكان الجولان الذين كان عددهم في عام الاحتلال 1967 ما يزيد عن 153 ألف نسمة، ثم صار حالياً اكثر من 500 ألف نسمة. أي أن معظمهم ولد وسط المعاناة واستمرار الخرق والانتهاك الإسرائيلي لحقوقهم وتوزعوا بين مهجّر ومشرد، وباق تحت الاحتلال. وما يجدر ذكره هو أن معظم الذي تناولوا انتهاكات إسرائيل لحقوق أهالي الجولان كانوا يقصرون متابعتهم على ما يتعرض له الذين بقوا في بيوتهم في الجولان المحتل، دون أن يتناولوا انتهاكات إسرائيل لحقوق أبناء الجولان الذين طردوا من أراضيهم في العام 1967.

يقع الجولان في الزاوية الجنوبية الغربية من سوريا في نقطة تلاقي الحدود السورية ـ اللبنانية ـ الفلسطينية، حيث تبلغ مساحته 1860 كيلومتراْ مربعاْ. كان عدد سكانه في العام 1967 حوالي 153 ألف نسمة، يعيشون في 270 قرية وبلدة ومزرعة، تتوسطها مدينة القنيطرة، المركز الإداري للجولان.

اتخذ عدوان إسرائيل على الجولان في العام 67 طابعاً تدميرياً إجلائياً، حيث جرى طرد معظم سكان الجولان من أراضيهم. ولم يبق في الجولان سوى ستة آلاف سوري (حوالي 4.5 بالمائة) يقيمون في خمس قرى، هي: مجدل شمس، مسعدة، عين قنية، بقعاتا، والغجر، اغلبهم من الدروز العرب السوريين. ضمن عملية الطرد الاجلائي هذه، اعتقل الإسرائيليون 287 شخصاً وقتلوا 340 مدنياً في الجولان منذ احتلاله، كما وهدموا عشرات القرى، فيما تحولت البقية إلى خرائب. من هذه الخرائب مدينة القنيطرة، حاضرة الجولان، التي كان يسكنها 50 ألف نسمة. دمرها الإسرائيليون عشية انسحابهم منها عام 1974 بعد اتفاق فصل القوات، وبقيت شاهدا حياً على التدمير الإسرائيلي.

تمثل الإجراءات التي رافقت عدوان إسرائيل أولى انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الجولان. وهي مسيرة تابعت تطورها في مستويين: الأول، يتصل بسكان الجولان الذين طردوا منه، والثاني، يتعلق بسكان الجولان الذين بقوا تحت الاحتلال.

1 ـ الانتهاكات التي طالت المطرودين من الجولان:

لقد بدأ انتهاك إسرائيل لحقوق أهالي الجولان الذين طردوا منه بعملية الطرد ذاتها، التي ترافقت مع مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتدمير أنماط حياتهم الاقتصادية والاجتماعية. لقد دفع هؤلاء لبدء حياة جديدة يحيطها المجهول وسط ضعف الإمكانيات أو انعدامها في اغلب الأحيان، وضمن ظروف لا إنسانية عاش في ظلها اغلبهم. ثم ولد الجيلان الأول والثاني من أبنائهم في ظل الحالة نفسها. وشواهد معاناتهم ماثلة حتى اليوم في “تجمعات النازحين” منهم في “الحجر الأسود”، جنوب دمشق، وفي مخيم الوافدين شمال المدينة، كما في كل التجمعات الأخرى والتي يزيد عدد سكانها مجتمعة عن 450 ألف نسمة. إنهم يتوزعون بصورة رئيسية على أربع محافظات: دمشق، ريف دمشق، درعا، القسم المتبقي من محافظة القنيطرة.

إن المساعدة التي حصل عليها الذين طردوا من أرضهم في الجولان عام 1967، من اجل تجديد حياتهم بعيداً عن أرضهم وممتلكاتهم ووسطهم الاجتماعي، كانت محدودة للغاية ولم تكن كافية لتعويضهم عما أصابهم من أضرار نفسية واجتماعية ومادية وما فقدوه من أملاك وأموال. وهذا ما ينطبق خصوصاً على ما قدمته الحكومة السورية لهؤلاء، حيث أهم هذه التقديمات كانت تجهيزات بسيطة ورخيصة ومواد غذائية قليلة ومبالغ مالية محدودة. قلائل منهم استطاعوا بشكل جزئي تجاوز الآثار المدمرة التي ترتبت على طردهم من أرضهم وممتلكاتهم.

لكن لا يملك الذين طردوا من الجولان إلا الأمل بوضع حد لمعاناتهم وللانتهاكات الفاضحة لحقوقهم على أيدي القوات الإسرائيلية منذ عام 1967 من خلال عودتهم إلى أرضهم والتعويض عليهم. وهي مسؤولية مشتركة تتحملها إسرائيل أساسا والمجتمع الدولي الذي سكت عن عدوان إسرائيل واستمراره لسنوات طويلة.

2 ـ الانتهاكات التي طالت الذين بقوا تحت الاحتلال:

أما الذين بقوا في القسم المحتل من الجولان، فقد تعرضوا لأشكال أخرى من انتهاك حقوقهم ضمن محاولة تهويد الأرض والسكان. وهو ما عبر عنه بوضوح قرار الكنيست الإسرائيلي في العام 1981 والقاضي بـ “تطبيق القانون والسيادة الإسرائيلية” على الجولان وسكانه. جاء هذا القرار تتويجاً لسياسات وممارسات الاحتلال التي تنضوي في إطار تجاهل القرارات الدولية وخرق حقوق الإنسان الأساسية، خاصة الحقوق التي تتضمنها الاتفاقيات الدولية فيما يتصل بسكان المناطق المحتلة، ومنها اتفاقية جنيف.

تشمل هذه الخروقات المجالات كافة، أي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مضيفة إلى معاناة السوريين تحت الاحتلال في حياتهم اليومية والمستقبلية معاناة أخرى. لقد خلق تواصلها “وقائع وظروف جديدة” في حياتهم تتجسد أهمها في المحاور التالية::

أولاً ـ خروقات ذات طابع سياسي:

الأهم فيها، توجه سلطات الاحتلال إلى تغيير الوضع القانوني والسياسي للجولان من “أرض محتلة” طبقاً للقانون الدولي، إلى “أرض إسرائيلية” طبقاً لقرار الكنيست. ترافق ذلك مع محاولة فرض الجنسية الإسرائيلية على سكان الجولان من السوريين، بما هو مخالفة أخرى للقانون وللشرعية الدولية وانتهاك لحقوق الإنسان.

إضافة لذلك، منعت سلطات الاحتلال السكان من تأليف أية تنظيمات وجمعيات، حتى الخيرية والإنسانية منها، بحجة احتمال تحولها إلى منظمات سياسية. في حين أفسحت المجال أمام الأحزاب والمنظمات الصهيونية للنشاط العلني في قرى الجولان منذ إعلان قرار الضم عام 1981. وفرضت على الفرق الرياضية العربية الانتساب إلى نقابة العمال الإسرائيليين “الهستدروت” للحد من توجه أهالي الجولان إلى النشاطات الوطنية والمستقلة.

لقد ذهبت سلطات الاحتلال إلى أبعد من ذلك في انتهاك حق السوريين في مقاومة الاحتلال بتحويل هذا الحق إلى تهمة، وإرفاقها بتهمة “التجسس” لصالح سوريا. مما يسمح بموجبه أن تصدر المحاكم الإسرائيلية أحكاما بالسجن لمدد طويلة، على غرار الأحكام التي ينفذها بشر سليمان مقت وأخيه صدقي، حيث أن كلاهما محكوم بـ 27 سنة سجناً تنفذ منذ عام 1985. ويعامل المعتقلون من أبناء الجولان في السجون الإسرائيلية “وكأنهم مجرمو حرب وليسوا مناضلين في سبيل الحرية”. يزيد عددهم اليوم عن أربعين معتقلاً وسجيناً.

إن السجن لمدة طويلة، مع ما يرافقه من نتائج صحية واجتماعية، ليس العقوبة الوحيدة التي تفرضها سلطات الاحتلال ضد الذين يمارسون نشاطات وطنية في الجولان. فهناك عقوبات أخرى مثل الاعتقال المؤقت وفرض الإقامة الجبرية والفصل من العمل، على غرار ما حدث ويحدث لمعلمي مدارس الجولان عند اتهامهم بـ “ممارسة نشاطات معادية للاحتلال”.

يندرج في إطار خرق الحقوق السياسية للسوريين تحت الاحتلال، قيام السلطات العسكرية بتعيين مجالس محلية ومذهبية بأوامر عسكرية صادرة عن الحاكم العسكري للمنطقة، خلافاً لرغبات السكان. كما يندرج في ذات السياق إجبار السوريين على التقاضي أمام المحاكم الإسرائيلية في طبريا والناصرة وفقاً لـ “القانون الإسرائيلي”.

ثانياً ـ خروقات ذات طابع اقتصادي:

أساسها تدمير حياة السكان من خلال السيطرة على الأراضي والموارد، بحيث تكمل سابقتها ذات الطابع السياسي. في هذا المضمار، استولى الاحتلال على أكثر من ثلاثة أرباع مساحة القسم المحتل في الجولان، أي ما يزيد عن 350 ألف دونم. فمن أراضي قرية مجدل شمس وحدها تم الاستيلاء على مساحات واسعة تم تحويل معظمها من أراض زراعية إلى مواقع عسكرية وكذلك لمستوطنات، حيث نجد في الجولان نحو 40 مستوطنة ونقطة استيطانية، يسكنها حوالي 17 ألف مستوطن يهودي.

كذلك حرمت السلطات الإسرائيلية السكان من الوصول إلى مساحات كبيرة من أراضيهم في جبل الشيخ شمالاً، واستولت على أراضي منطقة الحمة في الجنوب، حيث حولت هذه الأراضي إلى مناطق سياحية تستغلها الشركات السياحية الإسرائيلية. كما منعت رعاة الماشية من الوصول إلى المراعي التي اعتادوا ارتيادها بحجة تحول هذه الأراضي إلى مناطق عسكرية.

تترافق خروقات حقوق ملكية الأراضي واستثمارها مع قيام المحتلين بالسيطرة على المياه الجوفية في مناطق اليعفوري والمشيرفة، ورأس بوسعيد، ومياه بركة ران شمال الجولان، ومياه الأنهار الثلاثة: اليرموك وبانياس والدان. وقد تم تحويل الموارد المائية لصالح المستوطنات اليهودية، أما ما زاد منها فجرى تحويله إلى شبكة المياه الإسرائيلية. حسب تقدير مصادر سورية، إن ما تسرقه إسرائيل من مياه الجولان يراوح ما بين 400 و500 مليون متر مكعب سنوياً.

لقد حولت قوات الاحتلال حق فلاحي الجولان بالمياه إلى مسرب تمتص منه إسرائيل أموال الفلاحين. ذلك بفرض سعر يقارب دولارا لكل متر مكعب من مياه الري، إضافة لضريبة الاشتراك في شبكة الري التي تبلغ 1500 دولاراً عن كل دونم ارض. كذلك منعت إقامة خزانات المياه التي اعتاد الفلاحون إقامتها لاستخدامها في الري، وفرضت مبلغ 500 دولار لكل خزان في حال موافقتها على منح الترخيص.

استكمالاً لهذا الجانب من سياسة إسرائيل المائية، يمكن الإشارة إلى منع الاحتلال مياه الشرب من تغذية قرى محتلة. مما دفع الحكومة السورية إلى تزويد قرية بقعاتا بمياه الشرب من خلال مشروع تم تدشينه في آذار 1987.

حاولت أيضاً سلطات الاحتلال مصادرة حق فلاحي الجولان تصدير محاصيلهم الزراعية. ذلك بفرض شروط سياسية لإعطاء الفلاحين فرصة تصدير إنتاجهم ومن خلال مساومتهم في موضوع “الهوية والجنسية الإسرائيلية”. كذلك من خلال فرض تعامل الفلاحين مع عملاء الاحتلال أو تجار إسرائيليين حصلوا على رخص تصدير. وفي كل الحالات فرض المحتلون على الإنتاج الزراعي لقرى الجولان العربية أن يوصف بأنه “إنتاج إسرائيلي”.

من ناحية أخرى، فرضت السلطات الإسرائيلية على السكان العرب دفع ضريبة “الدخل والأمن”، استناداً إلى البندين 175 ـ 176 من مرسوم الضرائب الإسرائيلي. هذه الضريبة لا تجبى في العادة إلا من “مواطني الدولة”، خلافاً لواقع أن سكان المرتفعات هم عرب سوريين. ثم قامت بالحجر على ممتلكات الممتنعين عن دفع هذه الضريبة.

لقد أدت هذه السياسات إلى خراب اقتصادي أصاب العديد من فلاحي القرى السورية المحتلة. الأمر الذي أجبرهم على السفر خارج قراهم للعمل في المناطق المحتلة عام 1948 وفي المستوطنات اليهودية، في ظل شروط عمل غير إنسانية.

ثالثاً ـ خروقات ذات طابع اجتماعي:

هي تتسم كسابقاتها باتخاذها الطابع القسري وبإنكارها للحقوق الطبيعية للسكان العرب في الجولان في ممارسة عاداتهم وتقاليدهم. كذلك في التواصل مع أهلهم وذويهم في القرى الأخرى، ومع مواطنيهم وأهاليهم في بقية الأراضي السورية. ينتمي إلى هذا النوع من انتهاكات حقوق الإنسان، منع السكان تحت الاحتلال من إجراء مقابلات شخصية مع ذويهم وأقربائهم الذين يعيشون في سوريا، رغم أن هذه المقابلات تتم تحت رعاية الأمم المتحدة. وعندما سمح بإجراء هذه المقابلات، قامت سلطات الاحتلال بالتحقيق مع أصحاب المقابلات، ومنعت المقابلات عن البعض منهم، كما ومنعت سفر بعضهم للخارج.

تطبق إسرائيل سياسة العزل الجماعي من خلال حصار القرى العربية في الجولان عن محيطها وعزلها عن بعضها البعض. ذلك على نحو ما تم بداية عام 1981، عندما جرى عزل القرى الخمس بسبب موقف سكانها في معارضتهم حمل الهوية الإسرائيلية. منع وقتها الدخول أو الخروج من هذه القرى وقطعت الاتصالات الهاتفية مع الخارج، كما منع دخول الصحف العربية الصادرة في فلسطين. تكرر الأمر مرات بعدها على نحو ما حصل بعد صدور قرار الكنيست بضم الجولان. فحوصرت القرى العربية في أعقاب إعلان الإضراب العام، ومنعت المواد الطبية والغذائية بما في ذلك حليب الأطفال من دخول القرى. كما وقطع التيار الكهربائي والمياه في بعض الأحيان، فيما انتشر آلاف الجنود الإسرائيليون المدججون بالسلاح وآلياتهم على الطرق العامة ومداخل القرى السورية بهدف الضغط على السكان لإرغامهم على القبول بـ “الأمر الواقع” والاستجابة للأهداف الإسرائيلية.

لقد فرضت السلطات على العمال والعاملات والموظفين من أبناء القرى الانتساب إلى “الهستدروت”، خلافا لرغباتهم، وأجبرت السكان على المشاركة في صندوق المرضى “الكوبات حوليم” التابع للهستدروت. ذلك بهدف تأمين المعالجة الصحية، خاصة في ضوء تردي الواقع الصحي الذي من بين مؤشراته نقص عدد الأطباء وعدم وجود مراكز صحية واسعافية ومخابر تحليل طبية ومراكز للتصوير الشعاعي وصيدليات، وعدم توفر عيادات نسائية وعيادات توليد. ترافق كله مع رفض السلطات إعطاء رخص للأطباء والصيادلة السوريين المتخرجين من الخارج لممارسة عملهم في قراهم، ورفض السماح للمرضى، ممن لا يستطيعون دفع نفقات العلاج، القدوم إلى سوريا للمعالجة المجانية في مشافيها.

إضافة لما ذكر، تمنع السلطات السكان من حق إقامة مساكن لهم في أراضيهم خارج القرى، كما أن إقامة المساكن داخل القرى تحتاج إلى إذن مسبق من سلطات الاحتلال. لقد تزايد عدد سكان الجولان في سنوات الاحتلال عدة مرات كما أشرنا، لكن المساكن القائمة هي اقل من احتياجاتهم الفعلية. يترافق هذا الحال مع فرض ضرائب على العقارات تزيد عن ثلاثة دولارات للمتر المربع الواحد من أسطح المنازل والطوابق، وتزداد قيمة هذه الضريبة عاماً بعد عام.

رابعاً ـ الانتهاكات ذات الطابع الثقافي والتعليمي:

هي انتهاكات ذات طيف واسع، شملت التاريخ والحاضر والمستقبل، حيث استبيحت المواقع الأثرية في الجولان، وتمت سرقة كثير من محتوياتها. كما وانتهكت حقوق تلاميذ وطلبة الجولان في تلقي تعليم يناسبهم، حيث فرضت السلطات مناهج التعليم الإسرائيلية بدلا من مناهج التعليم العربية السورية، وأبعدت أعدادا كبيرة من المعلمين والأساتذة بحجة ممارستهم نشاطات مناهضة للاحتلال. كذلك أضافت مادة “التراث الدرزي” إلى المنهاج التعليمي، رغم الرفض الذي قوبلت به هذه الخطوة من قبل مواطني الجولان الذين أعلنوا أنه ليس لهم تراث درزي وإنما تراث عربي ـ إسلامي. وقد عينت السلطات عددا من المعلمين والأساتذة الإسرائيليين في المدارس العربية.

تنتهك سلطات الاحتلال حق أبناء الجولان في التعليم، حيث تعاني القرى الخمس من قلة المدارس بمراحلها المختلفة. لقد منعتهم لسنوات طويلة من التوجه إلى سوريا للدراسة في جامعاتها ومعاهدها. وهي في حين لا تسمح اليوم إلا لعدد محدود من حملة الثانوية بالمغادرة لإتمام تعليمهم في سوريا، تعرّضهم لعمليات مضايقة وتحقيق عند عودتهم للجولان. والجدير بالذكر إن الجامعات الإسرائيلية لا تستوعب سوى نحو 15 بالمائة من طلبة الجولان العرب الذين يتركز معظمهم في جامعة حيفا، وهم يتعرضون فيها لمضايقات ذات طبيعة عنصرية كونهم عرباً.

نخلص للقول، أن أهالي الجولان سواء الذين طردوا من أرضهم أو الذين بقوا فيها، معرضون لانتهاكات حقيقية ومتعددة الأبعاد منذ احتلال إسرائيل للجولان في العام 1967. تفاعلت آثار هذه الانتهاكات عند الذين طردوا من أراضيهم، فيما تواصلت عند الذين بقوا تحت الاحتلال. في الحالتين، كشفت هذه الانتهاكات عن تجاوز الاحتلال الإسرائيلي لكل القوانين والمواثيق الدولية، لاسيما ميثاق حقوق الإنسان واتفاقيات جنيف. وهي ما زالت ماضية برفض قرارات الشرعية الدولية، خاصة تلك التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، بما فيها التي رفضت ما قامت به إسرائيل من خطوات وإجراءات في الجولان.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

المراجع:

          اعتمدت الدراسة على مجموعة مصادر منها:

1 ـ الجولان: شهادات نازحين عن أيام الحرب والحاضر، إعداد صقر أبو فخر، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 42، ربيع 2000.

2 ـ العنصرية الصهيونية وممارساتها في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، فايز سارة، مجلة الوحدة، العدد 40، كانون الثاني 1988، ص163 ـ 171

3 ـ التقرير السنوي لعام 2000 حول أوضاع العرب السوريين في الأراضي العربية المحتلة، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، دمشق.

4 ـ دليل إسرائيل العام، مجموعة مؤلفين (تحرير صبري جريس ـ احمد خليفة)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، الطبعة الأولى 1997، ص 370 ـ 398

5 ـ حوارات أجراها الكاتب مع مدحت صالح الصالح، مناضل من الجولان وسجين سابق في السجون الإسرائيلية وعضو في مجلس الشعب السوري حالياً.

 

الفصل الرابع عشر

مسألة الأقليات

جاد الكريم الجباعي(*)

على سبيل التمهيد:

مسألة الأقليات(*) وحقوقها من أكثر المسائل حساسية وخطورة، لذلك تحتاج مقاربتها إلى مزيد من الدقة والروية والضبط المنهجي. لاسيما اليوم، في ظل العولمة الاقتصادية الرأسمالية المتوحشة ودكتاتورية السوق التي تنتهك حقوق أربعة أخماس البشرية وتقذف بها إلى هوامش الحياة، تحت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات. مما يضع الباحث أمام خطرين: خطر التفريط بحقوق الأقليات أو تجاهلها أو التوجس منها بحجة مقاومة سلبيات العولمة ومواجهة تحدياتها، وخطر تبني الليبرالية الجديدة بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان بوجه عام وحقوق الأقليات بوجه خاص. ذلك أن العولمة الجارية والمتسارعة تنطوي على آليتين متعاكستين:

ـ آلية دمج الاقتصادات الوطنية والمحلية وتوحيدها في اقتصاد عالمي تسيطر عليه الشركات متعددة الجنسيات وسدنة رأس المال المالي المنفلت من عقاله والاقتصادات المفترسة، وفي مقدمتها الاقتصاد الأمريكي. تستفيد هذه الآلية من ثورة الإعلام والإعلان وتقدم التقنيات وثورة المواصلات والاتصالات والمعلومات، وكلها خاضعة للاحتكارات الكبرى.

ـ وآلية تفكيك وتفتيت تستهدف البنى القومية أو الوطنية، السياسية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما الدولة الوطنية، في أطراف النظام العالمي. ذلك من خلال إحياء الهويات ما قبل الوطنية وما قبل المجتمعية وإنعاشها وجعل روابطها وعلاقاتها الأولية بديلاً من علاقات المواطنة التي هي قوام الدولة الوطنية الحديثة (= الدولة القومية أو الدولة الأمة التي حلت مسألة الأقليات حلاً علمانياً وديمقراطياً).

يذهب بعض الباحثين وعلماء الاجتماع المعاصرين إلى تصنيف المجتمعات، من حيث تنوعها الديني والمذهبي والقومي والعرقي واللغوي والثقافي، في ثلاثة نماذج أو ثلاثة أنماط هي: المجتمعات الفسيفسائية غير القابلة للاندماج، والمجتمعات النقية عرقياً أو دينياً أو قومياً..، وهذان حدان أقصيان تقع بينهما المجتمعات القائمة على التنوع والقابلة للاندماج في الوقت ذاته. والباحث يعتقد أن الأقطار العربية، باستثناء لبنان، (ما لم تكتسب أقليته العلمانية وعياً وطنياً قومياً حديثاً، وأكثريته العروبية وعياً علمانياً)، تنضوي تحت هذا النموذج الثالث. فالمجتمعات العربية تتصف بالتنوع الديني والمذهبي والقومي واللغوي والثقافي، ولكنها جميعاً قابلة في الوقت ذاته للاندماج. ولعل النموذج اللبناني في تطرفه في هذا المجال هو الذي يقرع ناقوس الخطر، ويفرض ضرورة البحث عن حل جذري، علماني وديمقراطي لهذه المسألة المتفجرة هنا والكامنة هناك. لقد خطت الأقطار العربية، ولاسيما سورية، في طريق الاندماج الوطني والاجتماعي خطوات راسخة. بل إن سورية استعصت، في كثير من الأحيان على محاولات تقسيمها إلى دويلات في زمن الاستعمار الكولونيالي المباشر، واستعصت بعد ذلك على محاولات العبث بوحدتها الوطنية لأسباب موضوعية سنأتي على ذكرها. وهذا خلاف ما ذهب ويذهب إليه معظم المستشرقين ومعظم مراكز البحث الغربية؛ إذ يطلق هؤلاء المستشرقون وباحثو هذه المراكز على المجتمعات العربية صفة المجتمعات الفسيفسائية أو مجتمعات الموزاييك. إن ذلك ليس إشارة إلى تعدد مكونات هذه المجتمعات وتنوعها فحسب، بل إلى عمق الفروق “الأصلية” بين هذه المكونات، وممانعتها للاندماج الوطني والاجتماعي، وممانعتها من ثم للاستقرار الاجتماعي السياسي. ولا تخفى المرامي الأيديولوجية والسياسية الكامنة خلف مثل هذه الصفات إلا على من يظن أن الطابع “الغربي” للمقولات يمنحها مشروعية علمية.

تجاهل الفكر القومي التقليدوي والتقليدوي الجديد مسالة الأقليات. فكان ولا يزال يلقي تبعة الاضطرابات والأزمات التي تولدها على الخارج فقط، متجاهلاً حقيقة أن وجود الأقليات أقدم من الاستعمار والإمبريالية، وأن عوامل انفجارها الداخلية هي التي تستقدم التدخل الخارجي وتمكنه من استثمارها. وما تجاهل الفكر القومي لهذه المسألة سوى مثال واحد على ازوراره عن الواقع، وعلى غلبة العنصر الأيديولوجي على العناصر الواقعية والعقلانية في بنيته. فجذور هذه المسألة قديمة في تاريخنا ترجع إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية.

إن الإسلام الذي تقوم رؤيته على ثلاثة أركان مهمة هي: التوحيد أو الوحدة والتعدد والكونية أبقى على الديانات والمذاهب التوحيدية، وجعل أتباعها في ذمة المسلمين. أنتج الانشقاق الإسلامي إثر معركة صفين مذاهب إسلامية تعمقت الفروق فيما بينها حتى طالت بعض مسائل العقيدة ذاتها. فدخلت في الإسلام أقوام شتى تعرّب بعضها واحتفظ بعضها الآخر بهويته الإثنية أو اللغوية الثقافية. وشأن جميع الإمبراطوريات القديمة، ضمت الإمبراطورية العربية الإسلامية مللاً ونحلاً وديانات ومذاهب وقوميات شتى دخلت جميعها، كلياً أو جزئياً، في النسيج الاجتماعي السياسي والثقافي العربي الإسلامي. تؤكد آليات تشظي الدولة العربية الإسلامية على أساس أقوامي حيناً ومذهبي حيناً آخر، أو عليهما معاً في معظم الأحيان، على عمق هذه المسألة في بنيتها. ومع سيطرة العثمانيين على مقاليد “الخلافة الإسلامية” أقاموا نظاماً مللياً قوامه المركزية العسكرية واللامركزية الإدارية. انطلقت منه عملية تسييس مسألة الأقليات التي أخذت تتعمق طرداً مع تعمق الاختراق الرأسمالي ونشوء نظام “الامتيازات” ونظام “حماية الأقليات”، وصولاً إلى الاستعمار الكولونيالي وسياسته القائمة على مبدأ: فرّق تسد. لكن البنى القابلة للتفريق هي وحدها التي يمكن تفريقها.

“إلا أن الاستعمار المشرب، رغم كل شيء، ببعض قيم المجتمع الغربي الذي ينتمي إليه، انخرط في سيرورة تناقضية: ففي الوقت الذي شدد شعور الغربة لدى الأقلّيات غير الإسلامية، حمل معه بعض إنجازات الثورة القومية الديمقراطية البورجوازية. فالدساتير الكولونيالية، التي فرضت حقوق الإنسان (المثلومة، ولا شك، بالهيمنة الاستعمارية) لأول مرة في المجتمعات العربية، رفعت تلك الأقليات إلى مرتبة المواطنية. بل حاول الاستعمار فتح الباب لدمجهم قومياً (مثلاً: نص ملحق لمشروع معاهدة 1936 بين سوريا وفرنسا على إصدار قانون موحد للأحوال الشخصية). بيد أن انطواء الأكثرية الإسلامية، بفعل الاغتصاب الاستعماري أساساً، ناهيك عن استنكارها تغرب الأقليات المسيحية، خلق بوناً أو اتفاقاً بين وعي المجتمع، المخثر في تقليديته، وبين التوجه القومي الديمقراطي الذي في الدساتير الكولونيالية. الأمر الذي عقد، بل عرقل، سيرورة الحل الديمقراطي الاندماجي لمسألة الأقليات.

هكذا بقي المجتمع العربي، حتى بعد الاستقلالات السياسية، معلقاً أو مزنوقاً في منتصف الطريق: استحالة إعادة الأقليات المسيحية إلى وضع أهل الذمة القديم، وفي نفس الوقت قصوره عن تحقيق ثورة قومية ديمقراطية تفتح لحل مسالة الأقليات حلاً جذرياً وعصرياً وديمقراطياً. إذاً، انقطاعنا عن الماضي وعجزنا عن السير الواعي المصمم إلى المستقبل حوّل الوضع الطائفي التقليدي، الذي عاشته قروناً المجتمعات العربية ما قبل الكولونيالية، إلى أزمة طائفية تجسد وتلخص الأزمة العامة للمجتمع العربي”(1).

لقد أخذت مسألة الأقليات تطرح نفسها بهذا القدر أو ذاك من الحدة والتفجر حين انتكست المجتمعات العربية إلى ما قبل المرحلة الكولونيالية، في ظل ما سماه ياسين الحافظ الحقبة الشخبوطية، حقبة البداوة النفطية. فطفا الماضي على سطح الحاضر الملقى على هامش العصر.

ثمة في الوطن العربي، كما في معظم دول العالم، تعدد وتنوع واختلاف وتعارض. ثمة جماعات قومية ولغوية وثقافية ومذاهب إسلامية وطرق صوفية وطوائف مسيحية ويهودية ويزيدية. لكن لا تعدد وتنوع بلا وحدة ولا اختلاف وتعارض بلا تماثل وتشابه. وهذا ما تتجاهله الرؤية الاستشراقية، وتريد لنا أن نجهله، فنشرع في إقامة المتاريس بدلاً من بناء الجسور. فمن دون مقولتي الوحدة والتماثل لا نصل إلى مفهوم الإنسان وحقوق الإنسان، اللهم إلا على الطريقة الانتقائية الغربية عامة والأمريكية خاصة. البشر كلهم مختلفون اختلافات لا نهاية لها، وكلهم متماثلون في الحيثية الإنسانية، بل إن ثمة اختلافاً في الاختلاف. فمن قال إن الأكراد في سورية، مثلاً، غير مختلفين، لا عن العرب فحسب، بل فيما بينهم أيضاً؟ ومن قال إن العرب غير مختلفين عن غيرهم وفيما بينهم أيضاً؟

هذا مطرد في جميع بني آدم. الاختلاف هو الذي يفترض المساواة منطقياً وأخلاقياً بالتلازم. فلولا الاختلاف لما كانت هناك حاجة إلى المساواة. الاختلاف يفترض المساواة لأنه يفترض التماثل في الماهية الإنسانية، والاحتياج المتبادل بين أفراد المجتمع، وقيام كل منهم بوظيفة ضرورية للآخرين. وهذا أساس المساواة السياسية أمام القانون، وهو مؤسس على تساوي جميع أنواع العمل البشري في القيمة المطلقة. إن العلاقة بين الاختلاف والمساواة هي ذاتها العلاقة بين الكينونة والوجود. والمساواة لا تعني في أي حال من الأحوال إلغاء الفروق، فإلغاء الفروق هو الوقوع في السديمية والاختلاط، والذهاب إلى العدم. إن قضية حقوق الإنسان كلها تتكثّف في هذه المسألة، وحقوق الأقليات فرع من شجرة حقوق الإنسان.

جميع محمولات الإنسان هي تحديداته الذاتية ليس لأي منها قيمة مطلقة في ذاتها، بل إنها جميعاً تستمد قيمتها من الإنسان ذاته الذي يحملها ويحدد ذاته بها. الإنسان ذات قابلة لأن تحمل ما لا حصر له من المحمولات والتعيينات، وكل واحدة من هذه المحمولات والتعيينات هي حد وفرق. ومنذ كف الإنسان عن كونه نوعاً صائداً بين أنواع أخرى واستوى على دوره النوعي بستانياً لهذا العالم، بادئ ذي بدء، صار بذلك سيد عالمه ومالكه وحري به أن يصير سيد نفسه ومالكها. لكن الاختلاف الذي كان، ولا يزال يتجلى في اختلاف التحديدات الذاتية والتعيينات الموضوعية، وضع العبودية ووضع إزاءها الحرية، ووضع جدلية الظلم والقهر واهتضام الحقوق. بهذه الجدلية لا بغيرها صنع الإنسان تاريخه الذي سيغدو بالتدريج تاريخ العالم. وفق هذه الجدلية أنتج نفسه في التاريخ وفي العالم، وراح يستعيد موضوعيتهما في ذاته بالتدريج أيضاً حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم، على الخط الذاهب إلى اللانهاية.

إذا كان الاختلاف واقعاً موضوعياً، فإن العبرة في مسألة الأقليات تكمن في “العنصر الذاتي”، أي في إدراك أفراد جماعة معينة باختلافهم وتمايزهم، وإدراك الجماعات الأخرى القريبة منها لهذا الاختلاف والتمايز. وهو ما يؤدي إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخرى، وهذا ما يدعوه بعضهم بالحاجة إلى الانتماء. هذا العنصر الذاتي يعززه في حالة الأقلية القومية عنصر موضوعي هو اللغة، بوصفها وعاء للثقافة. فاللغة كانت ولا تزال شرطاً رئيساً من شروط الاجتماع البشري. في ضوء هذا الانتماء تتشكل العناصر الأولية للهوية القائمة أساساً على إدراك الاختلاف والمغايرة. لكن هذه الهوية الأولية ليست معطى نهائياً، فلا بد لها لكي تغدو كذلك من تعزيز أو توكيد يقوم به الآخر المختلف. فللآخر أثر حاسم في عملية تعضي الأقلية وتعزيز تلاحمها الداخلي.

يمكن القول: إن الأكثرية هي التي تصنع الأقلية إما بمنحها الامتيازات وإما بحرمانها من الحقوق، وللمنح والحرمان أثر واحد في نهاية التحليل. إن منح جماعة معينة امتيازات من أي نوع ومن أي درجة من شأنه أن يضاعف عزلة هذه الجماعة عن الجماعات الأخرى ويقوي لديها شعورها بالاختلاف والتمايز. أي من شأنه أن يولد لديها وضدها في الوقت نفسه نعرة دينية أو مذهبية أو قومية. الزيادة هنا هي أخت النقصان. فكل من يحظى بما ليس من حقه يكون قد هضم حقوق آخرين أو أسهم في ذلك من دون قصد. من ثم لا بد له من إقامة الأسوار والحصون التي تحميه وتحفظ مصالحه. لكن السور الذي يحميك اليوم يحبسك غداً.

هكذا ينشأ التحاجز الاجتماعي، حين تنغلق الجماعات على مصالح خاصة حصرية لا ترى في مصالح الآخرين سوى عقبات ينبغي إزالتها. والمصالح الخاصة عمياء دوماً، بمعنى أنها ضرورة وضرورات لا بد أن توعى جيداً لكي يمكن إدماجها في مصلحة عامة. وهذه ليست جمعاً حسابياً لتلك. على أساس هذه المصالح الخاصة تقوم أيديولوجيات تستمد منها صفات الحصرية والانغلاق والعمى. مع ذلك فإن العلاقات الاجتماعية تنطوي دوماً على آليات معقدة ومركبة للإدماج والتوحيد أو للاستبعاد والإقصاء. فمسألة الأقليات لا تتعلق بكينونات مغلقة ومنعزلة وهويات ثابتة وجوهرية، ولا بأوضاع ثابتة ستاتيكية، بل تتعلق بنمط العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك، تعلقها بمستوى الوعي الاجتماعي.

من البديهي أن تحرص كل جماعة دينية أو مذهبية أو قومية على تنمية إدراك الاختلاف والتمايز لدى أعضائها من التنشئة الأولى وسيلة لحفظ كيانها الجمعي وتراثها الثقافي ومصالحها. والآخرون يفعلون الشيء نفسه للأسباب ذاتها. ثم قد يكون هؤلاء الآخرون عاملاً مهماً في تنمية الإدراك الأقلوي لدى آخريهم بممارسة التفرقة والتمييز في المعاملة والسلوك. مما يولد عند هؤلاء شعوراً أقلوياً متزايداً نتيجة الإحساس بالاضطهاد. ويغلب أن يكون هذا الشعور ضمنياً، عند الأقليات، لا يلبث أن ينفجر لدى أول اختبار. مدفوعاً بذلك بضرب من غل تاريخي أساسه مديونية رمزية لجماعة تحدد موقعها الاجتماعي ونصيبها من الثروة والسلطة وفق مبدأ الغلبة والقهر.

يمكن أن يتجلى ذلك في حالتين: ـأولاهما، أن يكون حجم إحدى هذه الأقليات كبيراً ومركزاً جغرافياً في منطقة واحدة، وأن يكون لديها شعور شديد بالتمايز يرافقه شعور بالغبن أو بالتفوق. ـالثانية: حماسة النخبة القومية لمشروع قومي توحيدي لا يراعي حقوق الأقليات ومصالحها. مما يجعل هذه الأقلية أو تلك تحس بالخطر لا على مصالحها فحسب، بل على كيانها الاجتماعي وتراثها الحضاري أيضاً. لا بد من الاعتراف أن أي مشروع وحدوي يمكن أن يثير مخاوف الأقليات، ولا سيما القومية منها. من هنا تنبع أهمية إعادة تأسيس المشروع الوحدوي على أسس إنسية وعقلانية وعلمانية وديمقراطية وعلى مبدأ الإنسان وفكرة التاريخ ومفهوم التقدم.

1 ـ تعريف الأقلية:

تختلف تعريفات الأقلية بحسب بؤرة الاهتمام التي ينطلق منها التعريف، والسياق الذي يندرج فيه، والوظيفة التي يراد له أن يقوم بها. سنعرض لعدد من التعريفات نشفعها بالنقد وصولاً إلى تعريف يناسب حالتنا المخصوصة في سورية.

ـ عرّفت الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الأقلية بما يلي: الأقلية جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقياً أو قومياً أو دينياً أو لغوياً. وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم، يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية.

ـ تناولت الموسوعة الأمريكية الأقليات على أنها: جماعات لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع نفسه، وتمتلك قدراً أقل من القوة والنفوذ وتمارس عدداً أقل من الحقوق مقارنة بالجماعات المسيطرة في المجتمع. غالباً ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بامتيازات مواطني الدرجة الأولى. (لا بد أن يتساءل المرء هنا: هل ينطبق هذا التعريف على الوضع الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية، أم إنه “بضاعة” أمريكية للتصدير؟)

ـ أما مسودة الاتفاقية الأوربية لحماية الأقليات فتقرر أن مصطلح الأقلية يعني جماعة عددها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، يتميز أبناؤها عرقياً أو لغوياً أو دينياً عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم.

ـ أما اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فقد عرفت الأقليات بأنها: جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها.

ـ إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية (أو عرقية) ودينية ولغوية سكت عن تعريف الأقلية متجاوزاً ذلك في مواده التسع إلى تأكيد أهمية الحفاظ على حقوق الأقليات ومساواتهم في الحقوق مع الأغلبية. وقد عرض على اللجنة التحضيرية لهذا الإعلان تعريف للأقلية قدمه الوفد الألماني يقول: الأقلية هي جماعة من مواطني الدولة تشكل أقلية عددية لا تحظى بصفة السيطرة أو الغلبة في الدولة، يتميزون عن بقية أعضاء المجتمع عرقياً أو لغوياً أو دينياً، وهم يميلون إلى التضامن معاً، ويحرصون، وقد يكون هذا الحرص كامناً، على البقاء، ويهدفون إلى تحقيق المساواة مع الأغلبية واقعاً وقانوناً.

يبدو هذا التعريف أقرب التعريفات السابقة إلى منطق حقوق الإنسان الذي لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، سيادة الدولة الوطنية أو القومية. فهو يبرز حقيقة أن الأقلية جماعة من مواطني الدولة، ومن ثم فإن جميع الصفات الأخرى تقع في دائرة هذه الحقيقة الموضوعية. فحقوق الأقليات لا يجوز أن تتعارض مع سيادة الدولة. وهذه هي في اعتقادي المسألة المركزية. أما بقية التحديدات التي تضمنها التعريف فتتقاطع مع التعريفات الأخرى إلى حد بعيد: العدد (أقل من نصف السكان) وإدراك الاختلاف والتمايز، والميل إلى التضامن، والحرص على البقاء، والتطلع إلى المساواة. ويبدو تعريف الموسوعة الأمريكية استثناء، في إبراز عدم تمتع الأقلية بامتيازات مواطني الدرجة الأولى.

يلاحظ أن بقية التعريفات تستند إلى مقولة التمايز مقطوعة عن سياقها المنطقي الذي يفترض وحدة المجتمع والدولة، والاندماج الوطني، بقدر ما يفترض التماثل أو التشابه. ذلك لصدورها جميعاً عن رؤية وضعوية تعزل الظاهرة عن سياقها التاريخي من جهة وعن علاقاتها المتبادلة بغيرها من الظاهرات الاجتماعية من جهة أخرى. هذه الرؤية الوضعوية رؤية ستاتيكية تتعامل مع الأقليات على أنها هويات ثابتة وماهيات وجواهر معرفة بذاتها. وتتعامل مع العلاقات الاجتماعية من ثم على أنها علاقات ذات اتجاه واحد، أي علاقات تخارج وتنابذ وتفاصل. مع أنه ليس في الواقع تخارج بلا تداخل، ولا تنابذ بلا تجاذب، ولا تفاصل بلا تواصل. وعيب هذه الرؤية الستاتيكية أنها تنظر إلى المجتمع بدلالة أحد أجزائه أو بعض أجزائه بدل أن تنظر إلى هذا الجزء أو إلى هذه الأجزاء بدلالة المجتمع. الجزء في هذه التعريفات يحدد الكل، في حين إن الكل هو الذي يحدد جميع أجزائه. لذلك فإن أياً من هذه التعريفات أو التحديدات لا يصلح مستنداً لبحث مسألة الأقليات في سورية، لا من حيث التحديدات الموضوعية، بل من حيث زاوية النظر ومنهج البحث.

كما أن مقولة الاختلاف، أو التمايز، ليست مطلقة في جميع الأحوال. إذ يمكن أن تكون الأقلية مختلفة قومياً ومتفقة دينياً أو مذهبياً، وثقافياً. كما يمكن أن تكون مختلفة دينياً أو مذهبياً ومتفقة قومياً ولغوياً وثقافياً. ما هو حاسم في هذه المسألة هو في الحقيقة هوية الدولة التي تحدد بصورة نهائية إمكانية الاندماج الوطني والاجتماعي(2) أو عدم إمكانيته. فالدولة الدينية والدولة الاستبدادية، على سبيل المثال، لا تتيحان أي فرصة للاندماج، بخلاف الدولة الوطنية أو الدولة القومية التي لا يمكن أن تكون وطنية حقاً وقومية فعلاً ما لم تكن علمانية وديمقراطية في آن.

لمقاربة هذه المسألة في سورية لا بد من تضافر التحليل التاريخي والتحليل الاجتماعي (الطبقي) والتحليل الرياضي، في نطاق رؤية جدلية للواقع والتاريخ. فمنطق الاجتماع أقرب ما يكون إلى المنطق الرياضي الأكثر تجريداً والأكثر واقعية في الوقت ذاته. إن جدل العشوائية والانتظام، وجدل الضرورة والحرية، وجدل الخاص والعام، هو الذي يحكم الاجتماع البشري بوصفه انبساطاً للروح الإنساني في الزمان والمكان. من ثم فإن للوعي، بوصفه الوجود مدركاً، أثراً حاسماً في تحديد الموقف من هذه المسألة. وبقدر ما يكون هذا الوعي كونياً وتاريخياً وديمقراطياً وعلمانياً وجدلياً، يكون الموقف عقلانياً وإنسانياً في آن. مثل هذا الوعي الذي وصفت يفترض وحدة المجتمع والدولة في نطاق وحدة النوع البشري أو وحدة العالم. إن قوام الوحدة الفعلية، كما هو معروف، التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض. وشتان بين معالجة مسألة الأقليات من منطلق الوحدة ومعالجتها من منطلق التجزئة والتذرير.

من هذا المنطلق يمكن تعريف الأقليات على النحو الآتي: الأقليات هي جماعات قومية أو لغوية ثقافية أو دينية أو مذهبية تنتظم في بنى وتشكيلات. تقوم في داخلها وفيما بينها وبين الأكثرية علاقات يحددها مستوى تطور المجتمع المعني ودرجة اندماجه القومي والاجتماعي. وتتحدد العلاقات الداخلية في كل منها بنمط العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية السائدة في كل مرحلة من مراحل التطور. وهي دائماً علاقات نبذ وجذب متوازية تحدد على نحو حاسم درجة الاستقرار الاجتماعي والسياسي. العنصر الحاسم في وجود الأقلية هو وعيها الذاتي باختلافها وتمايزها، وحرصها على البقاء والمحافظة على هويتها، وتطلعها إلى المساواة. يمكن القول: إن الأقلية لا تظل كذلك إلا بقدر ما تطلب لنفسها نوعاً من الحقوق الخاصة تعزز انغلاقها على ذاتها وممانعتها للاندماج. لذلك فإن مسألة العدد ليست حاسمة في هذا المجال.

في ضوء هذا التعريف يمكن القول: إن حقوق الإنسان حد يحد حقوق الأقليات، وإن وحدة المجتمع والدولة القائمة على مبدأ حرية الفرد وحقوق الإنسان حد يحد حقوق الأقليات، ومن ثم، فإن حقوق الأقليات حد يحد حقوق الأكثرية أو الأغلبية. أي أن حقوق الأقليات هي واجبات الأكثرية التي تسم المجتمع والدولة بميسمها. إن الدولة الوطنية أو القومية الحديثة، أي العلمانية والديمقراطية بوجه خاص، لا تبدو لمواطنيها من الداخل إلا في صورة دولة حق وقانون، بقدر ما تكون كذلك طبعاً، في حين تبدو لغير مواطنيها من الخارج دولة قومية. وصف سورية بأنها دولة عربية لا ينتقص أي حق من حقوق المواطنين السوريين غير العرب، لأن هذا التحديد هو بالأحرى تحديد إزاء الخارج وليس إزاء الداخل. أجل الدولة هي التحديد الذاتي للشعب، ومن البديهي أن تغلب عليها سمة أكثرية الشعب. جميع الدول المنسوبة إلى شعوبها كذلك. والباحث يعتقد أن انتقاص أي حق من الحقوق هو انتقاص من الحقوق كلها، بما فيها حق الحياة. وأن انتقاص حقوق أي جزء من المجتمع مهما كان قليل العدد هو انتقاص من حقوق المجتمع كله.

إن المجتمع القابل للنمو والتقدم هو المجتمع الحر. فلا يكون المجتمع حراً إلا حين يكون جميع أعضائه أحراراً. والحرية مشروطة دوماً بالقانون والمسؤولية. إن حل مسألة الأقليات في سورية حلاً علمانياً، بفصل الدين عن السياسة وحياد الدولة حياداً إيجابياً إزاء جميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات السياسية، العلمانية وغير العلمانية، وديمقراطياً بتحقيق المساواة الفعلية بين جميع المواطنين أمام القانون، وبتحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها الصيغة العملية للمساواة، وبإطلاق الحريات العامة، وإطلاق روح المبادرة الخلاقة لجميع المواطنين بلا استثناء ولا تمييز، إن حل مسألة الأقليات على هذا النحو هو أهم ضمانات الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

2 ـ تسييس مسألة الأقليات:

يرجع أغلب الباحثين الغربيين والعرب ازدياد الاهتمام بظاهرة الأقليات إلى مطلع القرن التاسع عشر، حينما تضمنت اتفاقيات فيينا (1814 ـ 1815) نصوصاً تدعو إلى الحرية الدينية والمساواة السياسية. ثم تطور ذلك الاهتمام بتكثيف نشاط الحركة اليهودية، في الربع الأول من القرن العشرين، لحماية الأقليات عامة واليهودية منها خاصة، ومنحها المساواة في الحقوق المدنية والسياسية في الدول التي كانت تنكر عليها هذه الحقوق. تزايد هذا الاهتمام بمناداة الحركة الاشتراكية العالمية بحق تقرير المصير عام 1918. بعد ذلك أشارت اتفاقيات مؤتمر السلام في فرساي (1919 ـ 1920)، في إطار عصبة الأمم، إلى الحقوق الثقافية والقومية للأقليات. ثم وضعت الأمم المتحدة إعلان حقوق الإنسان (10/12/1948) الذي منع التمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون أو الاتجاه السياسي. وصولاً إلى إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية الصادر في 10/12/1992(3). إن العودة إلى هذه المعاهدات والمواثيق تؤكد على أن مسألة الأقليات كانت مندرجة دوماً في النزاعات المحلية والإقليمية والدولية، سواء في محاولات إذكاء هذه النزاعات أو في محاولات إخمادها.

بيد أن تسييس مسألة الأقليات في الوطن العربي بوجه عام، وفي سورية بوجه خاص، يرجع إلى بدايات التوسع الرأسمالي الغربي في الإمبراطورية العثمانية، وفرض نظام الامتيازات ومبدأ “حماية الأقليات”(4)، فقد أدى ضعف الدولة العثمانية التي قامت على المركزية العسكرية واللامركزية الإدارية، والتي كانت مخترقة بنظام الملل ونظام الامتيازات، إلى تمكين الأوربيين من تحويل نظام الملل إلى مسألة أقليات، مستفيدين من الامتيازات الممنوحة لهم في “حماية الأقليات”. اقتسمت الدول الكبرى الملل ورعت مصالحها وعمدت إلى تعزيز الروابط التقليدية التي تربطها بها(5). وقد تنبهت السلطة العثمانية لمخاطر الحماية فأصدرت عام 1839 خط كلخانة الذي نص على المساواة بين الرعية أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو المذهب، على أن تتحمل جميع أعباء المواطنة العثمانية فيما يتعلق بالضرائب والجندية. إلا أنها لم تفلح في إلغاء هذا النظام إلا عام 1914(6).

تنامى هذا الاتجاه بعد الحرب العالمية الأولى وخضوع البلدان العربية للاستعمار المباشر، إثر معاهدة سايكس بيكو التي جرى فيها توزيع أسلاب الإمبراطوية العثمانية المهزومة بين المنتصرين على نحو يمكنهم من التدخل في أوضاع هذه البلدان كلما بدرت منها بوادر الخروج على طاعتهم. فقد حاولت فرنسا تقسيم سورية إلى دويلات، لاثنتين منها على الأقل طابع مذهبي واضح هما دولة جبل الدروز ودولة جبل العلويين. إلا أن الشعب السوري بمختلف فئاته أحبط ذلك التقسيم فلم يلبث إلا قليلاً، ولم يثبت في ذاكرة السوريين. بل إن ثورتين مهمتين من الثورات السورية على الاستعمار الفرنسي انطلقتا من “جبل العلويين” و”جبل الدروز”، وتحولت الثانية إلى ثورة شاملة قادها سلطان باشا الأطرش، أحد أبناء الأقلية الدرزية. كذلك ثورة إبراهيم هنانو الذي ينتمي إلى الأقلية الكردية.

بلغ تسييس هذه المسالة ذروته بعد فصل لبنان عن سورية وإقامة دولته على مبدأ التوازن الطائفي القلق، ثم إقامة دولة إسرائيل العنصرية على جزء من أرض فلسطين. فغدت مسألة الأقليات أحد المحاور الأساسية في استراتيجية هذا الكيان الاستيطاني والتوسعي وفي استراتيجيات الدول الكبرى. ومما يلفت النظر زيادة الاهتمام بحقوق الأقليات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى وحيدة فرضت نفسها على الأمم المتحدة وعلى العالم.

تجدر الإشارة إلى أن الردة الدينية ومحاولات إنعاش الهويات الحصرية التي يشهدها العالم، ولا سيما أطرافه أو هوامشه المتأخرة، أسهمت هي الأخرى في تعزيز عملية التسييس التي غدت أحد محاور السياسة الأمريكية في دول الاتحاد السوفييتي السابق والاتحاد اليوغوسلافي السابق وفي الوطن العربي وأماكن أخرى كثيرة أيضاً. في الوطن العربي تضافرت العوامل الخارجية والتأخر التاريخي والاستبداد السياسي في انفجار مسألة الأقليات واندلاع النزاعات المحلية والحروب الأهلية التي أسفرت، بين عامي 1956 و1991، عن مقتل 1230000 ضحية وتشريد 7300000 شخص وهدر مائة مليار دولار(7).

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أساس حقوق الأقليات:

قام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أساس “الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية والثابتة”. وهذا الاعتراف، كما جاء في ديباجة الإعلان، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. إن ما يرنو إليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة. وليس من ضامن لحقوق الإنسان وحريته سوى القانون، وإلا فإن الناس يضطرون في آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.

إن المبادئ العامة الأساسية، التي نص عليها الإعلان العالمي، هي الأساس الذي تقوم عليه حقوق الأقليات. وإلا فإن المناداة بهذه الحقوق، على غير هذا الأساس، يمكن أن تذهب في اتجاهات غير مرغوب فيها تحددها مصالح بعينها. تبرهن التجربة الحية يوماً بعد يوم أن أصحاب هذه المصالح لا يريدون خيراً بالأقليات وليسوا من يوثق بهم في الدفاع عنها. وفي هذا المجال يساورنا الشك في الدوافع والغايات التي صيغت في ضوئها وثيقة الأمم المتحدة حول حقوق الأفراد المنتمين إلى جماعات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية التي صدرت عام 1992. أي بعد أن فرضت الولايات المتحدة نفسها قوة وحيدة على الأمم المتحدة وعلى العالم، لاسيما أن هذه الوثيقة تتحدث عن دور الأمم المتحدة في “حماية الأقليات”.

يعرف الجميع أنه ليس بوسع الأمم المتحدة أن تفعل ذلك إلا بوساطة القوات الأمريكية التي هي شر عدو لحقوق الإنسان. ويخشى أن تكون أهم الدوافع والغايات تفكيك الدول القومية وتفتيت المجتمعات على نحو ما جرى في الاتحاد السوفييتي السابق ويوغوسلافيا وغيرهما. أو على نحو ما “دافعت” الولايات المتحدة الأمريكية ولا تزال “تدافع” عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات في العراق. في هذا السياق، لا بد من تأكيد حقيقة، أن مسألة الأقليات في كل مجتمع هي مسألة داخلية صرفة لا يمكن حلها من الخارج، وإلا عدنا إلى نظام “حماية الأقليات” الذي فرضته الدول الأوربية على الدولة العثمانية فقوضت أركانها. ليس بوسع أي قوة خارجية أن تحل مسألة الأقليات، أو أي فرع من فروعها، في مجتمع ما حلاً ناجعاً ودائماً ما لم يحلها المجتمع المعني نفسه، بوسائله الخاصة، ووفق مصالحة الوطنية. ما يلفت النظر هو أن الوثيقة المذكورة تطالب الدول بحماية وجود الأقليات في إقليمها، وبحماية هويتها القومية أو الإثنية، وهويتها الثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية، متجاهلة حق الأقلية في الاندماج الوطني واكتساب الهوية الوطنية.

الأساس الأول هو ما نصت عليه المادة الأولى من الإعلان: “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء”.

هذا المبدأ الأنطولوجي ـ الوجودي ـ هو ذاته المبدأ العقلي والأخلاقي. لكن الناس يعيشون في مجتمعات تشكت تاريخياً على أساس آخر هو اغتراب الإنسان عن ناتج عمله (عمل الرأس واليدين)، واغترابه عن عالمه وعن ذاته. كانت الملكية الخاصة ولا تزال أهم عوامل هذا الاغتراب وأبرز مظهر من مظاهره. فالتفاوت في الملكية أنتج تفاوتاً في القوة وأنتج من ثم تفاوتاً في الحقوق. “لكل من الحق بقدر ما له من القوة”.

ثمة إذاً تفاوت صارخ بين الأساس الوجودي، العقلي والأخلاقي، والممارسة العملية. فإذا كان ما جاء قي المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منطقياً وأخلاقياً(8)، فإن الممارسة العملية، والأسس التي قامت عليها الحياة الاجتماعية والسياسية حتى يومنا، ليست كذلك، حتى في أكثر الدول تقدماً ومراعاة لـ “حقوق الإنسان”. لكن للمبدأ قوة أخلاقية بوصفه معياراً للممارسة وحاكماً عليها. لذلك لا بد من الاعتراف بالمبدأ اعترافاً أولياً ونهائياً. وإضافة إلى ما تقدم، لا بد من الاعتراف بالمبادئ الآتية التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

1 ـ كل إنسان أينما وجد، له الحق أن يعترف بشخصيته القانونية.

2 ـ كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أي تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان، وضد أي تحريض على تمييز كهذا.

3 ـ لا يعرّض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو مساس بشرفه وسمعته. ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

4 ـ لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة. ويحق لكل فرد أن يغادر أي بلد، بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة إليها.

5 ـ لكل فرد الحق أن يلجاً إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد. ما لم يكن محكوماً بجرائم غير سياسية، أو بأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

6 ـ لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.

7 ـ لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر والطقوس ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة.

8 ـ يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية.

9 ـ لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. يشمل هذا الحق اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

10 ـ لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. ولا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.

11 ـ لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بوساطة ممثلين يختارون اختياراً حراً. ولكل شخص الحق نفسه الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد. وإرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

إن تحقيق هذه المبادئ واقعياً يفترض، كما توحي نصوصها، علاقات اجتماعية حديثة، ودولة ديمقراطية وعلمانية بالضرورة. أو لنقل إنها تفترض مجتمعاً مدنياً حديثاً ودولة ديمقراطية. وهو افتراض يحيلنا على الأسباب العميقة التي حالت ولا تزال تحول دون تمتع الأقليات بحقوقها المشروعة. هذه الأسباب تضرب جذورها عميقاً في بنى المجتمع التقليدي المتأخر والمستباح، وفي بنية الدولة الاستبدادية. فالاستبداد الشرقي المحدث المنبعث من جوف التاريخ، والذي يقوم على الاستتباع والاستعباد يقتل في الإنسان شخصه القانوني ثم يقتل فيه شخصه الأخلاقي. ناهيك عن الإفقار والتقفير، أي تحويل البشر إلى كائنات مفعمة بالمرارة والشعور بالعجز والخواء واللاجدوى. بهذه الآليات يدمر الاستبداد مجال الحياة العامة الذي يوفر فرص اندماج الجماعات الدينية والمذهبية والقومية واللغوية والثقافية والفئات الاجتماعية في نسيج اجتماعي يرقى بالأفراد من رعايا إلى مواطنين، ويسمح بإنتاج هوية وطنية تعيد ترتيب الروابط الأولية والعلاقات الاجتماعية على محور الانتماء الوطني. ثم لا يلبث أن يدمر مجال الحياة الخاصة والشخصية، فيقضي على ذاتية الفرد وحريته واستقلاله. فمن العبث أن نبحث عن معوقات حقوق الإنسان بوجه عام، وعن أسباب عدم تمتع الأقليات، بوجه خاص، بحقوقها خارج نطاق علاقات الإنتاج والعلاقات الاجتماعية، وخارج نطاق الدولة وعلاقتها بالمجتمع الذي يفترض أنه أنتجها.

لقد أقر الدستور السوري، الذي صدر بالمرسوم رقم 208 تاريخ 13/3/1973، معظم المبادئ التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخاصة في المواد: 25 و 33 و35 و 38. لكن هذه المبادئ ظلت حبراً على ورق، بل إن الدستور نفسه ولد ميتاً في ظل حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي ترزح البلاد تحتها منذ الثامن من آذار عام 1963. كما أن آليات مراكمة السلطة وحصر جميع السلطات في يد واحدة واحتكار جميع مصادر الثروة والقوة والسلطة في المجتمع، والسيطرة من ثم على جميع مفاصل حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، جعلت الحقوق برمتها والحريات الأساسية جميعها في خبر كان.

* فقد جاء في المادة 25 من الدستور السوري ما يلي:

1 ـ الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.

2 ـ سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة.

3 ـ المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.

4 ـ تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

5 ـ لكل مواطن الحق في الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك.

6 ـ يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقاً للقانون.

* وفي المادة 33:

7 ـ لا يجوز إبعاد المواطن عن أرض الوطن.

8 ـ لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة إلا إذا منع من ذلك بحكم قضائي أو تنفيذاً لقوانين الصحة والسلامة العامة.

9 ـ لا يسلم اللاجئون السياسيون بسبب مبادئهم السياسية أو دفاعهم عن الحرية.

* وفي المادة 35:

10 ـ حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان.

11 ـ تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على ألا يخل ذلك بالنظام العام.

* وفي المادة 38:

لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى، وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي، وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة وفقاً للقانون.

هذه المبادئ التي تضمنها الدستور السوري تشكل، في حال العمل بمقتضاها، أساساً مكيناً لحل مسألة الأقليات في سورية بما يعزز الوحدة الوطنية. وحدة المجتمع والدولة بما هي وحدة التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض. لذلك فإن المقدمة الأولى لإحقاق حقوق الإنسان وحقوق الأقليات في سورية هي تحويل بنية الدولة التسلطية القائمة إلى دولة دستورية، دولة حق وقانون، لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز على أي أساس كان. والبدوة الأولى هي رفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام والمحاكم الاستثنائية وجميع القوانين ذات الصلة، لاسيما المخالفة منها للدستور، والمقيدة لمواده التي تكفل الحقوق المدنية والحريات الأساسية، وإزالة التناقض بين مواد الدستور ذاته. وكل حديث عن مسألة الأقليات لا ينطلق من هذه المقدمة يصب في محاولات إيقاظ الفتنة وتدمير الوحدة الوطنية. فليس من حل ناجع لمسألة الأقليات الدينية والمذهبية سوى علمنة المجتمع والدولة. وليس من حل ناجع لمسألة الأقليات القومية سوى الحل الديمقراطي. فمسألة الأقليات برمتها تتركز في الانعتاق السياسي، المقدمة اللازمة والضرورية منطقياً وتاريخياً للانعتاق الإنساني.

الصفة القومية للدولة:

سميت الدولة باسم “الجمهورية العربية السورية” وعرفها الدستور في المادة الأولى على النحو الآتي:

1 ـ الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها وهي عضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية.

2 ـ القطر العربي السوري جزء من الوطن العربي.

3 ـ الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة.

كما حدد الدستور دين رئيس الجمهورية والمصدر الرئيسي للتشريع:

1 ـ دين رئيس الجمهورية الإسلام.

2 ـ الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع.

وحددت المادة الرابعة لغة الدولة الرسمية وهي العربية.

من بين جميع الصفات التي وصفت بها الدولة، هناك صفة العروبة التي يمكن أن تثير حساسية بعض المواطنين السوريين من غير العرب، لاسيما حين يقرر الدستور: أن الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة. لكن تفحصاً هادئاً وموضوعياً لهذه الصفة يمكن أن يجلو هذا اللبس. فالدولة، أي دولة، لا تبدو لمواطنيها، من الداخل، بصفتها القومية، بل بصفتها دولة حق وقانون فحسب، في حين تبدو لغير مواطنيها، من الخارج، بصفتها القومية. هذه الصفة القومية هي الصفة الغالبة على الدولة الحديثة بوجه عام، وهي صفة مستمدة من أكثرية السكان، وهم في الحالة السورية من العرب. ليس هناك دولة قومية تبدو لمواطنيها من الداخل بصفتها القومية سوى الدولة العنصرية كدولة جنوب إفريقيا سابقاً ودولة إسرائيل القائمة على زعم أن اليهودية رابطة قومية، وأن اليهود هم شعب الله المختار. ويؤكد ما نذهب إليه أن الصفة الأولى من صفات الدولة عندنا هي الجمهورية، والجمهورية تعني العمومية، وتعني أن الدولة هي دولة جميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز.

لقد أكد الدستور ذلك في المواد التي أشرنا إليها، ومن هنا فإن جميع السياسات والإجراءات التمييزية ضد المواطنين غير العرب هي سياسات وإجراءات غير دستورية. بيد أنه ليس منطقياً القول إن الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية.. بل إن المنطقي والواقعي، هو القول إن العرب من الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية. بمثل هذا القول يكون الدستور قد أقر بوجود جماعات قومية غير عربية في سورية. وهذا لا يتعارض مع أي مادة من مواده ولا مع أي بند من بنوده. بمثل هذا الإقرار تكون مسألة الأقليات القومية قد وضعت على طريق الحل الديمقراطي، لأن الاعتراف بوجود أقلية قومية هو اعتراف بوجود مشكلة تحتاج إلى حل.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الفكر القومي التقليدي لا يعترف، ذاتياً، بوجود مثل هذه المشكلة. والأيديولوجية القومية العربية بمنطقها التقليدي اللاتاريخي، كغيرها من الأيديولوجيات، لا تعترف بالحقائق الواقعية ولا بالحقائق العقلية. لأن الحقائق الواقعية والحقائق العقلية، على السواء، تعملان على تفسيخ الأيديولوجية وتعرية نواها الصلبة، وتهددان من ثم، الهوية الثابتة، اللاتاريخية، المغلقة على فقرها وخوائها. إنها في حقيقة الأمر “عقدة هوية” أنتجتها ردود الفعل على الانتهاكات الخارجية والهزائم المذلة. فأساس موقف الأكثرية من الأقليات يكمن في هذه البؤرة الشعورية، أو في هذا “الوعي الذاتي” الذي يحدد موقف معتنقي الأيديولوجية من العالم، من المجتمع والدولة، ومن الإنسان.

مسألة الأقليات في سورية:

أشرنا آنفاً إلى أن المجتمع السوري من أكثر المجتمعات العربية تنوعاً، وهو من أكثر المجتمعات الشديدة التنوع استقراراً في الوقت ذاته. وإذا كانت المركزية (أي قيام دولة مركزية) والاستقرار الاجتماعي والسياسي معيارين أساسيين، فإن التركيب السكاني في سورية لم يكن في يوم من الأيام حائلاً دونهما. وهذا بحكم الرجحان العددي لأكثرية المجتمع القومية (العرب)، ولأكثريته الدينية (المسلمين السنة)، ولتصاقب الأكثرية القومية والأكثرية الدينية. إذ يؤلف العرب المسلمون 80.1• من مجموع السكان، 64.3• منهم مسلمون سنة و 11.6• علويون و 8• إسماعيليون و 0.4• شيعة و 3• دروز. وإذا أضفنا الأكراد، وهم مسلمون سنة، ونسبتهم من السكان نحو 7 •، إلى المسلمين السنة الآخرين، تصبح نسبة المسلمين السنة من السكان نحو 71.3•.

أما المسيحيون العرب فيؤلفون نسبة 8.9• من السكان، ويتوزعون طائفياً على النحو الآتي: 4• روم أرثوذكس (اليونان الأرثوذكس)، و 1.3• روم كاثوليك (اليونان الكاثوليك)، و 1.3• سوريون أرثوذكس، و0.05• سوريون كاثوليك، و0.04• موارنة، و0.04• بروتستانت، و0.07• كلدان ولاتين ونساطرة. وإذا أضيف الأرمن، وهم مسيحيون، نسبتهم من السكان نحو 4•، تصبح نسبة المسيحيين نحو 12.9• من مجموع السكان. وهناك أقلية من اليزيديين وعدد قليل جداً من أتباع الديانة اليهودية، لا تتعدى نسبتهم جميعاً 0.05• من السكان.

على الصعيد القومي، يؤلف العرب نحو 89• من مجموع السكان، يليهم الأكراد 7•، والأرمن والشركس وغيرهم 4•. ويمكن القول إن المجتمع السوري يتوفر في ضوء هذه النسب ـ مع أن المسألة لا تنحل في النسب العددية فقط بل تتعداها إلى طابع العلاقات الاجتماعية ـ على عوامل الاستقرار والوحدة الوطنية. ومن الصعوبة بمكان خلخلة هذا الاستقرار أو العبث بهذه الوحدة. غير أن الوحدة الوطنية ليست معطى ناجزاً ونهائياً، بل هي بالأحرى معركة مفتوحة ينبغي كسبها باستمرار. من شروط كسبها اليوم، إضافة إلى ما أشرت إليه، هو توحيد القانون. إي إخضاع قوانين الأحوال الشخصية المختلفة والمتباينة للقانون المدني الذي تسري أحكامه على جميع المواطنين وإجازة الزواج المدني بلا قيود سوى قيد القانون المدني. فلا يعقل أن يكون في مجتمع واحد يتطلع إلى الاندماج الوطني والاجتماعي قوانين متعددة في مجال الأحوال الشخصية. إن توحيد المرجعية القانونية شرط لازم لتوحيد المجتمع، وإن قوام وحدة المجتمع والدولة الفعلية هي القانون بصفته تعبيراً عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين وبين جميع الفئات الاجتماعية. ولا يذهبن الظن إلى أن المسألة يمكن أن تحل بقوانين ومراسيم، على أهمية هذه وتلك، بل باكتساب منجزات الحداثة وتمثلها على صعيد المجتمع، وإحداث ثورة كوبرنيكية على صعيد الوعي الاجتماعي تغير زاوية نظر المجتمع إلى نفسه وإلى الطبيعة وإلى العالم. فكوبرنيكوس لم يغير نظام الكون، بل غير زاوية النظر إليه فحسب، فتغير كل شيء في ذهن الإنسان.

لعلنا نغامر هنا فنقول: إن قضية حقوق الإنسان، بوجه عام، وحقوق الأقليات، بوجه خاص، هي قضية تحديث الوعي الاجتماعي وعقلنته وعلمنته ودمقرطته. ليس لدينا وهم حول الطابع الذاتي لهذه العملية، لكننا نراهن على عناصر موضوعية موجودة في واقعنا بالقوة وبالفعل، وعلى إيقاع تطور العالم الذي نحن جزء منه. فما تحقق من تقدم في أي مكان من العالم هو محرز إنساني عام لبني الإنسان. وأساس الرهان أن الأيديولوجية العربية السائدة انقطعت جميع صلاتها بالواقع وغدت متخلفة عن ممارسة المجتمع الذي يتبناها. هنا تكمن إشكالية التأخر التاريخي لشعوب ملقاة على هامش العصر، وقد تخرجها العولمة الرأسمالية المتوحشة من التاريخ.

باستثناء المواطنين السوريين الذين ينتمون ذاتياً وموضوعياً إلى القومية الكردية، لا تعاني أي أقلية دينية أو مذهبية أو قومية أو لغوية ثقافية من اضطهاد وتمييز موصوفين. حتى الإجراءات التمييزية وأشكال الاضطهاد القومي التي يعانيها الأكراد السوريون لا تعدو كونها ممارسات وإجراءات غير قانونية وغير دستورية تقوم بها بعض السلطات المحلية، ولا سيما الأمنية منها، في مناطق سكناهم المتعددة. اللهم سوى ما هو مركزي من هذه الإجراءات كالحزام العربي، وحرمان نحو 160000 مواطن من الجنسية السورية، بموجب إحصاء عام 1962. هذه القضية لا تزال معلقة تحتاج إلى حل جذري بمقتضى الدستور. وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود مشكلة أقليات في سورية التي لا تزال تعاني من نقص الاندماج الوطني والاجتماعي، للأسباب التي أتينا على ذكرها.

تجدر الإشارة إلى أن الأكراد السوريين يقيمون في مناطق مختلفة ومتباعدة، في العاصمة دمشق وفي شمالي البلاد وشرقيها، ومعظمهم مستعربون، ومعظم هؤلاء المستعربين لا يعرفون أياً من اللهجات الكردية. إضافة إلى أن للأكراد والعرب المسلمين قاع ثقافي مشترك وتجربة تاريخية واحدة قلما امتاز خلالها الأكراد من العرب. فقد شارك الأكراد في الحياة السياسية بنشاط وحيوية وتسلم بعضهم مناصب رسمية عالية في الإدارة المدنية والجيش، بما فيها رئاسة الجمهورية من دون أن يثير ذلك أي رد فعل قومي أو حساسية قومية لدى العرب. بل إن الأكراد عرفوا دوماً بحميتهم في الدفاع عن الوطن والغيرة على استقلاله وسيادته ووحدة ترابه. وليس فيهم اليوم من يطالب بالحكم الذاتي، ناهيك عن المطالبة بالانفصال.

لكنه ليس من المنطقي أن نتجاهل حقهم في التعاطف مع بني جلدتهم في التطلع إلى إقامة دولة كردية، بقدر ما تتوافر الشروط الموضوعية والذاتية لقيامها. كما أنه ليس من المنطقي تجاهل حقوقهم الثقافية بصفتهم جماعة قومية تحرص على تعزيز هويتها الثقافية وتضامنها الداخلي. وإذا كان بين الأكراد السوريين من هم متعصبون قومياً، وهو أمر مطرد لدى جميع القوميات، فلا بد من إدراك حقيقة أن هذا التعصب لا يعدو كونه رد فعل على التعصب القومي لدى العرب. من هنا تنبع أهمية تنقية الوعي القومي العربي من شوائب التعصب. فالتعصب القومي هو مرض القومية الخبيث في كل مكان وزمان.

إن أحد المعايير المهمة في تقويم العلاقة بين الأكثرية والأقليات هو الزواج الخارجي، أي زواج العربي من غير العربية وبالعكس، وزواج المسلم من غير المسلمة وبالعكس. في ضوء هذا المعيار، تبدو علاقة العرب بالأكراد خاصة أقرب إلى التدامج الاجتماعي. إذ لا قيود على الزواج الخارجي سوى قيود زواج المسلم من غير المسلمة وبالعكس. وزوال هذه القيود رهن بعلمنة قوانين الأحوال الشخصية. قل مثل ذلك في العلاقة بين الأكثرية الإسلامية السنية والأقليات الإسلامية وغير الإسلامية. إذ لا يزال زواج المسلم السني من غير السنية يفرض تغيير دين الزوجة أو مذهبها وزواج المسلمة السنية من غير المسلم يقتضي تغيير ديانة الزوج أو مذهبه.

أما في مجال الحقوق المدنية والحريات الأساسية، فإن ما تعانيه الأقليات لا يختلف في شيء عما تعانيه الأكثرية، في ظل الأوضاع السياسية القائمة في البلاد منذ عام 1963، باستثناء ما أشرنا إليه مما يتعلق بالأقلية الكردية. ولا تزال الحقوق الثقافية لغير العرب بوجه عام مقيدة بالقيود التي فرضتها أوهام الأيديولوجية القومية العربية عن نفسها وعن الآخرين. من ثم، فإن حل هذه المسألة رهن بتحديث الأيديولوجية القومية وعقلنتها وعلمنتها ودمقرطتها. ولكم يتمنى المرء أن تنمو بادرات الإصلاح التي بدأت في سورية للتو، لتفتح إمكانية إنتاج نظام ديمقراطي وعلماني يستجيب لمطالب الروح الإنساني ومطالب العقل. فيمكن جميع ذوي الحقوق من التمتع بحقوقهم في ظل سيادة القانون وسيادة الشعب.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

المراجع:

(*) مسألة الأقليات، أو الجماعات القومية والإثنية واللغوية والثقافية والدينية والمذهبية هي بالأحرى مسائل جرى التعبير عنها بالجمع ومعالجتها بالجملة. استعملت للدلالة عليها مجتمعة كلمات ومصطلحات وضعتها الأكثرية، لا تخلو أي منها من مغزى أيديولوجي لا يلقى قبولاً ولا ارتياحاً من الجماعة المعنية في كل مرة. ونحن إذ نستعمل كلمة أقلية أو كلمة أقليات لا ننكر ما تحمله هذه الكلمة أو تلك من شعور ضمني بالتفوق والاستعلاء، ومن إيحاء بتهوين المسألة والتقليل من شأنها وأهميتها، حتى حين تكون تداعياتها خطرة ومؤرقة. وفي كل مرة يستعمل فيها مفهوم الأقلية أو الأقليات يستحضر تاريخاً من العلاقات المعقدة بين الأقلية المعنية والأكثرية التي هي بإزائها، وهو تاريخ ملون دوماً بألوان ذاتية ومفعم بالأوهام عن الذات وعن الآخر. لكن الجانب الموضوعي الذي ينطوي عليه المصطلح يحيل على مقولتي الكم والنسبة الرياضيتين، مما يسوغ استعماله في البحث.

1 ـ راجع ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، دار الحصاد، دمشق، ط2، 1997، ص232 وما بعدها.

2 ـ مفهوم الاندماج الوطني أو الاندماج القومي والاجتماعي يقوم في معارضة مفاهيم الصهر والتذويب والتمثل. فهو مؤسس على المبدأ العلماني الديمقراطي، مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون.

3 ـ راجع سعد الدين إبراهيم، الملل والنحل والأعراق، هموم الأقليات في الوطن العربي، مركز ابن خلدون، القاهرة، 1994، ص 15 وما بعدها.

4 ـ في عام 942 هـ/ 1535 م عقد السلطان سليمان القانوني معاهدة مع فرانسوا الأول، ملك فرنسة، عدت الأساس لفكرة الامتيازات التي تمتعت بها الدول الغربية. وكانت تلك الامتيازات انتهاكاً لسيادة الدولة، لا سيما في مجالي التشريع والقضاء.

5 ـ راجع أحمد الصاوي، الأقليات التاريخية في الوطن العربي، مركز الحضارة العربية، السلسلة القومية، /1/ القاهرة، 1989، ص 30 وما بعدها.

6 ـ المصدر نفسه، ص 36.

7 ـ سعد الدين إبراهيم، مصدر سابق.

8 ـ تقول المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل إنسان حق التمتع بكل الحقوق والحريات (الواردة الإعلان العالمي)، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني والاجتماعي أو الثروة أو الميلاد، أو أي وضع آخر دون تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلاً عما تقدم، فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو للبقعة التي ينتمي إليها الفرد، سواء كان هذا البلد أو البقعة مستقلاً أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي، وكانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود”.

 

الفصل الخامس عشر

أوضاع الشباب في المجتمع السوري

تميم وماجد(*)

نحاول في هذا البحث المتواضع الذي تنطحنا لمعالجته أن نتحدث عن الهموم والمشاكل والتحديات التي يواجهها جيل كامل مهمّش في سورية هو جيل الشباب. ذلك كوننا ننتمي لهذا الجيل بالذات ونعتقد أن من يوضع في خضم المشكلة هو خير من يتحدث عنها.

الانتماءات السياسية والفكرية للشبيبة:

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مواده 18 و19 و20 على أنه لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين وحرية الإعراب عن ذلك بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر والحق في حرية الرأي والتعبير واعتناق الآراء دون أي تدخل أو إرغامه على الانضمام إلى جمعية. أما اتفاقية حقوق الطفل (يعد طفلا من هو دون الثامنة عشر من عمره)، والتي صادقت عليها سوريا عام 1993، فتؤكد على ما جاء في الإعلان بهذا الخصوص حيث تضمن حرية الفكر والوجدان والدين.

في سوريا، يبدأ الحديث عن أي انتماء سياسي أو فكري للشبيبة من اللحظة التي تتم فيها بداية عملية تطويعها في ماكينة المؤسسات الاجتماعية الأساسية، وبخاصة المؤسسة التعليمية. حيث يتم في مرحلتها الابتدائية تنسيبهم لمنظمة طلائع البعث، وفي المرحلة الإعدادية لاتحاد شبيبة الثورة (وهما منظمتان رديفتان للبعث). أما عندما تبلغ الشبيبة المرحلة الثانوية، فتوضع في مواجهة شكل تنظيمي جديد أكثر اتساعاً يحمل قدراً أكبر من المسؤولية والالتزام المستقبليين. ذلك في وقت لا يزال الناشئ فيه غير متمتع بمقدار كاف من الوعي والثقافة اللذين يؤهلانه لاختيار اتجاه سياسي أو تنظيمي أو فكري.

تبدأ المفارقة عندما يتم توزيع طلبات الانتساب لحزب البعث أثناء الدوام الرسمي وبشكل مفاجئ من قبل إدارة المدرسة، حيث يكون على كل طالب أن يملأ استمارة “تؤهله” للانتساب إلى حزب البعث (كعضو نصير). طبعا يجري ذلك دون أية مناقشة أو تحضير لتحمل هكذا مسؤولية (إلا لدى العدد القليل المواظب والمشارك في النشاطات الفعالة لاتحاد شبيبة الثورة). هذه المفاجأة تفقد الشباب المعنيين إمكانية اتخاذ القرار السليم وتدفع بعضهم إلى التحمس للانتساب للبعث. وهنا تلعب مجموعة من الظروف دوراً فعالاً في منحى القرار، ابتداءً من الإغراءات والامتيازات التي يمكن الحصول عليها، وانتهاء بالتذكير بالمضاعفات المترتبة على الرفض. وعادة لا يمتنع عن الانتساب لما يعرض عليهم إلا الطلاب الذين تم توجيههم مسبقا بشكل مغاير بتأثير محيطهم بعيداً عن المؤسسة التعليمية.

لا بد هنا من التذكير بنقطة على قدر من الأهمية وهي حظر نشاط الأحزاب والمنظمات الأخرى ضمن المدارس (بمقتضى ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية)، مما يلغي بقية الاختيارات.

تتخذ الاجتماعات الحزبية في مرحلة المدرسة صورة أقرب ما تكون إلى الحصص الدراسية، حيث تأخذ مكانها ضمن البرنامج الدراسي. كما أن أمناء الحلقات ينتمون في غالبيتهم إلى الجهاز التدريسي. مما يطبع الاجتماعات الحزبية بطابع الدرس النظري، خاصة وأن النشاط الغالب هو قراءة مواد من أدبيات البعث وقراراته دون فهم حقيقي لها. ذلك بالإضافة إلى نشاطات أخرى لا تمت للاجتماع الحزبي بمفهومه المعروف بصلة، وقد تحوله إلى وقت للتسلية في بعض الحالات.

يلاحظ ضمن هذا الوضع عدم التزام الطلاب وأمناء الحلقات فعلياً بالممارسة التنظيمية المفترضة، بالإضافة إلى عدم ملاحقتهم من قبل القيادات الحزبية الأعلى. مما يوحي بأن الهدف الحقيقي من الانتماء المبكر للبعث ليس الإعداد الفكري للطلاب تمهيداً لتحويلهم إلى أعضاء عاملين فاعلين، وإنما لأهداف أخرى. من هذه الأهداف: الحدّ من قواعد الأحزاب الأخرى التي لا تتمكن من ممارسة نشاطها إلا لما بعد مرحلة المدرسة رغم كون هذه الأحزاب مشلولة أساساً لتبعيتها التامة للبعث (نظرية الحزب القائد للدولة والمجتمع)، والتربية على الالتزام بقرارات القيادات الحزبية والشعارات البعثية المطروحة مرحلياً والتي تمثل بالنتيجة توجهات النظام.

ينتقل الطالب بعد إنهائه المرحلة الثانوية إلى الجامعة (التي طالما كانت في السابق من أهم مراكز العمل السياسي) ليجد نفسه في جو خالٍ تماماً من أشكال العمل السياسي المفترضة. فالجامعات السورية منطقة نفوذ مطلق للبعث ولمنظمته الرديفة (مجدداً)، الاتحاد الوطني لطلبة سورية. يتم ذلك من خلال وجود فرع خاص بالجامعة للبعث تتوزع شعبه في مختلف كلياتها. بالإضافة لسيطرة الاتحاد الوطني لطلبة سورية (الانتساب إليه إلزامي على كل طالب في الجامعة) على جميع النشاطات الطلابية (المؤتمرات الطلابية، الهيئات الإدارية...).

هنا لا يستطيع الطالب الذي بدأ بتشكيل الوعي الكافي لاختيار انتمائه الفكري والتنظيمي أن يترجم هذا الوعي إلى خطوات عملية لأنه منظم مسبقاً بالبعث، الأمر الذي يمنعه من ممارسة أي شكل تنظيمي آخر. أما من لم يتم تنظيمه في البعث لسبب من الأسباب (الطلاب الذين درسوا المرحلة الثانوية في الخليج العربي مثلاً)، فيجري تنظيمه أثناء بدايات دراسته الجامعية تحت تأثير دعاية مجددة أو ضغوط من نوع آخر (فرص البعثات والإيفاد المرهونة للبعثيين أولاً بالإضافة لبعض الضغوط والتهديدات الأمنية).

بعد كل ما سبق، يبقى الشكل الوحيد للعمل التنظيمي البعثي في الجامعة الاجتماعات الحزبية التي لا تحمل صيغة اجتماعات القواعد الحزبية الحقيقية. فالمجتمعون يتلقون القرارات الحزبية وسياسات الدولة بصيغتها النهائية، لا ليناقشوها ويصوتوا عليها، بل لمجرد الاطلاع عليها. أما مبادئ البعث في النقد والنقد الذاتي فلم تعد أكثر من نظريات تحكى. ضمن هذه الظروف، ينصب الاهتمام الأساسي على أسماء الملتزمين ويصبح عدم الالتزام بهذه الاجتماعات مشكلة لدى القيادات الحزبية، تعالج بتنبيهات، ثم إنذارات حزبية، ثم تحقيقات وتهديدات بالفصل ذلك مع كل ما يحمله هذا الفصل من تبعات كتحويل التحقيقات إلى فروع المخابرات وعدم منح جواز السفر الخ. علماً أن تهديدات الفصل لا تنفّذ واقعياً في معظم الأحيان (عندما يكون المهدد بالفصل حيادياً من الناحية السياسية ولا يوجد ما يسيء إليه من وجهة نظر النظام) رغم كثرة المنقطعين عن الاجتماعات بشكل كامل.

أما المشاكل الطلابية والإدارية وما يتبعها فيتم استيعابها من قبل الاتحاد الوطني لطلبة سورية بهيئاته الإدارية المنتخبة من قبل الطلاب سنوياً. هذه الهيئات الإدارية للكليا